السبت 3 أغسطس 2013
New Page 1

الاتباع حقيقته وموضوعاته.

د . عبد الجليل زهير ضمرة.

كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة اليرموك – الأردن.

ـــــــــــــــــــ

 

من المعلوم شرعا أن اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم والتأسي بما صدر عنه من الأقوال والأفعال يعد أصلا من أصول الدين , ومنهجا تشريعيا كليا متعين الالتزام , ومع تقرر هذا المفهوم من الناحية التأصيلية , فقد شحنت الساحة الفكرية المعاصرة – عند فريق عريض من المسلمين – بقضية الاتباع , حيث ثار الخلاف في ماهية الاتباع المتعين الالتزام به , وسرى التجاذب في العديد من متعلقاته الموضوعية لمسمى الاتباع , حتى أفضت هذه الحالة إلى ظهور مدرستين فكريتين , أنتجتا اتجاهين فقهيتين متناظرتين يلحظهما كل متابع :

 

المدرسة الأولى : التزمت أقوال الأئمة المجتهدين باعتبارهم ورثة علم السلف , ودعت للعناية بمذاهبهم , وقصرت مهمة التدليل والنظر في الدليل على المجتهد وحده , واعتبرت غيرهم ممن لم يرق إلى رتبة الاجتهاد مقلد يتعين عليهم التعرف على أقوال المجتهدين لاقتفائها ومتابعتها .

 

بينما التزمت المدرسة الثانية بالعودة إلى الكتاب والسنة للاستدلال بها على الأحكام الشرعية مباشرة , من غير أن تقصر هذا الحق على المجتهدين وحدهم , إذ يفضي هذا القصر إلى نبذ الدلائل وتعطيل مسالك الاستدلال , وبالتالي هجران الأوضاع الشرعية في التدليل والاستدلال , والعود عليها بالمصادرة بغير أثارة من دليل ولا استقامة تأصيل , مع العلم بأن مسالك الاجتهاد في هذا العصر ميسرة بالمقارنة مع ما مضى من الزمان , وقد عدت هذه المدرسة التقليد مقبوحا شرعا , لا يحل سلوكه إلا للعاجز عن النظر في الدلائل من العامة , وهذه الحالة على خلاف الأصل المفروض شرعا .

 

في ظل هذا التجاذب الفكري والفقهي , تبرز أهمية الدراسة التي بين أيدينا , حيث ركز الباحث على تأصيل موضوع الاتباع أصوليا , باعتباره ثمرة علم أصول الفقه , جاعلا الدراسة في مبحثين اثنين , أولهما لبيان مفهوم الاتباع ومعياره الأصولي بالنظر للمتبوع صلى الله عليه وسلم , وثانيهما مفهوم الاتباع بالنظر للمتبع .

 

في المبحث الأول و بعد تعريف الاتباع لغة يبين الباحث ماهية الاتباع في الاصطلاح الأصولي , وأنه سلوك سبيل النبي صلى الله عليه وسلم بوصف المشروعية مما لم يختص به دون أمته , طلبا للموافقة صورة ومعنى .

 

ومن الألفاظ ذات الصلة بمفهوم الاتباع : التأسي فبينما خصص أبو الحسن البصري والآمدي التأسي بالأفعال والتروك , بينما الاتباع في الأقوال والأفعال والتروك , لم يفعل ذلك عامة الأصوليين , واعتبروا الكلمتين بنفس المعنى .

 

وكذلك لفظ السنة التي إن أطلقت بمعنى الدليل كان الاتباع يعني موافقة النبي صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه مطلقا , وإن أطلقت بمعنى المدلول أصبح الاتباع مختصا بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ندبا وستحبابا .

 

وفي مقابلة ومواجهة الاتباع يطلق العلماء لفظ الابتداع على معنى مخالفة السنة , ومن هنا يسمى الطلاق المخالف لوصف المشروعية بالطلاق البدعي , فالابتداع كما عرفه الشاطبي : طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة بالتعبد لله عزوجل .

 

ومن أجل الوصول للاتباع الأصولي الصحيح لا بد من اجتماع أمرين في المتبوع : أولهما : موثوقية النسبة للمتبوع صلى الله عليه وسلم , وثانيهما : وضوح الدلالة على المعنى الصادر عنه صلى الله عليه وسلم .

 

فالخبر المنقول عنه صلى الله عليه وسلم إن كان متواترا أو صحيحا بغلبة الظن وجب الاتباع  وإلا فلا , ولا بد للاتباع أن يكون الحديث ظاهر الدلالة على المعنى ليصح الاستدلال به , فالمحتمل غير دال على معنى بالأصالة .

 

في المبحث الثاني المخصص للمتبع , يبين الباحث مفهوم الاتباع بالنسبة للمسلم المتبع , فالاتباع هنا تقرير أحكام الوقائع محالة على دلائلها التفصيلية ومشفوعة بمسالك الاستدلال المقتضية لإثبات مشروعيتها , كما قرر ذلك ابن القيم والشوكاني والصنعاني وغيرهم.

 

والاتباع بهذا المعنى يعد قبيلا لمفهوم التقليد المقصود به تقرير حكم الواقعة متجردا عن أصل الحجة المقتضية لإثبات المشروعية , فإذا تقرر حكم واقعة مشفوعا بالدليل المثبت لمشروعيته عند الأخذ فهو الاتباع , وإلا فذاك حقيقة التقليد.

 

أما عامة الأصوليين ممن لم يظهر عندهم لفظ الاتباع علما على مفهوم خاص , فقد وقع الخلاف بينهم في تحديد مدى سعة هذا المفهوم أو ضيقه بالمقارنة مع مفهوم التقليد , فذهب جماعة منهم لتوسعة مفهوم الاتباع على حساب التقليد , حتى انتهوا إلى أن التقليد منهي عنه جملا وتفصيلا , حيث لم يعدوا أخذا العامي بقول مفتيه مع عدم النظر في دليله تقليدا , بل أجروه من جملة مفهوم الاتباع , من خلال قيام المفتي في حق المستفتي مقام الحجية , أو لانعقاد الإجماع على لزوم الأخذ بقول المفتي , بينما يرى صفي الدين الهندي أن قبول العامي قول المفتي لا يندرج في مفهوم الاتباع , لظهور عرف الاستعمال بتسميته مقلدا , ولأن الحجج لم تثبت لزوم قبول قول معين للمفتي في حق المستفتي تعيينا , فيتحصل أن قبول قول المفتي يعد تقليدا على كل وجه لعدم استناده للدليل التفصيلي.

 

ومن الألفاظ ذات الصلة بالاتباع هنا التقليد , وهو الأخذ بالقول بغير أن تقوم عليه حجة شرعية تلزم العمل بمقتضاه عند الآخذ , في حين أن الاتباع يعني الأخذ بالقول مما قامت عليه الحجج الشرعية الملزمة للأخذ بمقتضاها عند الآخذ على جهة التعيين.

 

والسؤال هنا : هل هما قسمان فقط : الاتباع والتقليد ؟ بحيث يعتبر الخارج من أحدهما واقعا في الآخر لا محالة , أم أن هناك قسما ثالثا لهما ؟؟

 

عامة الأصوليين على أنهما قسمان اثنان , فالمجتهد هو من يتحقق فيه مسمى الاتباع لكمال أهليته بالنظر في الدلائل استقلالا , في حين يبقى غير المجتهد في دائرة التقليد والعامي , بينما ذهب الشوكاني وغيره إلى أن الاتباع قسيم ثالث للاجتهاد والتقليد .

 

وفي مسألة الاجتهاد الجزئي – أي في مسألة أو باب فقهي معين – يرى عامة الأصوليين ممن ربطوا بين الاتباع والاجتهاد , فأصبحت العلاقة بينهما علاقة تلازم , يرون أن الاجتهاد الجزئي تأخذ حكم الاجتهاد المطلق في الباب , فيعتبر المجتهد الجزئي بالتالي متبعا في هذا الباب أو تلك المسألة , ويعود في غيرها من المسائل مقلدا.

 

أما من جرى عنده الاتباع علما على مدلول خاص فيعتد بالاتباع قسيما لكل من الاجتهاد – بنوعيه التام والجزئي – والتقليد , وهو الظاهر من كلام الشوكاني وزروق وابن عبد البر ابن القيم والصنعاني وغيرهم .

 

وفي مسألة تعيين المتبع المتأهل للنظر في الدلائل الشرعية , اختلف الأصوليون في تعيين من يصدق عليه مسمى الاتباع بتأهله للنظر في الدلائل الشرعية على مذهبين : الأول : اعتمده عامة الأصوليون من فقهاء ومتكلمين , وهو مذهب المضيقين وحاصله انفراد المجتهد وحده بذلك , دون غيره حتى لو كان من أهل العلم والفقه , مستدلين بقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} النحل/43 , بينما الآية في سياق محاجة المشركين وأمرهم بسؤال أهل الكتاب عما قام في كتبهم من سنة الله في بعث الأنبياء

 

الثاني : أن طلب الدليل الشرعي على أحكام الوقائع والنظر في مسالك الاستدلال لازم على عامة المكلفين , ومنهم العامي ولو بدلالة الفقيه لمن لم يستظهر مسالك الاستدلال ولم يمهر بها , وقال بهذا ابن حزم والشوكاني والصنعاني وغيرهم , وهو مذهب الموسعين .

 

الثالث : أن كل فقيه مقتدر على النظر في الدلائل مطالب بإحالة الأحكام على ما يترجح لديه , ولا يختص هذا بمن بلغ الاجتهاد فقط , بينما يمنع العامي من ذلك لعجزه عن النظر والاستدلال , وقد قال بذلك ابن عبد البر وابن تيمية وابن القيم وغيرهم كثير , وهو مذهب المتوسطين .

 

واستدل هذا الرأي على أن حصر الاستدلال بالمجتهد وإلزام عامة المكلفين يتقليده لا تراعي دلالة الأدلة الشرعية نفسها , إذ ربما تظهر معارضة بين ما ترجح للمجتهد وبين دلالة بعض النصوص الشرعية في المسألة , والقول بالتقليد في مثل هذه الحالة مقبوح شرعا , إذ فيه مشاكلة من ذمهم الله تعالى بقوله : { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ......} البقرة/170

 

كما أن هناك أحاديث كثيرة تحذر من زلة العالم والوقوع بالغلط في متابعته , منها قوله صلى الله عليه وسلم ( اتقوا زلة العالم وانتظروا فيئته ) وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ويل للأتباع من عثرات العالم . وغيرها من الأدلة في هذا الباب .

 

وبعد عرض المذاهب حول هذا الموضوع , يرى الباحث أن الأمة عانت من  المضيقين والموسعين ردحا من الزمن , حيث حصرت الأولى الاستدلال بالمجتهد خوفا من الفوضى المعرفية ونزع هيبة الشريعة في حال تعميم أحقية الاستدلال للعامة , بينما عممت الثانية أهلية النظر لغير المجتهدين خوفا من تعطيل العمل بالأدلة الشرعية كما تقول , خاصة مع القول بانقطاع الاجتهاد ولزوم اتباع المذاهب الفقهية المشتهرة .

 

ويرجح الباحث مذهب المتوسطين , فالفقيه المتقن لمذهب فقهي , المطلع على دلائله والمتمهر في طرائق الاستدلال والمتمكن من علوم العربية والتفسير والحديث والأصول , يجوز له النظر في الدلائل شريطة عدم الخروج عن أقوال أحد المجتهدين على الجملة , بحيث لا يصير إلى أقوال شاذة لا يقوى وجه الاستدلال فيها على المقصود الشرعي .

 

وفي مسألة ما إذا اطلع الفقيه على ضعف مدرك إمامه في مسألة من المسائل , فهل يجوز له مخالفة المذهب بما ترجح لديه من الدليل الشرعي التفصيلي بالمسألة ؟؟

 

والمسألة متعلقة بتحديد من يصدق عليه لفظ الاتباع ؟ فمن قصر رتبة الاتباع على المجتهد وحده لم يجوز للفقيه المطلع على ضعف مدرك إمامه مخالفة المذهب , اعتمادا على أن الظن المستفاد ممن لم يرتق للمرتبة الاجتهاد لا يوثق به , في حين يذهب ابن عبد السلام وابن تيمية وابن القيم وغيرهم إلى أن الفقيه الذي يظهر له أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم ليس منسوخا , وأن جمعا غفيرا من المتبحرين بالعلم يذهبون إليه , بينما المخالف له لا يحتج إلا بقياس أو استنباط أو نحو ذلك , فلا سبب لمخالفة الحديث .

 

بينما رأى ابن حزم والصنعاني والشوكاني أن التباع مرتبة تسع عامة المكلفين , دون حصر بمجتهد أو فقيه أو عالم , والتقليد باطل مطلقا.

 

وبذكر النتائج والتوصيات يختم الباحث دراسته القيمة , التي تناولت جانبا مهما من جوانب أصول الفقه , وما يترتب عليها من معرفة المتبع من المبتدع , والمقلد من المجتهد , وهي مصطلحات كثرت حولها تساؤلات المسلمين في هذه الأيام . فجزاه الله كل خير .

 

 لتحميل الدراسة انقر هنا:

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الاتباع حقيقته وموضوعاته.

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7