الأربعاء 7 أغسطس 2013
New Page 1

رغم ادعاؤهم بأنهم مسلمون, وتظاهرهم بالانتساب إلى ملة الإسلام, إلا أن الاختلافات الجوهرية العقائدية بينهم وبين أهل السنة والجماعة, تثبت دون أدنى شك بأنهم أبعد ما يكونوا عن الإسلام الحق, وأقرب إلى ملل الكفر والانحراف.

فالغلو في منزلة علي رضي الله عنه, الذي يصل بهم إلى حد تأليهه, والسب والقدح في الصحابة الكرام, الذي يصل إلى حد النيل من بيت النبوة, واتهام بعض زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم, بما لا يليق بمسلم عادي بله أن تكون زوجة نبي, والقول بتحريف القرآن ونقصانه, ورفض معظم روايات أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, والقول بالتقية وزواج المتعة, والقول بعصمة أئمتهم وعلمائهم عن ارتكاب الصغائر والكبائر, ورفعهم إلى أعلى من درجة الأنبياء ..إلى آخر معتقداتهم وأفكارهم الباطلة الزائفة, تدل على بعدهم عن ثوابت الإيمان التي يدين بها أهل السنة والجماعة.

وحتى في بعض المعتقدات التي يبدو في ظاهرها التوافق بين الشيعة وأهل السنة والجماعة, كقضية الإيمان بحياة البرزخ في القبر, تلك الحياة الفاصلة بين الدنيا والآخرة, والتي تبدأ من موت الإنسان ودفنه وتنتهي بالبعث من القبور للحساب, إلا أن المدقق يلاحظ اختلافا واضحا في كثير من القضايا والجزئيات, الأمر الذي سنحاول تبيانه في هذا التقرير بإذن الله تعالى.

الحياة البرزخية في معتقد أهل السنة والجماعة

يؤمن أهل السنة والجماعة بحياة البرزخ بعد الموت, ويؤمنون بعذاب القبر ونعيمه, بدليل قول الله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} غافر/46 , وحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (مر رسول الله صلى الله عليه و سلم بحائط من حيطان مكة أو المدينة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: يعذبان وما يعذبان في كبير ثم قال: بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة فقيل له: لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم تيبسا -أو إلى أن ييبسا) قال النووي رحمه الله: فيه إثبات عذاب القبر, وهو مذهب أهل الحق. (1)

كما يعتقد أهل السنة والجماعة بسؤال الملكين منكر ونكير, فالإيمان به واجب شرعا لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أخبار يبلغ مجموعها حد التواتر

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا المجال: ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت, فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه, أما الفتنة فإن الناس يمتحنون في قبورهم, فيقال للرجل: من ربك؟؟ وما دينك؟؟ ومن نبيك؟؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة, فيقول المؤمن: ربي الله والإسلام ديني, ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيي.

وأما المرتاب فيقول: هاه هاه لا أدري, سمعت الناس يقولون شيئا فقلته, فيضرب بمرزبة من حديد, فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان, ولو سمعها لصعق, ثم بعد الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى. (2)

وعند سؤال الملكين تعود الروح إلى الجسد, لكن هذه الإعادة لا تحصل بها الحياة المعهودة التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبره, ويحتاج معها الطعام والشراب ونحوهما, وإنما يحصل بها للبدن حياة أخرى للإمتحان بالسؤال, قال ابن تيمية: عود الروح إلى بدن الميت في القبر ليس مثل عودها إليه في هذه الحياة الدنيا, وإن كان ذاك قد يكون أكمل من بعض الوجوه.(3)   

الحياة البرزخية عند الشيعة الإثني عشرية

رغم إيمان الشيعة بالحياة البرزخية بشكل عام كما جاء في كتبهم, إلا أن هناك كثيرا من الجزئيات التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة, إضافة إلى الكثير من التناقضات والمفارقات التي رافقت هذا الإيمان, الأمر الذي يجعل إيمانهم هذا مريبا ومشبوها, ومخالفا لإيمان أهل السنة والجماعة في كثير من النقاط التي سنحاول توضيحها فيما يلي:

1- الانتقائية والعبثية في الاستدلال بالقرآن الكريم أولى هذه المفارقات والتناقضات, ففي حين يشككون بالقرآن الذي بين أيدينا, ويزعمون وجود قرآن آخر مخفي مع المهدي المنتظر الذي يزعمون خروجه في آخر الزمان, بل ويسمون القرآن الذي بين أيدينا بالنقص والتحريف, نراهم يستدلون بنفس هذا القرآن على بعض معتقداتهم وأفكارهم, ومنها الحياة البرزخية, مما يجعل المرء في حيرة من أمرهم, هل يعترفون بهذا القرآن أم لا؟؟

فقد استدلوا على الحياة البرزخية بعد الموت بقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} المؤمنون/99 , وقوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} غافر/11

قال المجلسي: (اعلم أن الذي ظهر من الآيات الكثيرة والبراهين القاطعة, هو أن النفس باقية بعد الموت, إما معذبة ممن محض الكفر, أو منعمة ممن محض الإيمان, وترد إليه الحياة إما كاملا وإما إلى بعض إلى بعض بدنه .... ), ويدخل فيمن محض الكفر في زعمهم أهل السنة والجماعة, فقد قال في البحار: (وأما النصاب من أهل القبلة فإنه يخد لهم خدا إلى النار التي خلقها الله في المشرق, فيدخل عليهم اللهب والشرر والدخان وفورة الحميم إلى يوم القيامة, ثم بعد ذلك مصيرهم إلى الجحيم)(4)

2- خالف الشيعة الاثني عشرية مذهب أهل السنة والجماعة في قضية عذاب القبر, ففي حين ذهب جمهور علماء أهل السنة والجماعة إلى أن العذاب يطال الروح والجسد معا, وذلك بتقرير شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون نعيم أو عذاب, وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه, وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة, وأنها تتصل بالبدن أحيانا فيحصل معها النعيم والعذاب)(5)

ذهب الشيعة إلى أن العذاب للروح فقط دون الجسد, وذلك من خلال ما ورد في كتبهم: (جاءت الأخبار أن الروح إذا فارقت الجسد نعمت أو عذبت, والمراد أن الإنسان الذي هو الجوهر البسيط يسمى الروح وعليه الثواب والعقاب)(6)

3- كما خالف الشيعة أهل السنة في قضية دوام النعيم والعذاب في البرزخ (القبر) من انقطاعه.

ففي حين ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن نعيم البرزخ دائم لا ينقطع للمؤمنين, لأن موجبه وهو الإيمان والطاعات ثابت, وكذلك العذاب دائم لأهل الكفر لا ينقطع, بينما عصاة المؤمنين فمنهم من يعفو الله عنه ولا يعذب في قبره, ومنهم من تكون معاصيه من جنس الصغائر فيعذب بقدرها ثم يرفع عنه العذاب وينقطع, ومنهم من تكون معاصيه من جنس الكبائر فيستمر عذابه ما لم يخفف عنه بتسبيح جريد نخل أخضر كما ورد في الحديث.

بينما نجد اضطرابا في نصوص الشيعة الواردة في هذا الأمر, فقد أورد المجلسي نصين يتعارض مفهوم ظاهر الأول مع منطوق الثاني, حيث يقول في النص الأول: (وقد يرتفعان عن بعض المؤمنين كمن لقن أو مات في ليلة الجمعة أو يومها او غير ذلك), بينما قال في نص آخر: (إن الله يجمع أرواح المشركين تحت عين الشمس ..... فإذا كان يوم الجمعة رفع الله عنهم العذاب (أي عن المشركين) لفضل يوم الجمعة, فلا يكون للشمس ركود)(7)  

ففي نص يكون التخفيف ورفع العذاب يوم الجمعة عن المؤمنين, وفي نص آخر يكون التخفيف عن المشركين.

ثم إن للشيعة -غير الذي ذكرناه- بعض المخالفات في الحياة البرزخية عن مذهب أهل السنة والجماعة منها :

1- أن أول ما يسأل عنه العبد في قبره هو حب الأئمة الاثني عشر, وليس كما هو معروف عند أهل السنة والجماعة: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ جاء في بحار الأنوار: (قال النبي صلى الله عليه وسلم: أول ما يسأل عنه العبد حبنا أهل البيت) 27/79 (فيسأله الملكان عن من يعتقده من الأئمة واحدا بعد واحد, فإن لم يجب عن واحد منهم يضرانه بعمود من نار يمتلئ قبره نارا إلى يوم القيامة)(8)

2- قولهم بالرجعة للإمام الغائب (المهدي المنتظر عندهم) ولقوم من شيعته ليفرحوا بقيام دولته كما يزعمون, كما يقولون برجعة قوم من أعدائه لينالوا عقابهم كما يزعمون, وبرجعة جميع الأئمة الذين ماتوا إلى الدنيا لينتقموا من أعدائهم, فالرجعة عندهم تشمل ثلاثة أصناف:

الأئمة الاثني عشر, وولاة المسلمين الذين اغتصبوا الخلافة في نظرهم, وعامة الناس وخاصة منهم من محض الإيمان محضا من الشيعة, ومن محض الكفر محضا من بقية الناس إلا المستضعفين.(9)

وهو مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة الذي يمنع رجعة أحد من الناس بعد موته, لقول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} المؤمنون/99-100 .

3- أنه يوضع مع الميت في قبره تربة من تربة الحسين رضي الله عنه, لأنها بزعمهم أمان له, ولهذا عقد الحر العاملي بابا في كتابه بعنوان: (باب استحباب وضع التربة الحسينية مع الميت في الحنوط والكفن وفي القبر) (10), وهو أمر باطل شرعا لعدم وجود أي دليل عليه.

ومن خلال ما سبق يمكن اكتشاف الفرق الكبير بين اعتقاد أهل السنة والجماعة في الحياة البرزخية, وبين اعتقاد الشيعة الاثني عشرية, رغم زعم الشيعة قرب مذهبهم من مذهب أهل السنة والجماعة على مدى عقود من الزمان, ليظهر في السنوات الأخيرة عكس ذلك تماما.

=====================

الفهارس

(1)صحيح البخاري برقم/213 , ومسلم برقم/292 .

(2)مجموع الفتاوى/3/145 .

(3)مجموع الفتاوى 4/274

(4)بحار الأنوار 6/260 و  6/286

(5)الفتاوى 4/284

(6)انظر : تصحيح الاعتقاد للمفيد (91) وبحار الأنوار 6/272 .

(7)بحار الأنوار6/270 و 58/52

(8)الاعتقادات للمجلسي (95 )

(9)أصول مذهب الشيعة 2/ 912 

(10)وسائل الشيعة 3/29

(11)انظر للتوسعة في الموضوع : الحياة البرزخية عند الفرق الإسلامية والمنتسبة للإسلام / عبد الله بن سعيد بن صالح العتيبي.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  الحياة البرزخية عند الشيعة الاثني عشرية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7