الأربعاء 7 أغسطس 2013

رغم محاولتهم الدائبة والدائمة على التظاهر بالاجتماع والتماسك والتوحد , إلا أن الحقيقة أن اليهود كانوا وما زالوا متفرقين إلى مذاهب وفرق شتى , تماما كما أخبر عنهم الله تعالى في كتابه العزيز بقوله : { لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ } الحشر /14 .

 

لقد قص علينا القرآن الكريم أخبار الأمم السابقة لنأخذ منها الموعظة والعبرة , ومن بين هذه الأمم , أمة اليهود , الذين كذبوا أنبياءهم و قتلوهم و عاثوا في الأرض فسادا , فنهانا الله تعالى عن أن نتأسى بهم أو أن نفعل فعلهم , ولعل من أهم ما نهانا الله تعالى عنه في هذا الاطار , نهيه عن الاختلاف والافتراق كما فعل بنو إسرائيل , قال تعالى : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } آل عمران / 105

 

لقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن اختلاف اليهود والنصارى بقوله : (افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين و سبعين فرقة و افترقت النصارى على إحدى أو اثنتين و سبعين فرقة و تفترق أمتي على ثلاث و سبعين فرقة ) المستدرك للحاكم 1/217 برقم 441 وقال عنه : هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه .

 

وفي هذا التقرير سأحاول بإذن الله تعالى بيان بعض أفكار وعقائد فرقة يهودية معاصرة , تدعى الحسيدية , والله من وراء القصد .

 

التعري:

 

اليهودية الحسيدية : الحسيدية بالعبرية (حسيدوت) وهو مصطلح مشتق من الكلمة العبرية (حسيد) أي (تقي) ويُستخدَم المصطلح للإشارة إلى عدة فرق دينية في العصور القديمة والوسطى ، ولكنه يُستخدَم في العصر الحديث للدلالة على الحركة الدينية الصوفية الحلولية التي أسسها وتزعمْها بعل شيم طوف , وبدأت الحركة في جنوب بولندا وقرى أوكرانيا في القرن الثامن عشر.

 

و كلمة (حسيد) وردت في العهد القديم وتشير إلى (الرجل التقي الثابت على إخلاصه للإله وإيمانه به) وقد استُخدمت هذه الكلمة بعد ذلك للإشارة إلى جماعات من مؤيدي التمرد الحشموني كانت تتسم بالحماس الديني والتقوى (القرن الثاني قبل الميلاد) ، ثم استُخدمت للإشارة إلى الحركة الصوفية التي نشأت في ألمانيا في القرن الثاني عشر، ثم أصبحت الكلمة تشير إلى أتباع الحركة الحسيدية التي نشأت في بولندا في القرن الثامن عشر , وهذا هو الاستخدام الشائع في الوقت الحالي.(1)

 

واليهود الحسيديم هم يهود أرثوذكس, إلا أنهم يختلفون عنهم في الممارسة الدينية والسلوك والتقاليد , إلى جانب لغتهم الخاصة بهم وهي (اليديش) وهي خليط من اللغة العبرية والألمانية القديمة المحرفة التي تكتب بحروف عبرية , ولا يستعمل هذه اللغة إلا اليهود الحسيديم.

 

والحسيديم تتوزعهم اليوم مجموعات كثيرة تصل إلى العشرات , وكل واحدة من منها لها اسمها الخاص الذي أخذته في الغالب من القرية أو البلدة التي نشأت فيها , ولكل واحدة من هذه المجموعات زعيمها ومرشدها الروحي المسمى (الصديق) , الذي تطيعه وتصدقه وتدين بالولاء له .

 

النشأة وأسبابها:

 

نشأت حركة الحسيديم في أوروبا الشرقية في القرن الثامن عشر , كردة فعل لانغماس اليهود في عملية استنباط الأحكام من الأحكام العملية التي لا نهاية لها , مما سبب جفافا روحيا وإيمانيا وأخلاقيا تحت سلطة التلمود والحاخامات , فنشأت حركة الحسيديم لإعادة النفوس والنية الصافية والأخلاق والتعبد الصحيح في حياة اليهود , فيمكن اعتبارها حركة تصوف يهودي.

 

ومن أسباب نشوئها أيضا اضطهاد الفقراء وعامة الناس من قبل زعامة الحاخامات , والتفرقة الطبقية التي سادت بين اليهود , والتشدد والمغالاة التي يلقاها اليهودي الذي يخالف تعاليم الحاخامات , فيعرض نفسه للطرد من اليهودية.

 

ولما كان من الصعب على العامة من اليهود الاعتراض والنقد, أصبحوا لذلك يعانون من الكبت والضغط , مما دفعهم للاتجاه نحو ما يسمى (القبلاة) (2), الذي يعتبر تفسيرا باطنيا للنصوص اليهودية , والتي تعتمد على الأعداد والحسابات في التفسير والتنبؤ بالمستقبل. (3)

 

وقد لقي اليهود الحسيديم معارضة شديدة من اليهود التقليديين أو الربانيين (الفقهاء), الذين شعروا أن الحركة الحسيدية جذبت عامة اليهود , وصرفتهم عن سلطة الحاخامات , فعارضوها بشدة, بل وصل بهم الأمر إلى تكفيرهم واتهامهم بالردة والخروج عن اليهودية.

 

وممن عارض الحسيدية أيضاالحركة الإصلاحية اليهودية أو (الهسكلاه), الذين اعتبروا الحسيديم رجعيين ومتخلفين , فعمدوا لتأليف الكتب ضدهم والتجسس عليهم , بل وصل بهم الأمر إلى تأليف قصص وكتب نسبوها لزعماء الحسيدين , وبثوا من خلالها مبادئ الحركة الإصلاحية. (4)

 

المؤسس وأبرز الشخصيات:

 

1- بعل شيم طوف (1700 – 1760 ) مؤسس الحركة الحسيدية , وكان يدعى أيضا (بشط) وهي الأحرف الأولى من اسمه , و(بعل شيم) عبارة عبرية تعني سيد الاسم أو الذي تملك ناصية الاسم , والاسم هنا اسم الإله (الغنوص) (5)

 

فمن امتلك ناصيته أصبح قادرا على التحكم بالكون من خلال التحكم بالذات الإلهية , و(البعل شيم) مجموعة من الدراويش اشتهروا بتملك ناصية الاسم , وبالتالي قدرتهم على الاتيان بالمعجزات , وكان (بعل شيم طوف) أحد هؤلاء ومعنى اسمه (ذو السمعة الطيبة) أو (صاحب الشيرة العطرة) ولكن هذا الاسم أيضا كان يحمل معنى الاتيان بالمعجزات , فهو يعني (الذي يعرف اسم الإله.

 

يكتنف الغموض حياة شيم طوف هذا , إذ أحاطته الروايات والمأثورات الشعبية بهالة من القداسة , ووصفت حياته بأنها سلسلة من الأحداث الخارقة والمعجزات , ولد لأبوين فقيرين في جنوب بولندا , وتيتم في طفولته , وقضى أول شبابه يعمل في المدارس الدينية , وفي عشرينيات عمره ذهب للغابات واشتغل بالأعمال اليدوية وبدأ دراسة (القبلاة) , وأمضى حياته متنقلا بين بولندا وأوكرانيا يواسي المحتاجين ويشفي المرضى ويلقي المواعظ الدينية رغم عدم تلقيه التعليم الحاخامي اللازم .

 

كان سلوكه الأخلاقي مثار نقاش , فبينما أشار أعداؤه لكثرة النسوة اللائي يصحبنه, ذكر مريدوه امتناعه عن معاشرة زوجته أربعة عشر عاما , وكلا التصرفين يدل على الغلو أو المغالاة المنبوذ.

 

وقد كانت نظرياته مستقاة من مصادر يهودية، وبخاصة القبَّالاه, غير أنه أضاف إليها الكثير من الفلكلور الديني المسيحي بحيث خلق نوعاً جديداً من الفلسفة الصوفية الحلولية , وتتلخص تعاليمه في أن الإنسان يبحث عن وسيلة للالتحام والالتصاق بالإله , بل التوحد معه حتى يستطيع التوصل إلى القوة الروحية الموجودة والكامنة في كل شيء.

 

ويُلاحَظ في كل هذا ابتعاده عن التعاليم الحاخامية الشكلية الجافة , التي كانت تؤكد أهمية تنفيذ الأوامر والنواهي بدقة شديدة , وقد كان لتعاليم بعل شيم طوف هذه تأثير قوي ، وكانت أقواله تبعث الدفء والمرح في نفوس مريديه من اليهود .

 

لم يترك (بعل شيم طوف) أية كتابات باسمه ما عدا بضعة خطابات , ولكن تعاليمه الشفوية ظهرت مطبوعة بعد عشرين عاماً من موته ، في ثمانينيات القرن الثامن عشر، ومن أهم الكتب عن أقواله وأفعاله والقصص التي نسجت حوله كتاب (مدائح بعل شيم طوف)

 

2- دوف بير (واعظ ميجيريك) 1704 – 1772 ويُعرف أيضاً باسم (هامجيد) ، أي (الواعظ المتجول) ، وهو المؤسس الحقيقي للحركة الحسيدية وخليفة بعل شيم طوف ، تلقَّى تعليماً دينياً تقليدياً في إحدى المدارس التلمودية العليا , ثم بدأ يعمل واعظاً متجولاً إلى أن وصل إلى مدينة ميجيريك في مقاطعة فولونيا التي أصبحت واحداً من أهم مراكز الحركة الحسيدية .

 

 يُقال إنه أصبح من الزهاد الأمر الذي أثر في صحته ، وذهب يبحث عن دواء لدائه عند بعل شيم طوف مؤسس الحركة الحسيدية , الذي ذاع صيته كأحد الموآسين , وقد قال دوف بير « إن بعل شيم طوف كشف له لغة الطير والأشجار، وأسرار القديسين والتجسدات الربانية ، وأنه بيَّن له كتابات الملائكة وشرح له المغزى الكامن في حروف الأبجدية العبرية ». وعندما مات بعل شيم طوف عام 1760، أصبح دوف بير زعيم الحركة عام 1766م .

 

وقد شجع دوف بير الشباب على إهمال دراسة التوراة ليعيشوا تجربتهم الدينية بشكل عاطفي ومباشر، مبتعدين بذلك عن الطقوس الجامدة الخالية من الروح التي تفرضها المؤسسة التلمودية , والعبادة عند أتباعه كانت تأخذ شكل رقص وشطحات , وقد اتهمته المؤسسة الحاخامية بالكفر والحلولية ، فصدر قرار بطرده من حظيرة الدين في فلنا قلعة الأرثوذكسية .

 

3- ليميليك الليجانسكي (1717-1787) من تلاميذ دوف بير ، وأحد مؤسسي الحركة الحسيدية في جاليشيا , تجوَّل هو وأخوه في جاليشيا وغيرها من الأماكن , وبعد موت دوف بير، استقر إليميليك في ليجانسك في جاليشيا التي أصبحت من ثم مركزاً للحسيدية وأسس بلاطه فيها . (6)

 

 

أهم الأفكار والمعتقدات:

 

1- يرى الحسيديم أن الله تعالى أزلي , خلق الخلق من لا شيء , ويثبتون له العلم والقدرة , ويقولون بالحلول أنه موجود في كل شيء وفي كل مكان , ويقولون إن كل حركة في الكون بسببه وعنايته.

 

2- العالم مخلوق بالكلمة , ولذلك قالوا بأن للغة العبرية تأثيرا على خلق الخلق , ويرون أن بقاء العالم ووجوده معتمد على الله وراجع إليه , ويقولون بوجود عوالم أخرى غير عالمنا, عالم الفيوضات وهي فيوضات روحية خالية من الشر , وما فيها إلاإلهي روحي.

 

3- العالم عند الحسيديم ثلاثة عوالم: عالم الخلق : ويغلب فيه الخير على الشر وهذا العالم يضم الملائكة, وعالم التكوين: نصفه خير ونصفه شر . أو فيه أنواع دنيا من الملائكة , وعالم الفعل : وهو عالمنا الذي نعيش فيه , وتسكن فيه أكثر أنواع المخلوقات الروحية تدنيا وانحطاطا.

 

4- الإنسان اليهودي عند الحسيديم هو أعلى مراتب المخلوقات في الدنيا , وهو مركز الخلق , وأن هدف الخلق يتحقق إذا أدى الإنسان ما هو مطلوب منه وواجب عليه .

 

5- يعتقد الحسيديم بوحدة الوجود (7) , واشتمال الله تعالى على الطبيعة , أي أن الطبيعة عند الحسيديم في الله – تعالى الله عن ذلك – فليس هناك حاجز بين الإنسان وخالقه , وما بين مقدس وغير مقدس . (8)

 

6- تؤمن الحسيدية بروحانية المادة , لأن الروح ليست إلا شكلاً من أشكال المادة , بل إن العبادة والخلاص بالجسد يصلان إلى حد عبادة الإله من خلال العلاقات الجنسية , ومثل هذا الموقف كامن في أية رؤية حلولية متطرفة، حيث تلتقي وحدة الوجود الروحية بوحدة الوجود المادية.

 

وقد قال أحد زعماء الحسيدية إن على المرء أن يشتهي كل الأشياء المادية، ومنها المرأة، حتى يصل إلى ذروة الروحانية. فالفرح الجسدي عند الحسيديين، يؤدي إلى الفرح الروحي . (9)

 

7- يعتقد الحسيديم بتناسخ الأرواح (10) بنسخه ومسخه وفسخه , كل حسب علمه , ويعتقدون بالثواب والعقاب وبالجنة والنار وفقا لمذهبهم .

 

بعض عباداتهم:

 

للعبادة مفهوم واسع عند الحسيديم , فهي لا تقتصر على الصلاة أو قراءة التوراة , بل تشمل كل مناحي الحياة , من أكل وشرب ونوم إذا قصد الإنسان منها التقوي على طاعة الله تعالى .

 

1- الصلاة عند الحسيديم تكتسب أهمية كبيرة جدا تفوق أهمية دراسة التوراة , وذلك بخلاف بقية اليهود كالأرثوذكس الذين يرون أفضل الواجبات دراسة التوراة , وتتميز صلاة الحسيديم بالحركة الجسمانية الخفيفة , ويرون الخشوع يزداد كلما زادت حركة المصلي الجسمية , ويستشعرون الفرح والسعادة أثناء إدخال الأغاني والموسيقى أثناء صلاتهم , وتميزوا بتأخير الصلاة تأخيرا بينا .

 

2- يرون أن الغناء والرقص والموسيقى وشرب الخمر من أسباب تحقيق السعادة , ويقولون بتقديس (الصديق) , وهو المرشح الروحي للجماعة الحسيدية , وعليهم زيارته ولو مرة بالسنة , ويقدمون معهم الفدية , وهو مبلغ من المال يقدمه الحسيدي للصديق كفدية عن نفسه , ويتولى الصديق مباركة الحسيد وحل مشاكله , وإعطائه المشورة فيما يحتاج إليه .

 

3- يعدون الزواج المبكر أمرا في غاية الأهمية , ويحرصون على كون الزوجان حسيديان , ويحرصون على الحشمة والستر للمرأة , إذ تغطي شعرها وتلبس لباسا طويلا , ويمنعون إقامة صداقات بين الشاب والففتاة قبل الزواج .

 

4- يعتقدون بالحرز والتمائم التي تحفظ من الشيطان والشر والحسد , ولكل شيء حرزه الخاص به .

 

5- يتقيدون بلباسهم القفطان الأسود الطويل والقبعة السوداء , وتحتها قلنسوة , ولا يلبسون اللباس الحديث .

 

6- يتميزون بإعفاء لحاهم خاصة من على جانبي الرأس من عند الإذنين , ويسمونها (فتون) وهي على شكل ضفيرة . (11)

 

أثر الحسيدية في الوجدان اليهودي المعاصر:

 

 أثَّرت الحسيدية (بحلوليتها المتطرفة) في الوجدان اليهودي المعاصر تأثيراً قوياً ، ففرويد العَالم النفساني النمساوي اليهودي ، كان مهتماً بالحسيدية القبَّالية ، ومن هنا كانت نظرياته في الجنس ، وفي علاقة الذات بالكون .

 

كما أن أدب (كافكا) بدا متأثر بالحسيدية أيضاً , ويظهر تأثيرها واضحاً تماماً في أعمال مارتن بوبر وفلسفته التي تُوصَف بأنها (حسيدية جديدة) لأن الإله حسب هذه الفلسفة لا يحل في مخلوقاته ويؤثر فيها وحسب ، بل إن مخلوقاته تؤثر فيه بدورها ، ولذا يكتسب كلُّ فعل، مهما تدنَّى , دلالة كونية . (12)  

 

الحركة الحسيدية والصهيونية:

 

من المعروف أن معظم المفكرين والزعماء الصهاينة إما نشأوا في بيئة حسيدية ، أو تعرَّفوا إلى فكرها الحلولي بشكل واع أو غير واع , بل إن الصهيونية ضرب من (الحسيدية اللادينية) أو الحسيدية داخل إطار حلولية بدون إله ووحدة الوجود المادية.

 

والدارس المدقق يكتشف أن ثمة تشابهاً بين الحسيدية والصهيونية ، فالجماهير التي اتبعت كلاًّ من الصهيونية والحسيدية كانت في وضع طبقي متشابه ؛ فجماهير الحسيدية شأنها شأن جماهير الصهيونية ، تتفق على حب صهيون ؛ الأرض التي ستشكل الميراث الذي سيمارسون فيه شيئاً من السلطة.

 

كما قامت الحسيدية بإضعاف انتماء يهود اليديشية الحضاري والنفسي إلى بلادهم ، الأمر الذي جعل اليهود مرتعاً خصباً للعقيدة الصهيونية , كما أن الحسيدية والصهيونية تؤمنان بحلولية متطرفة تضفي قداسة على كل الأشياء اليهودية وتفصلها عن بقية العالم ,  وفي الحقيقة ، فقد كانت الهجرة الحسيدية التي تعبِّر عن النزعة القومية الدينية فاتحةً وتمهيداً للهجرة الصهيونية.

 

والصهيونية مثل الحسيدية حركة تهرب من حدود الواقع التاريخي المركب إلى حالة من النشوة الصوفية ، تأخذ شكل أوهام عقائدية عن أرض الميعاد التي تنتظر اليهود , ويعتقد المفكر الصهيوني (بوبر)  أنه لا يمكن بعث اليهودية دون الحماس الحسيدي ، بل يرى أن الرواد الصهاينة قد بعثوا هذا الحماس.

 

ومما يجدر ذكره أن بعض الحسيديين عارضوا في البداية فكرة الدولة الصهيونية , وأسسوا حزب (أجودات إسرائيل) , ولكن بعد إنشاء الدولة ، بل حتى قبل ذلك ، أخذوا يساندون النشاط الصهيوني ، وهم الآن من غلاة المتشددين في المطالبة بالحفاظ على الحدود الآمنة و(الحدود المقدَّسة) و(الحدود التاريخية لإرتس يسرائيل) (13)

 

وفي نهاية المطاف يحسن التنبيه إلى أن ملة الكفر واحدة , وأن جميع الفرق والمذاهب اليهودية - القديمة منها والمعاصرة – محرفة ومزيفة , وقد عملت فيها يد التغيير والتبديل الشيء الكثير , حتى غدت أكثر تطرفا و تعصبا , ويصدق فيهم قول الله تعالى : {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} الجاثية/23.

 

 ــــــــــــــــ

 

الفهارس

 

(1) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية عبد الوهاب المسيري 14/467 – 468

 

(2) تعني بالعبرية العودة للإرث اليهودي التقليدي , ولكنها كانت تعني التفسير الباطني للتوراة .

 

(3) اليهود الحسيديم جعفر هادي حسن 7 – 12   

 

(4) الفرق اليهودية المعاصرة  أسماء سليمان السويلم  211

 

(5) الغنوصية : كلمة يونانية الأصل بمعنى المعرفة , وهي حركة وفلسفة قديمة تمثل مزيجا من العقائد اليونانية والاسرائيلية , ومعناها التوصل بنوع من الكشف إلى المعارف . الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة 2/ 1113

 

(6) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية 14 / 488  – 498

 

(7) عقيدة إلحادية هندية فلسفية يونانية قديمة , تقوم على الوحدة الذاتية لجميع الأشياء مع تعدد صورها في الظاهر , فالعالم بما فيه إنما هو التجلي الإلهي الدائم الذي كان ولا يزال , فالموجود واحد وهو الله عين المخلوقات , وقد قال بهذه العقيدة غلاة الصوفية . الكليات للكفوي (390) والموسوعة الميسرة 2/1178

 

(8)  الفرق اليهودية المعاصرة  212

 

(9) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية 14/478

 

(10) انتقال الروح من بدن قد مات صاحبه إلى بدن آخر لمخلوق حي . التعريفات للجرجاني (175)

 

(11) اليهود الحسيديم الصفحات  (73 – 122) و (275 – 301)

 

(12) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية  عبد الوهاب المسيري  15/19

 

(13) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية 15/21

 

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  الحركة الحسيدية نموذج للصوفية اليهودية الحلولية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7