الإثنين 12 أغسطس 2013

يبدو أن حالة الانقسام الحادة التي تعاني منها مصر في هذه الآونة قد ألقت بظلالها على دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة وإن كان الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" بالرغم من ذلك لا يزال يلوذ بصمته في انتظار ما ستسفر عنه الزيارات المتتالية للبعثات الدبلوماسية الأمريكية التي تكاد لا تغادر مصر منذ أكثر من أسبوع.

 

دعوة السيسي وتجاهل أوباما

فبالرغم من الدعوة التي أطلقها الفريق أول "عبد الفتاح السيسي"، القائد العام للقوات المسلحة المصرية ووزير الدفاع والإنتاج الحربي، للرئيس أوباما بعدم إدارة ظهره لما يحدث في  مصر، لم يحرك الأخير ساكنًا لا باتصال رسمي ولا بتصريح علني واضح لموقف البيت الأبيض من عزل الرئيس المصري المنتخب "محمد مرسي"؛ الذي أطاح به وزير دفاعه في الثالث من يوليو الماضي بعد احتجاجات شعبية طالبت برحيله.

وكان السيسي قد أعرب في مقابلة أجرتها معه صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية منذ أيام عن خيبة أمله من موقف الإدارة الأمريكية حيال مجريات الأحداث في مصر؛ حيث بدا غاضبًا من أن الولايات المتحدة لم تدعم بقوة ما وصفه بأنه إرادة " شعب حر تمرد ضد نظام سياسي غير عادل".

وبالرغم من الوصف الذي قدمه القائد العام للقوات المسلحة للقاريء الأمريكي في حديثه إلى الصحيفة فإنه قد تغاضى عن إبراز حجم المعارضة التي اجتاحت ميادين مصر فور إعلان بيان الجيش بخصوص عزل "محمد مرسي" وما تبع ذلك من إغلاق للقنوات الدينية والقنوات المؤيدة لحزب "الحرية والعدالة"، وما أعقبه من حملات اعتقال واسعة لرموز مؤيدة لنظام الإخوان سواء من داخل حزب "الحرية والعدالة" أو من خارجه.

وكان الفريق أول "عبد الفتاح السيسي" قد أشار خلال مقابلته مع "واشنطن بوست" إلى أنه في حال أرادت الولايات المتحدة تجنب إراقة المزيد من الدماء، فيجب عليها أن تقنع جماعة الإخوان المسلمين بالتراجع عن اعتصاماتهم التي يتمسكون بها منذ الثالث من يوليو. وهي الدعوة التي قوبلت بانتقادات شديدة من قبل عدد من المحللين السياسيين في مصر وخارجها لما تبدو عليه من محاولة الاستعانة بالخارج وكذلك نظرًا لحساسية وضع السيسي خاصة وهو من يمكن اعتباره الحاكم الفعلي للبلاد في الوقت الراهن بالرغم من نفي المؤسسة العسكرية لذلك باعتبار وجود رئيس مؤقت وحكومة مدنية جديدة حتى وإن كانت لا تحظى بتوافق شعبي.

أما فيما يتعلق بالاتصالات بين الجانب المصري متمثلاً في السيسي والجانب الأمريكي؛ فقد أكد السيسي للصحيفة أنه على اتصال "شبه يومي" بوزير الدفاع الأمريكي "تشاك هيجل" ولكنه لم يتلق أي اتصالات من طرف أوباما منذ عزل مرسي؛ وهي التصريحات التي أثارت حفيظة بعض الداعمين لاحتجاجات30 يونيو في مصر وخاصة أنه من المنطقي أن يكون التواصل بين وزير الدفاع مع نظيره وليس مع رئيس الدولة وإلا أثبت ذلك أن الجيش هو من يدير الدولة ومن ثم يمكن توصيف أحداث 3 يوليو بأنها "انقلاب عسكري"؛ وهو الوصف الذي تنكره تمامًا قيادات الجيش و المؤيدين لعزل الرئيس "محمد مرسي" بينما يصر على التمسك به تحالف دعم الشرعية وعلى رأسه حزب "الحرية والعدالة" وجموع المصريين المحتشدين في ميادين رابعة العدوية والنهضة وغيرها من الميادين.

 

مصر والبراجماتية الأمريكية

يمكن للمتابع للموقف الأمريكي منذ بزوغ ثورات الربيع العربي أن يلحظ أن الولايات المتحدة لا تتخذ موقفًا بعينه حيال الأنظمة العربية سواء القديمة أو التي تحل محلها إلا بعد تحديد دقيق لمسار مصالحها في حال تبدلت الأوضاع؛ وهناك النموذجين المثاليين في هذا الاتجاه وهما: موقف الولايات المتحدة حيال ثورة ليبيا ضد "معمر القذافي" وحيال ثورة سوريا ضد "بشار الأسد". ففي ليبيا بررت تدخلها الجوي بأنه لأسباب إنسانية من أجل وقف مذابح القذافي لشعبه بينما كانت تضع عينها على كعكة ليبيا ما بين فرنسا وحلف شمال الأطلسي. أما في سوريا، وبالرغم من انتهاكات ومذابح الأسد وشبيحته للشعب الأبي،أعلنت الإدارة الأمريكية من جهة دعمها لثورة الشعب السوري وحقه في الحرية غير أنها من جهة أخرى لم تبذل الكثير لمساعدته أو حتى كبح جماح نظام الأسد ولو بالتلويح باستخدام قدراتها العسكرية المهولة ضد نظامه أو فرض حظر جوي أو على الأقل عمل بعض التحركات الشكلية على الحدود السورية كورقة ضغط لتهديده للتراجع عن إبادة شعبه؛ وكان ذلك بكل تأكيد ولا يزال حفاظًا على مصالحها التي يمثل وجود نظام الأسد الإجرامي حماية لها.

أما في الحالة المصرية الراهنة ومع الاستقطاب الحاد بين مؤيدي الرئيس المنتخب ومعارضيه فالبراجماتية الأمريكية لا تزال تدرس أي النظامين في مصر سيكون أكثر نفعًا بالنسبة لها هل نظام مدني منتخب بسمت إسلامي لا تعول عليه كثيرًا لارتباطاته الأيديولوجية بجهات غير صديقة للولايات المتحدة أم نظام علماني غير منتخب شعبيًا يطلب دعمها ومساعدتها في مقابل الحفاظ على مصالحها في المنطقة؟!

بل ربما كانت المعضلة الأكبر تكمن في مواجهة الشعب الأمريكي نفسه فكيف لدولته التي تردد أناشيد الحرية والديموقراطية أن تساند نظامًا جاء إلى سدة الحكم في مصر بلا عملية ديموقراطية شرعية حتى لو كانت مصالحها الأكبر معه. ومن ثم كانت تصريحات الإدارة الأمريكية منذ الثلاثين من يونيو لا تخرج عن كونها شعور بالقلق أو تحذيرات من العنف أو دعوات للحوار بين الأطراف محور الصراع الداخلي في مصر دون إيضاح موقف محدد للإدارة مما يجري على الأرض. ولم يكسر ذلك الصمت إلا حين أعلن وزير الخارجية الأمريكي "جون كيري" تصريحه المثير للجدل الذي قال فيه أن: "جيش مصر كان يسترد مسار الديموقراطية"؛ وهو ما قوبل بهجوم حاد من قبل المتحدث باسم جماعة الإخوان المسلمين "جهاد الحداد" الذي اتهم إدارة أوباما بدعم "الطغيان والديكتاتورية"؛ إلا أن كيري حاول لاحقًا التراجع عن تصريحاته والتخفيف من حدتها.

ولم تتوقف التحركات الأمريكية لاستطلاع الحالة الداخلية في مصر حيث لا يزال نائب وزير الخارجية الأمريكية، "ويليام بيرنز" يجري محادثات موسعة مع أطراف النزاع في مصر تهدف إلى إجراء عملية حوار شاملة تضم جماعة الإخوان المسلمين، والتي تصر على أن ما حدث كان "انقلابًا عسكريًا" كاملاً، وتؤكد على ضرورة استعادة مسار الديموقراطية والشرعية في مصر قبل البدء في الاتفاق على أية مبادرات.

وما بين مساعي كيري وبيرنز؛ كانت التصريحات النارية التي أطلقها يوم الثلاثاء في مصر السيناتور الأمريكي الجمهوري "جون ماكين" والتي وصف فيها عزل الرئيس "محمد مرسي" بأنه "انقلاب"  نظرًا لكونه "تحول سياسي تم دون عقد انتخابات". وقد قوبلت تلك التصريحات بالترحيب من جانب المؤيدين لشرعية الرئيس "محمد مرسي" فيما انهالت عليها موجات الاستياء من جانب الداعمين لعزل الرئيس وفي مقدمتهم الرئيس المعين "عدلي منصور"؛ الذي وصف تصريحات ماكين بأنها "خرقاء".

 وقد دعا كلاً من السيناتور ماكين والسيناتور "ليندسى جراهام"- العضوين الجمهوريين بمجلس الشيوخ- خلال مؤتمر صحفي في القاهرة إلى الإسراع بالإفراج عن السجناء السياسيين كمقدمة للحوار في مصر.

ويعكس التضارب والتناقض في تصريحات المسئولين الأمريكيين نوعًا من انقسام الرؤية داخل دوائر صنع القرار الأمريكية؛ لا سيما وأنه في حال اعترفت إدارة أوباما بأن ما وقع في مصر "انقلابًا عسكريًا" سيكون لزامًا على حكومتها وفقًا للقانون وقف المساعدات غير الإنسانية إلى مصر؛ وإن كان تعليق تسليم ‏4 طائرات من طراز إف- 16 إلى مصر يراه معظم المحللون بأنه إجراء رمزي يحمل الكثير من المعنى.

إلا أنه-على الأقل- حتى الآن لا تبدو واشنطن تميل لذلك الإجراء العقابي؛ ولكنها تنظر في معطيات الموقف الراهن كي تتوصل إلى حل تفاوضي سلمي للأزمة في مصر لا تضطر معه لخسارة أحد طرفي النزاع.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  أزمة مصر ومعضلة البراجماتية الأمريكية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7