الخميس 22 أغسطس 2013

الفرق والبيان بين مودة الكافر والإحسان إليه دراسة عقدية في ضوء الكتاب والسنة.

إعداد: د. سهل بن رفاع بن سهيل العتيبي(*)

ــــــــــــــ

قد رضي الله-عز وجل- لهذه الأمة الإسلام ديناً، وجعلها أمة وسطاً بين الأمم، ورتب على ذلك مكانتها، ومنزلتها بين الأمم ومن صور هذه الوسطية تعامل المسلّم مع غير المسلّم، فلا غلو فيها ولا جفاء، ولا إفراط فيها ولا تفريط. فكما حرم الإسلام مودة غير المسلّم، فقد شرع البر والإحسان إليه، والعدل معه، ورحمته، وحرمه ظلمه، والاعتداء عليه في ماله، أو عرضه، أو دمه.

والمشكلة هنا أن هناك خلط كبير-يقع فيه بعض المسلمين- بين تحريم مودة غير المسلّم، وبين مشروعية البر والإحسان إليه في التعامل، مما أوقع بعض المسلّمين -وخاصة الشباب منهم، وبعض المثقّفين- في الإفراط أو التفريط في التعامل مع غير المسّلمين.

وبسبب هذا الخلط بينهما، وسوء الفهم، والتطبيق الخاطئ، تكمن مشكلة البحث، فإذا اختلطا أخذا حكماً واحداً عند الشخص، فتركهما جميعاً، وهذا غلو في البراء، أو أخذهما جميعاً، وهذا تفريط في البراء، أو غلو في الولاء.

ومما زاد هذا الأمر خطورة أنّ معتقد الولاء والبراء أصبح محلَّ اتهام، وألصقت به الكثير من التهم والاعتداءات، وعليه جعل الباحث هذا البحث لتفصيل الكلام حول عقيدة الولاء والبراء وبيان الفرق بين مودة الكافر والإحسان إليه، وجاء هذا البحث في مقدمة، وتمهيد، وأربعة مباحث، وخاتمة، وفهارس.

التمهيد: منزلة الولاء والبراء في الإسلام.

أشار الباحث في تمهيده إلى أن منزلة الولاء والبراء من الدين والإيمان تتضح في أمور كثيرة؛ منها:

أولا: أنهما من لوازم كلمة التوحيد لا إله إلا الله، فإنّ معناها البراءة من كل ما يعبد من دون الله، وإثبات العبودية لله وحده، وحقيقة الإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.

ثانيا: أنهما شرط في صحة الإيمان، فلا يصح إيمان شخص بدونهما.

ثالثا: أنّ هذه العقيدة هي أوثق عرى الإيمان.

رابعاً: بتحقيق هذه العقيدة ينال المؤمن ولاية الله عز وجل.

خامساً: مما يدلّ على أهمية هذا المعتقد كثرة التأكيد عليه في الكتاب والسنة منطوقاً أو مفهوماً. إلى غير ذلك من الأمور التي تحدث فيها الباحث.

المبحث الأول: تحريم مودة المسّلم لغير المسّلم.

في هذا المبحث بين الباحث نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة الصالح قد دلا على تحريم مودة المسلّم لغير المسلّم. بل لقد حرم الله على المؤمنِ موالاةَ الكافرِ ولو كانوا من أقربِ الناس إليه نسباً.

ولخطورة موالاة الكافرين جاءت نصوص الكتاب والسنة بتحريم كل ذريعة توصل إلى ذلك، ومن ذلك النهي عن التشبه بهم في الأمور الظاهرة اليسيرة، لأنها قد تؤدي إلى محبتهم ومودتهم القلبية.

وفي نهاية المبحث أشار الباحث إلى أن مودة غير المسلّم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

١) قسم ينقض الإيمان ويبطله، كمودة الكافر لكفره.

٢) قسم ينقص الإيمان، ولا يبطله، كمودة الكافر لغرض دنيوي.

٣) قسم مباح، وهو المودة الطبيعة الفطرية، كمودة الزوج لزوجته الكتابية، والقريب لقريبه.

المبحث الثاني: مشروعية البر والإحسان إلى غير المسّلم.

بين الباحث أن ما سبق بيانه من وجوب البراءة من غير المسلّم، وتحريم مودته وموالاته ومحبته لا يعني جواز الاعتداء عليه وظلمه، وتعدي ما شرعه الله من ضوابط وأحكام في معاملة غير المسلّمين، كيف وقد دلت النصوص الشرعية الكثيرة على مشروعية البر والإحسان إلى غير المسلّم، بل والوجوب أو الاستحباب أحياناً.

فالمتأمل في تشريعات الإسلام وتأريخ المسلّمين الطّويل يجد أنّ من أبرز صفاتهم؛ التسامح، والعدل، والبر، والإحسان، والإنصاف مع المخالفين لهم في الدين، وهذا ليس مجرد ادعاء، وإنما هو واقع يشهد به التاريخ، وتبرهن عليه أقوال الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- وأفعاله وصحابته والتابعين لهم بإحسان، بل ويشهد بذلك أصحاب الديانات الأخرى.

وختم الباحث بالحديث عن صور البر إلى غير المسلمين، فذكر منها: جواز الصدقة على مساكينهم، وحسن الجوار، وصلة القريب منهم، وعيادة مريضهم، وتعزيتهم في موتاهم، وجواز الإهداء إليهم، وجواز قبول الهدية منهم، واللين والرفق عند التعامل معهم..الخ.

المبحث الثالث: الفرق بين المودة والإحسان إلى غير المسّلم.

بين الباحث أن مسألة الفرق بين المودة والإحسان إلى غير المسلم تشكل على بعض الناس، فيظن بعض الجهلة من المسلّمين–فضلاً عمن سواهم- أنّ مشروعية البر والإحسان إلى غير المسلّمين يعارض تحريم موالاتهمم ومودتهم، ولذا توهم بعضهم أنّ البر والإحسان إلى غير المسلّمين هو من المودة والموالاة المحرمة شرعاً فمنعهما جميعاً، وغلا آخرون فتوهموا أنّ برهم والإحسان إليهم يقتضي مودم وحبهم وموالاتهم فجوزهما جميعاً. فغلا بعضهم في الإفراط، وغلا آخرون في التفريط، ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي.

فالصحيح الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة الصالح، هو التفريق بين البر والإحسان لغير المسلّمين، وبين الموالاة والمودة بالقلبية، وأنّ البر والإحسان إليهم لا يستلزم مودتهم بأي حال من الأحوال.

المبحث الرابع: شبهات، والجواب عنها.

ناقش الباحث في هذا المبحث بعض الشبهات التي تمسك بها من يرى التلازم بين المودة والإحسان إلى غير المسلّمين. حيث ذهب بعض العلماء المعاصرين والباحثين والمثقّفين إلى أنّ تحريم مودة غير المسلّم إنما هي خاصة بالمحاربين فقط، وأما من عداهم من الكفار المسالمين فلا يجب بغضهم، ومعاداتهم، وإنما يبغض فيهم الكفر، ولكن ذلك لا يمنع من مودتهم وموالاتهم.

الخاتمة:

وفيها جمع الباحث أهم ما خرج به من نتائج، وجاءت على النحو التالي:

١. معتقد البراء معتقد شرعي، ومطلب عادل للمسلّمين، ليس فيه ما نخجل منه، ولا يتعارض مع سماحة الإسلام ويسره.

٢. بعض جهلة المسلّمين–فضلاً عمن سواهم- ظنوا أنّ البر والإحسان إلى غير المسلّمين يعارض تحريم مودتهم، فغلا بعضهم في الإفراط، وظنوا أنّ البراءة من الكافرين، تقتضي ظلمهم، واستباحة أموالهم، ودماءهم. وغلا آخرون في التفريط، فهاجموا عقيدة البراءة من غير المسلّمين، وطالبوا بإلغائها، لأنها –بزعمهم- تؤصل ثقافة الكراهية لغير المسّلمين، وتؤجج نار التطرف والغلو . ودين الله وسط بين الغالين الّذين عطّلوا نصوص البر والإحسان والعدل مع غير المسلّمين، وبين الجافين الذي عطّلوا نصوص البراءة من الكافرين، وبالغوا في إعمال نصوص البر والإحسان إلى غير المسلّمين إلى حد التمييع للدين.

٣. إننا عندما نلتزم بالبر والإحسان مع غير المسلّمين، لا نفعل ذلك حباً لهم ومودة، وإنما نفعل ذلك طاعة الله ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم.

٤. الولاء والبراء معتقد فطري يستحيل خلو النفوس والأزمان منه، وقد ثبت عقلاً أنّ الفطرة تحتاج إلى سبب معين يوجه محابها ومكارهها وموالاتها ومعاداتها، وإلا وقعت في أحد جانبي الغلو إفراطاً أو تفريطاً، فكان التوجيه الرباني من خالق هذه الفطرة –سبحانه وتعالى- وهو أعلم بها وبما يناسبها هو الأجدر بالأخذ والتطبيق، ولقد تجلت هذه التوجيهات الربانية بما بعث به نبينا محمد- صلّى الله عليه وسلّم- من الوسطية المتضمنة للعدل والرحمة مما لا يمكن أنّ نجده في غير دين الإسلام، والذي يظهر جلياً وواضحاً فيما عرضناه من نصوص وأحكام الولاء والبراء في الإسلام.

٥. الولاء والبراء سنة كونية، وعلاقة فطرية، بين أصحاب الديانات، والعقائد والمذاهب المختلفة، ليست خاصة بالمسّلمين، ولا بقاء لأي أمة من أمم الأرض إلا بهما. فلا بقاء لليهود والنصارى وغيرهم إلا ببقاء بهما، ولا بقاء للإسلام والمسلّمين إلا بهما، ولا يمكن يزولا مادام على وجه الأرض اختلاف، وتجاهلهما مكابرة و مصادمة للشرع والعقل والحس والفطرة.

٦. معتقد الولاء والبراء يحقق العدل والرحمة للبشرية جمعاء، ولا يلزم منه ظلم أو تعدي، وما يقع فيه بعض المسّلمين من الغلو في تطبيقه إفراطاً أو تفريطاً خطأ محض، لا يخص المسلّمين وحدهم، إذ الغلو مظهر لا يخلو منه مجتمع بشري على أي ملة كانوا أو منهج.

٧. الولاء والبراء لا ينافي سماحةَ الإسلام، فإنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم هو أعظم من قام بهذا الأصل ومع ذلك شهِد بِخلُقه وسماحته القريب والبعيد، العدو والصديق.

٨. لقد شهد عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، وعهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم صوراً كثيرة من سماحة الإسلام في معاملة غير المسلّمين، من إعانتهم بالمال والنفس عند الحاجة، ومن كفالة العاجز منهم عن العمل، لكبر سنٍ أو نحوه.

٩. يشترط في البر والإحسان إلى غير المسلّمين ألا يكون مما يدل على مودة القلب لهم، كالثناء ثناء يفهم منه مودة القلب لهم، أو تعظيم شعائرهم الدينية.

١٠. إن تحريم مودة ومولاة غير المسلّم لا تعني الاعتداء عليه في عرضه أو ماله، وتجاوز ما شرعه الإسلام من أحكام وبر وإحسان إلى غير المسلّمين.

١١. ليس من العدل والنصف أنّ يحمل هذا المعتقد الصحيح جريرة الغلاة فيه، ولا أنّ نقابل غلوهم بغلو في الطرف الآخر.

١٢. معتقد الولاء والبراء له علاقة بالفطرة البشرية، ومن ثمّ فهو باق ما بقي اختلاف وآراء ومذاهب وأديان، وعليه: فإن ما يطمع فيه الطامعون، من زوال هذا المعتقد بالكلية: طمع في أمر مستحيل التحقيق، إلا بزوال الإسلام من أصله، وهو لن يزول بإذن الله.

١٣. إن المطالبات الخارجية بإلغاء عقيدة الولاء والبراء، هي مطالبات لأمر مستحيل الزوال، باقٍ بقاء الخلاف بين الإسلام والكفر، بل إنّ المطالبات بإلغائهما لا تزيدهما إلا رسوخاً، بل أخشى أنّ تزيد الغلاة في غلوهم، وهذا هو المتوقع، إنّ لم يكن هو الواقع فعلاً!

١٤. إنّ العادل المنصف عندما يوازن بين ما جاء في الإسلام من بر وإحسان وسماحة مع غير المسلّمين، وما عليه أصحاب الديانات المحرفة أو الباطلة، نحو مخالفيهم، يجزم بأنه لا يوجد دين أو مذهب يعامل مخالفيه بالعدل والرحمة والبر والإحسان والسماحة كما يوجد في الإسلام.

 

ـــــــــــ

(*) أستاذ العقيدة الإسلامية والمذاهب المعاصرة المساعد- قسم الدراسات الإسلامية، كلية التربية، جامعة الملك سعود-الرياض - المملكة العربية السعودية.

 

لتحميل الدراسة انقر هنا:

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الفرق والبيان بين مودة الكافر والإحسان إليه دراسة عقدية في ضوء الكتاب...

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7