الخميس 22 أغسطس 2013

تحدثنا في تقرير سابق عن إحدى فرق النصرانية، وهي فرقة النسطورية، وقلنا في تقريرنا أن هذه الفرقة إضافة إلى فرق اليعقوبية والملكانية والأريوسية يشكلون أكبر أربع فرق في الديانة النصرانية، وعنهم تفرعت باقي الفرق النصرانية، وفصلنا القول في النسطورية وعقائدها، ولماذا اختلفت عن غيرها من الفرق، وفي هذا التقرير سيكون كلامنا منصبا علي فرقة اليعقوبية مع بيان أسباب نشأتها وأهم عقائدها وما يميزها عن باقي الفرق النصرانية..

 

وإذا ذكر اليعاقبة واليعقوبية ذكر الجدال والخلاف بين أصحاب الطبيعة الواحدة، وأصحاب الطبيعتين، حيث انقسمت الكنيسة إلى مذهبين رئيسيين حول طبيعة المسيح عليه السلام، مذهب يرى في المسيح عليه السلام إنسانا، وهم أصحاب الطبيعتين، وهم النساطرة، الذين يؤكدون على التمايز والفصل بين الطبيعة الإلهية للمسيح والطبيعة البشرية، فالمسيح ولد عندهم بشرا ثم جاءه اللاهوت بعد ولادته، أما المذهب الآخر وهم اليعاقبة، فيرون أن المسيح ذي طبيعة واحدة، فهو عندهم لاهوتا وناسوتا-([1]).

 

مكانة يعقوب البرادعي:

 

يقول الأنبا شنودة: مصطلح "اليعاقبة" نسبة إلى القديس يعقوب البرادعي بطريرك إنطاكية، حيث بلغ من شهرته في الدفاع عن الإيمان أن أصحاب الإيمان بالطبيعة الواحدة تسموا "اليعاقبة" نسبة إلى هذا القديس..  لدرجة أن مجموعة باترولوجيا أورينتاليس Patrologia Orientalis عندما أصدرت السنكسار القبطي – وهو كتاب يحوي سير الآباء القديسين- مترجم إلى الفرنسية، أصدرته باسم Le Synaxaire arabe jacobite أي السنكسار اليعقوبي([2]).

 

اليعقوبية واليعاقبة:

 

اليعقوبية هم أتباع يعقوب البرادعي، وهم الذين يقولون بأن المسيح ذو طبيعة واحدة، قد امتزج فيه عنصر الإله بعنصر الإنسان، وتكون من الاتحاد طبيعة واحدة جامعة بين اللاهوت والناسوت، ونسبة ذلك المذهب إلى يعقوب البرادعي لأنه من أنشط الدعاة إليه، لا لأنه مبتدعه ومنشئه، فإن ذلك المذهب أسبق من يعقوب هذا، فإن أول من أعلنه بطريك الاسكندرية في منتصف القرن الخامس عشر.

 

وبسبب ذلك الإعلان انعقد مجمع خليدونية، وقرر أن المسيح ذو طبيعتين لا طبيعة واحدة، وبسبب ذلك القرار انفصلت الكنيسة المصرية عن الكنيسة الرومانية، أما يعقوب فقد وجد في القرن السادس الميلادي.

 

سبب تسمية أصحاب هذا المذهب بـ"اليعاقبة":

 

وعن سبب تسمية اليعقوبيين بهذا الاسم يقول صاحب كتاب "سوسنة سليمان": "يطلق عليهم اسم يعقوبيين نسبة إلى يعقوب البراذعي الذي أعاد هذه الشيعة، ورتبها في القرن السادس المسيحي، بعد أن كادت تتلاشى"([3]).

 

وللمقريزي في سبب التسمية بهذا الاسم آراء أخرى، يقول في خططه: "قيل: إن ديسقورس- وهو أول من قال بالطبيعة الواحدة للمسيح- كان يُسمي قبل بطركيته يعقوب، وأنه كان يكتب وهو منفيّ إلى أصحابه بأن يثبتوا على أمانة المسكين المنفيّ يعقوب، وقيل: بل كان له تلميذ اسمه يعقوب، وكان يرسله وهو منفيّ إلى أصحابه فنسبوا إليه، وقيل: بل كان يعقوب تلميذ ساويرس بطرك أنطاكية، وكان على رأي ديسقورس، فكان ساويرس يبعث يعقوب إلى النصارى ويثبتهم على أمانة ديسقورس فنسبوا إليه، وقيل: بل كان يعقوب كثير العبادة والزهد يلبس خرق البراذع، فسمي يعقوب البراذعيّ من أجل ذلك، وأنه كان يطوف البلاد ويردّ الناس إلى مقالة ديسقورس، فنسب من اتبع رأيه إليه وسموا يعقوبية. ويقال ليعقوب أيضاً يعقوب السروجيّ([4])".

 

اليعقوبية والكنيسة السريانية الأرثوذكسية([5]):

 

اليعاقبة تسمية تطلق على الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، نسبة لأحد أبرز قديسها وهو يعقوب البرادعي، ولكن الكنيسة ترفض هذه التسمية.

 

وعن سبب هذا الرفض يقول المؤرخ هنري بدروس تحت عنوان الكنيسة السريانية والقديس يعقوب البرادعى : السريان لا يفضلون اسم اليعقوبية فالكنيسة السريان اسسها القديس مار بطرس وليس مار يعقوب البرادعي, والقديس يعقوب البرادعى له وزنة في خدمة المسيح ولكن أطلق على السريان اسم اليعاقبة كنوع من التحقير لأنه كان فقيراً جداً ولكنه كان عظيم الإيمان فالقديس مار يعقوب البرادعي هو الذي ثبت الكنيسة السريانية أيام عصر الاضطهاد والإبادة التي لحقتها من الكنائس الخلقدونية، وقام بنشر الإيمان، ورسم عدد من الأساقفة.

 

ويذكر تاريخ السريان الأرثوذكس للبطريريك مار أغناطيوس زكا عيواص- بطريريك انطاكية والرئيس الأعلى للكنيسة الأرثوذكسية- الجامعة في العالم وعضو المجمع العلمي العراقي عن لقب اليعاقبة قائلاً: "وقد سمى البيزنطيون في معجمهم السابع في القرن الثامن للميلاد الكنيسة السريانية الاثوذكسية بـ (اليعقوبية) نسبة إلى مار يعقوب البرادعي، وغايتهم من هذا النعت الدخيل النيل من كرامة هذه الكنيسة العريقة، التي هي سريانية، أي مسيحية أرثوذكسية، وليس مار يعقوب سوى أحد أبائها الميامين فهو ليس بمؤسسها، كما أنه لم يأتها بعقيدة مستحدثة، لذلك تستنكر بشدة هذا النعت الدخيل".

 

ملخص الجدل حول طبيعة المسيح عند النصارى:

 

يقول صاحب كتاب سوسنة سليمان في أصول العقائد والأديان ملخصا للجدل حول طبيعة المسيح وموقف الفرق النصرانية منه:

 

البدع المتعلقة بطبيعة المسيح كان مصدرها الجدال والبحث بين المسيحيين القدماء في شأن التثليث.

 

* فمنهم من نفى ألوهية الروح القدس كالمكدونيين أصحاب مكدونيوس والبنومانوماكيين لكن تعاليمهم لم تنتشر انتشارا يُخشى منه حيث أن أول مجمع عقدته الأساقفة في القسطنطينية سنة 281م حكم ببطلان مذهبهم.

 

* ومنهم من قال غير ذلك لأن سبليوس الذي ظهر في القرن الثاني كان يقول بالأقانيم الثلاثة لكنه كان يرى أن في كل أقنوم خاصة تنافي الألوهية.

 

* وأما نويتيوس رئيس المونرخية وبولس السمسياطي الذي ظهر بعده فكانا يقولان بوحدانية الذات الإلهية.

 

* ثم ظهر اريوس بعد ذلك في أوائل القرن الرابع، وأنكر ألوهية المسيح حيث قال: إنه ليس من ذات الله، وإنه مسبوق بالعدم ضرورة؛ لأنه مولود، وإنه جائز الوجود، وإن الحكمة في وجوده هي لكي يكون واسطة لإنقاذ العالم من الخطية، فانعقد لذلك المجمع النيقاوي سنة 325م، وحكم ببطلان مذهب هذا الشماس الاسكندري، وألف دستور الإيمان الذي يجب على المسيحيين أن يتمسكوا به..

 

* ثم لما خطب أحد القسوس في القسطنطينسة يقال له "اتستاسيوس" خطبة أنكر فيها على تلقيب العذراء المباركة بوالدة الإله، وقال إنما هي أم المسيح تابعه على ذلك البطريك نسطوريوس، فانعقد بهذا السبب المجمع في مدينة أفسس، بواسطة كيرللس بطريك الإسكندرية، وحكموا على النساطرة بالهرطقة، أما أساقفة المشرق الذين كانوا في المجمع المذكور اجتمعوا أيضا في افسس، وحرموا كيرللس المذكور، وكان ذلك في القرن الخامس.

 

* ومن ثم ظهر افتخيوس في القرن المذكور، وأراد أن يقي ذاته من آراء النساطرة المذكورين، وكان رئيس دير، فأخذ يعلم بأن المسيح حين تجسد لم يكن له إلا ذات واحدة، وطبيعة واحدة، وأيَّد ذلك ثاودوسيوس الثاني قيصر القسطنطينية بمجمع عقده في افسس سنة 495م، تحت رياسة ديسقوروس بطريك الإسكندرية، وتسمت مقلدوه متوفيزية، لكن بعد ذلك بسنتين انعقد مجمع آخر في الإسكندرية، وأبطل هذا التعليم وقطع ديسقوروس من البطريركية، وعلم بأن للمسيح ذاتا واحدة وطبيعتين طبيعة لاهوتية وطبيعة ناسوتية، غير أنه لما ظهر يعقوب البرادعي أسقف أورقة غير بدعة المتوفيرية بصورة أخرى غير صورتها الأولى وأخذ يجمع فروع هذا المذهب إلى أن مات سنة 578م وبه تسمت تلك الطائفة باليعقوبية.

 

* وأراد هرقل قيصر القسطنطينية أن يرد طائفة المنوفيزية إلى رأي الكنيسة فكان ذلك سببا في ظهور بدعة المنوتيلية حيث أنه اتفق مع اثناسيوس البطريك المنوفيزي بأن هذا البطريك يرد أصحابه حسب طلب القيصر بشرط أن يكون الاعتقاد العام بأن المسيح من حين اتحد فيه اللاهوت والناسوت لم يبق له إلا إرادة واحدة وتأثير واحد ناشيء عن تلك الإرادة، واستحسن ذلك سرجيوس بطريك القسطنطينية، وكورش بطريك الإسكندرية، واثناسيوس بطريك انطاكية، والبابا هنربوس الأول أسقف رومية، ولم يخالف في ذلك إلا صفرونيوس بطريك أورشليم، وعقد ضدهم مجمعا في سنة 634م، ثم اجتمع مجمع آخر في القسطنطينية سنة 680م، وحرموا تلك الطائفة والبابا المذكور أيضا([6]).

 

مجمل عقائد اليعاقبة:

 

* يقول ابن حزم في الفصل في الملل والنحل: قالت اليعقوبية أن المسيح هو الله تعالى نفسه، وأن الله تعالى عن عظيم كفرهم مات وصلب وقتل، وأن العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر، والفلك بلا مدبر، ثم قام ورجع كما كان، وأن الله تعالى عاد محدثا، وأن المحدث عاد قديما، وأنه تعالى هو كان في بطن مريم محمولا به، وهم في أعمال مصر وجميع النوبة وجميع الحبشة و ملوك الأمتين المذكورتين.

 

* وقال الشهرستاني في الملل والنحل: "اليعقوبية أصحاب يعقوب، قالوا بالأقانيم الثلاثة كما ذكرنا إلا أنهم قالوا: انقلبت الكلمة لحما ودما، فصار الإله هو المسيح، وهو الظاهر بجسده، بل هو هو، وعنهم أخبرنا القرآن الكريم: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)([7])([8]).

 

* وأضاف الشهرستاني: "فمنهم من قال: إن المسيح هو الله تعالى، ومنهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت، فصار الناسوت المسيح مظهر الجوهر، لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة، التي هي في حكم الصفة، بل صار هو هو، وهذا كما يقال: ظهر الملك بصورة إنسان أو ظهر الشيطان بصورة حيوان وكما أخبر التنزيل عن جبريل عليه السلام: (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)([9])، وزعم أكثر اليعقوبية أن المسيح جوهر واحد، أقنوم واحد، إلا أنه من جوهرين، وربما قالوا: طبيعة واحدة من طبيعتين، فجوهر الإله القديم، وجوهر الإنسان المحدث تركبا تركيبا كما تركبت النفس والبدن، فصارا جوهرا واحدا، أقنوما واحدا، وهو إنسان كله، وإله كله"([10]).

 

ونختم تقريرنا حول هذه الفرقة الضالة- والفرق النصرانية كلها في ضلال- بقول الإمام ابن حزم-رحمه الله- إذ قال في الفِصَلِ، معلقا على معتقد هذه الفرقة: "ولولا أن الله تعالى وصف قولهم في كتابه، إذ يقول تعالى: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)([11])، وإذ يقول تعالى حاكيا عنهم: (إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ)([12])، وإذ يقول تعالى: (أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ)([13])، لما انطلق لسان مؤمن بحكاية هذا القول العظيم الشنيع السمج السخيف، وتاالله لولا أننا شاهدنا النصارى ما صدقنا أن في العالم عقلا يسع هذا الجنون، ونعوذ بالله من الخذلان"([14]).

 

 

([1]) ينظر: تاريخ الأدب السرياني- مراد كامل وآخرون- دار الثقافة- القاهرة- د.ت- (ص:132، وما بعدها).

([2]) عن عظة للأنبا شنودة الثالث في نهاية التسعينات من القرن العشرون بعنوان: "مشاهير الآباء في العصور الأولى"

([3]) سوسنة سليمان في أصول العقائد والأديان، لنوفل أفندي نوفل: (ص:158)- طبع في بيروت سنة 1876م.

([4]) المواعظ والاعتبار للمقريزي: (3/268).

([5]) ينظر: مقال: هل الأقباط يعاقبة؟- لعزت اندراوس- موسوعة تاريخ أقباط مصر.

([6]) سوسنة سليمان- نوفل أفندي نوفل: (ص:145-147).

([7]) سورة المائدة من الآية: (17).

([8]) الملل والنحل للشهرستاني: (ص:182).

([9]) سورة مريم من الآية: (17).

([10]) الملل والنحل: (ص:183).

([11]) سورة المائدة من الآية: (17).

([12]) سورة المائدة، من الآية: (73).

([13]) سورة المائدة، من الآية: (116).

([14]) الفصل في الملل والنحل لابن حزم: (1/48).

 

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  اليعقوبية واليعاقبة.. أو "أصحاب الطبيعة الواحدة..".

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7