السبت 24 أغسطس 2013

العلاقات العامة مع غير المسلمين في القرآن والسنة

المؤلف: الدكتور عثمان بن جمعة ضميرية 

أستاذ مشارك بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة الشارقة

بحث نشر في : مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والإنسانية

==============

أرست الشريعة الإسلامية قواعد التعامل مع غير المسلمين على أساس العقيدة والأخلاق والحق والعدل والوفاء, وأقامت القاعدة العامة في مركز أهل الذمة والمستأمنين الأجانب في الدولة بما يترتب عليها من حقوق في حرية التعبد وعدم الإكراه في الدين وفي رعاية العهد والوفاء بالمواثيق وفي عصمة الدم والعرض وفي الحماية والدفاع عن المحرمات وفي سائر الحقوق الاجتماعية.

والسنة النبوية توازن بين تلك الحقوق وبين الواجبات التي يلتزمون بها فكان بذلك شريعة الحق والعدل لأهل الأرض, ولذا حاول الباحث في هذا البحث أن يومئ إلى هذه المعاني في حدود ما سمحت به ورقاته.

وبدأ الباحث بذكر مكانة السنة في التشريع فبين أنها تمثل مع القران الكريم مصدر الدين عقيدة وعبادة وأخلاقا ومنهج حياة ولذلك قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنه سيأتي أناس يأحذونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن،

فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله".

ولهذا كان حفظ الله عز وجل  للقرآن يقتضي حفظ السنة لان حفظ المفسر للقرآن ضرورة من ضرورات حفظ القرآن كما قال الإمام الشافعي –رحمه الله– في صدد الكلام على لسان العرب ولسان العرب: "أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها ألفاظا ولا نعلمه يحيط بجميع عِلْمِهِ إنسان غير نبي، ولكنَّه لا يذهب منه شيء على عامتها، حتى لا يكون موجودا فيها من يعرفه".

وقسم الباحث هذا البحث بعد هذه المقدمة إلى أربعة مباحث وخاتمة

المبحث الأول: غير المسلمين في المجتمع الإسلامي.

غير المسلمين في المجتمع الإسلامي ينقسمون إلى قسمين, إما أن يكونوا أهل ذمة من رعايا الدولة الإسلامية وإما أن يكونوا أهل أمان وهم المستأمنون أو(الأجانب).

فعرف أهل الذمة بأنهم هم الذين يؤدون الجزية من المشركين كلهم، فيأمنون بها على دمائهم وأموالهم. وسموا بهذا الاسم لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم وذكر عددا من تعريفات الفقهاء لهم.

وليس في الرضا بعقد الذمة هذا رضا عن دينهم ومعتقدهم فكما يقول الإمام الجصاص: ""ليس أخذ الجزية منهم رضًا بكفرهم، ولا إباحة لبقائهم على شركهم. وإنما الجزية عقوبة لهم، لإقامتهم على الكفر. وتبقيتهم على كفرهم بالجزية كهي لو تركناهم بغير جزية تؤخذ منهم؛ إذ ليس في العقل إيجاب قتلهم، لأنه لو كان كذلك: لما جاز أن يبقي الله كافرًا طرفة عين، فإذا أبقاهم  لعقوبة يعاقبهم بها مع التبقية استدعاء لهم إلى التوبة من كفرهم واستمالة لهم إلى الإيمان".

ثم عرف المستأمنين بتعريفات أصحاب المذاهب لهم كتعريف الحنفية للمستأمن بأنه: "هو من يدخل دار غيره بأمان، مسلمًا كان أو حربيًا. فشمل هذا التعريف المسلم الذي يدخل دار الحرب بأمان، والحربي الذي يدخل دار الإسلام بأمان. والمراد بالدار الإقليم المختص بقهر  ملِك إسلامٍ أو كفرٍ".

المبحث الثاني: أسس العلاقات العامة مع غير المسلمين.

ذكر الباحث أن الأسس هي مجموعة الأحكام والقواعد العَقدية والتشريعية التي تقوم عليها العلاقات العامة في الإسلام, ومنها:

-      العقيدة وأثرها في العلاقات العامة بين المؤمنين وبعضهم البعض وبين المؤمنين وغيرهم إذ أن هؤلاء الرعايا أو المستأمنين من رعيا الدولة الإسلامية الذين يسرى عليهم القوانين الإسلامية المنطلقة من العقيدة.

-       الأخلاق والقِيم العليا.

وكذلك تحكم العلاقة بين المسلمين وغيرهم القيم العليا الأخلاقية وهذا مما لا يتوافر في التشريعات الأخرى وهي الغاية التي بعث من اجلها النبي صلى الله عليه وسلم وتجلى ذلك في أقواله مثل "إنما بعثت .." ومثل "البر حسن الخلق" وغيرها من أقواله الشريفة.

-       العدل الحقيقي المطلق.

تقوم أحكام الإسلام على محاولة تحقيق أقصى سيرة ممكنة للحاكم المسلم في العدل مع كل رعيته وفي كل مجالات العلاقات فقال الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا" النساء 58

-      الوفاء بالعهود والمواثيق.

ومعناه: إتمام العهود والمواثيق على ما عقدت عليه من شروط، وعدم نقضها أو مخالفة شروطها كما قال الله سبحانه: "وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" النحل 91-92 , فبرغم أن السورة مكية والمسلمون في حالة استضعاف إلا أن هذا التشريع المحكم ظل هو الأصل الذي يحكم حياة المسلمين في سلمهم وحربهم وضعفهم وقوتهم

المبحث الثالث: العلاقة مع الذميين.

لدا الباحث بالحديث حول القاعدة العامة في مركز الذميين في الدولة الإسلامية, فبين أنهم "أنهم رعية من رعايا الدولة، يسري عليهم القانون الإسلامي فيما يتعلق بشؤونهم الدنيوية ويلتزمون بأحكام الإسلام فيما يعود إلى العقوبات والمعاملات، فيما يحكم به عليهم من أداء الحقوق أو ترك المحرمات، لأنهم من أهل دار الإسلام , وفيما عدا ما يختصون به من أحكام دينهم في الاعتقادات والعبادات وفي الزواج والطلاق (الأحكام الشخصية) ونحو ذلك مما يرونه مباحًا عندهم، فهم فيه أحرار، لا يتعرض لهم المسلمون بشيء".

ثم تحدث عن حقوق الذميين فذكر ما قرره الإسلام لهم مثل:

-      الوفاء بالشروط لهم في العقود.

-      عدم الإكراه في الدين (الحرية الدينية).

-      وأما حقهم في بناء أماكن العبادة؛ فميز بين أربع حالات بناء على اختلاف حكم البلاد على تفصيل ذكره الباحث.

-      حماية أهل الذمة والدفاع عنهم.

-      عصمة النفس والعرض والمال.

-      رعاية الذميين وحقُّهم في التكافل الاجتماعي.

-      الإقامة في دار الإسلام وحرية التنقل فيها.

-      إباحة كل أنواع التعامل المشروع بيعا وشراء ورهًنا وغير ذلك من المعاملات المالية كما أباح طعام أهل الكتاب وذبائحهم وأباح مصاهرتهم وزيارتهم في المناسبات وعيادة مرضاهم وغير ذلك من أنواع البر.

ثم تحدث الباحث عن واجبات الذميين التي يلتزمون بها في مقابل تمتعهم بالمكتسبات من ديار الإسلام, وهي مثل:

-      خضوع الذميين للقضاء الإسلامي.

-      الجزية وفي الغالب يختص بضريبة الأنفس على تفصيلات كبيرة ذكرها الباحث.

-      الخراج وفي الغالب يختص بضريبة الأرض.

-      العشور وفي الغالب يختص بضريبة التجارة عند انتقالها من بلد لبلد.

وتجدر الإشارة هنا بان غير المسلمين تعاملوا تعاملات مع المسلمين لم تصل لمعشار هذه الحقوق, فبعد سقوط الأندلس بقليل صدرت القوانين لتعقب المسلمين وإيذائهم اشد الإيذاء على الرغم من رحمتهم بالذميين أثناء حكمهم, ففي يوليه سنة (١٥٠١) أصدر فرناندو وإيسابيلا أمرًا ملكيًا خلاصته "أنه لما كان الله قد اختارهما لتطهير مملكة غرناطة من الكفرة فإنه يحظر وجود المسلمين فيها، فإن كان بها بعضهم فإنه يحظر عليهم أن يتصلوا بغيرهم، خوفًا من أن يتأخر تنصيرهم، أو بأولئك الذين ُنصِّروا لئلا يفسدوا إيمانهم، ويعاقب المخالفون بالموت أو مصادرة الأموال، فكيف ما فعلوه مقارنة لتسامح المسلمين ؟

المبحث الرابع:العلاقة مع المستأمنين "الأجانب"

المستامن هو من غير المسلمين من الحربيين الذين يدخلون دار الإسلام بأمان مؤقت لأمرٍ يقضيه أحدهم ثم ينصرف بانقضائه، دون أن يكون ملتزمًا بأحكام

الإسلام أو الذمة.

فذكر الباحث حقوق المستأمنين في الشرع الإسلامي وهي مثل:

-      حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية وعدم إكراههم في الدين.

-      ثبوت الأمان للمستأمنين على أنفسهم وحمايتهم.

-      عصمة المال واحترام الملكية.

ثم تحدث عن واجبات المستأمن وهي مثل:

-      خضوع المستأمن للقضاء الإسلامي.

-      خضوع المستأمنين لنظام الضرائب (العشور) تحت مبدأ المعاملة بالمثل وهي القاعدة العامة التي تحكم عشور أهل الحرب المستأمنين هي قاعدة المجازاة أو المعاملة بالمثل، فيعامل المستأمن في دار الإسلام كما يعامِل أهل بلاده المسلمين عندما يدخلون دارهم للتجارة.

-      قابلية انتهاء عقد الأمان بأن يوضع كشرط فيه.

-      قواعد محددة معلومة لمعاملة المستأمن عند انتهاء الأمان.

ثم ختم الباحث الكريم بحثه القيم بخاتمة فيها عدد من النتائج التي تضمنها هذا البحث الكريم فأعاد تلخيصها ثم أوصى في خاتمة كلماته بوصية رجا أن تكون موضع عناية ونظر وهي الاهتمام بتوجيه الدراسات الحديثية في أقسام السنة النبوية وعلومها في كلياتنا ومعاهدنا، وفي الندوات والمؤتمرات، وفي الأبحاث العلمية في المجلات والدوريات، إلى العناية بالتوجيه النبوي في كل المجالات العقدية والأخلاقية والعملية أو الفقهية بمعناها الواسع الشامل، وعلى المستويات الفردية والأسرية والاجتماعية والدولية، مما كان يعبر عنه علماؤنا بالجمع بين الحديث والرأي السليم، أو النظر والأثر.

جزى الله الباحث الكريم الدكتور عثمان بن جمعة ضميرية على هذا البحث القيم في موضوعه ومادته, ونسألك اللهم سبحانك أن تجعل جهده هذا في صالح ميزانه يوم يلقاك وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

لتحميل الدراسة انقر هنا:

 
 
   Bookmark and Share      
  
  العلاقات العامة مع غير المسلمين في القرآن والسنة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7