الخميس 29 أغسطس 2013

إن جميع ما يقع في هذا الكون من أحداث, وسائر ما يجري فيه من حركة أو سكون, إنما يكون بقانون إلهي عام ودقيق وصارم, لا يخرج عن مساره ونطاقه أمر, ولا يتجاوز أحكامه وقوانيه شيء, فلا مكان للمصادفة في خلق الله تعالى, ولا وجود للتخبط والعشوائية في صنعه وإبداعه سبحانه وتعالى.

وإذا كانت الكائنات الحية –بما فيها الإنسان– وغير الحية بما فيها الشمس والقمر والنجوم والجبال, في وجودها المادي, وما يطرأ عليها من حياة أو موت أو وجود وفناء, تخضع لقانون إلهي عام واحد وصارم, لا يتبدل ولا يتغير, ويستوي في معرفته المسلم والكافر, من خلال النظر والتفكر وإعمال العقل, الذي يدل بطبيعة الحال على خالق عظيم وراء هذا الإبداع والإعجاز.

فإن هناك قانونا إلهيا عاما يهتم بسلوك وتصرفات وأفعال الإنسان, أفرادا كانوا أو أمما وجماعات, ففي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة سنة وقانون عام, تخضع لحكمها تصرفات وأفعال البشر, ومواقفهم من شرع الله ودينه, وطريقته المتبعة سبحانه وتعالى -التي بينها في القرآن– في معاملته للبشر طبقا لمواقفهم من دينه وشرعه وأنبيائه, وما يترتب على ذلك من نتائج دنيوية وأخروية, وتسمى هذه الطريقة والقانون (بالسنن الإلهية).

وما يمكن أن يميز هذه السنة الإلهية الأخيرة عن سابقتها, هو كونها سنة خاصة بالبشر, فلا تشمل الجمادات والحيوانات وسائر المخلوقات, وإنما تتعلق بأفعال من اختصهم الله بالعقل والتكليف من سائر خلقه, وما يترتب على هذه السنة من سعادتهم وشقائهم, رفعتهم وانحطاطهم, عزهم وذلهم, قوتهم وضعفهم, في الدنيا والآخرة.

ولعل من أهم وأخطر سنن الله تعالى في سلوك البشر وتصرفاتهم وأفعالهم, التدافع بين الحق والباطل, والصراع بين الإيمان والكفر, ذلك الصراع الذي يكثر الحديث عنه وحوله هذه الأيام, خاصة مع اشتداد الصراع والقتال في أكثر من بلد عربي وإسلامي, سواء كان ذلك الصراع فكريا أو إعلاميا أو قتاليا بالسلاح والعتاد.

ورغم أن الحق واضح وضوح الشمس في رابعة النهار, جلي جلاء وجود الإنسان, ورغم أن للحق علامات ودلائل شرعية, فما وافق شرع الله ودينه فهو الحق, وما خالفه ونابذه وعانده فهو الباطل, إلا أن أهل الباطل يحاولون إلباس باطلهم ثوب الحق, وإلباس الحق بعض لبوس ومظاهر الباطل, وذلك من خلال الخداع والسحر الذي يتقنونه ولا يتقنون غيره.

وفي هذا المقال حاولت أن أضع بين يدي القارئ الكريم, بعض أهم قواعد القرآن الكريم, التي تبين ثوابت وسنن وقوانين الصراع بين الحق والباطل, مما قد يساعد على تلمس الحق والاقتراب منه, وكشف الباطل والابتعاد عنه, والله أسأل التوفيق والسداد إنه سميع قريب مجيب.

1-     الصراع بين الحق والباطل سنة إلهية ثابتة ودائمة

فمنذ أن تكبر إبليس اللعين على أوامر الله تعالى, واستكبر عن تنفيذ أمره بالسجود لآدم عليه السلام, ومنذ أن أنزل الله تعالى آدم إلى الأرض بمخالفته لأمر الله بالأكل من الشجرة المحرمة, وإنظار الله تعالى للشيطان إلى يوم القيامة, والصراع بين الحق والباطل لا يتوقف ولن يتوقف.

إن المتتبع لآيات القرآن الكريم, والمدقق في إرساله لأنبيائه ورسله, وما لاقوه من تعنت وتكذيب وتعذيب من قبل أقوامهم, حتى أفضى الأمر إلى المواجهة التي لا بد من وقوعها بين حقهم الذي أرسلهم الله به, وبين باطل أقوامهم الذي أغراهم الشيطان به, سيلاحظ دون عناء حتمية تلك السنة الإلهية ولزومها.

قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} محمد/3 , وقال تعالى: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} الرعد/17 , وقوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا} الكهف/56 .

إن المدقق في الآيات السابقة لا يعجزه أن يقف على حقيقة مفادها أن الصراع بين الحق والباطل هو سنة أقام الله عليها هذه الحياة، وأن الحياة لا يمكن أن يسودها الخير المطلق، بحيث تخلو من الشر، كما أنها لا يمكن أن تعاني من الشر المطلق بحيث لا يكون فيها قائم بالحق, فمزيج الحق والباطل هو قضاء الله تعالى وقدره في هذه الدنيا, ولن تجد لسنة الله تبديلا, ولن تجد لسنة الله تحويلا.

وقد بين الله تعالى في آيات أخرى من القرآن الكريم, أن الله تعالى لا يُمكِّن للباطل في هذه الحياة ليستعبد الناس، ولا يفسح له المجال ليسخر عباد الله لخدمته وتحقيق مآربه، بل إنه سبحانه وتعالى يقيم من أهل الحق من يقف في وجه الباطل وأهله، ويتصدى له في معاركه كافة، وقد سمى القرآن الكريم ذلك تدافعا بين الحق والباطل

قال تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} البقرة/151 وقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} الحج/40

إن المقلب لصفات التاريخ وسجلاته, والقارئ المتبصر لسطوره وكلماته, يستطيع أن يجد بلا عناء صورا كثيرة متكررة لذلك الصراع الحتمي, ومشاهد متجددة لأشكاله وألوانه في كل عصر ومصر, فلا يكاد يخلو عصر من العصور من ذلك الصراع, كما لا يمكن أن يستثنى زمان منه ومن آثاره.

فقد بدأ الصراع بين الحق والباطل بقتل قابيل لأخيه هابيل, وقد مثل أحدهما الحق –هابيل–  والآخر الباطل, ثم توالت معارك الحق والباطل عبر التاريخ, فكان صراع ابراهيم عليه السلام مع النمرود, وصراع موسى عليه السلام مع فرعون, وصراع محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه من قريش, وسيستمر الصراع بين الحق والباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ولا بد قبل إنهاء الكلام عن هذه القاعدة, أن نهمس في أذن بعض الذين يطمعون بتطبيق شرع الله تعالى ودينه, دون تطبيق سنة الله تعالى في مواجهة الباطل وأعوانه, ودون تكبد بعض العناء والمشقة, بأن ذلك تنكبا عن منهج الأنبياء والمرسلين, وخروجا عن سنة الله تعالى وقانونه.

يقول سيد قطب رحمه الله: إن تكاليف الخروج من العبودية للطاغوت والدينونة لله وحده -مهما عظمت وشقت– أقل وأهون من تكاليف التبعية للطواغيت, إن تكاليف التبعية للطواغيت فاحشة مهما لاح فيها من السلامة والأمن والطمأنينة على الحياة والمقام والرزق.

ولا يقف الأمر عند فقدان المعاني الأخلاقية السامية, بل إنه يهبط ويهبط حتى يكلف الناس –في حكم الطواغيت– أموالهم التي لا يحميها شرع ولا يحوطها سياج، كما يكلفهم أولادهم؛ إذ ينشئهم الطاغوت كما شاء على ما شاء من التصورات والأفكار والمفهومات والأخلاق والتقاليد والعادات، فوق ما يتحكم في أرواحهم وفي حياتهم ذاتها، فيذبحهم على مذبح هواه، ويقيم من جماجمهم وأشلائهم أعلام المجد لذاته والجاه. في ظلال القرآن / سورة الأعراف / الآية 88-89.

كما لا بد أن نهمس في أذن الذين يغامرون بمواجهة الباطل بالسلاح والقتال, دون التسلح بالعدة التي أمر الله تعالى بها, و تنشئة الفئة المؤمنة الحقيقية المطلوبة, والأخذ بكامل الأسباب والمسببات, والتأكد من الجاهزية المعنوية, والاستعداد المادي –حسب الاستطاعة– بأن ذلك خروجا عن منهج الله تعالى ومنهج رسله في تلك المواجهة.

2-    إن أهل الحق وإن تركوا الباطل فإن الباطل لن يتركهم أبدا

وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} البقرة/217, قال ابن كثير رحمه الله: (ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين) 1/577, وقال القرطبي: (خَبَرٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَحْذِيرٌ مِنْهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ شَرِّ الْكَفَرَةِ) 3/46

وقد ورد عن الإمام الشافعي قوله: والله الذي لا إله إلا هو لو أن الحق ترك الباطل ما ترك الباطل الحق أبدا, ويؤكده قول الله تعالى في قصة قوم لوط عليه السلام, الذي لم يتجاوز النصح والإرشاد لقومه, فما كان جوابهم إلا أن قالوا: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} النمل/56

وهو أمر مشاهد وملموس فيما يجري على الساحة العربية والإسلامية, من صراع بين الحق والباطل, رغم ترك أهل الحق في تلك البلاد الباطل عبر سنوات خلت, إلا أن الباطل لم يتركهم, وما زال يلاحقهم ويطاردهم حتى يزيل شأفتهم وجذوتهم, وأنى لذلك أن يحصل وقد وعد الله أن لا يخلي الأرض من عباده المجاهدين المتمسكين بالحق, وذلك من خلال كلام رسوله صلى الله عليه وسلم حين قال: (لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ) صحيح مسلم برقم 5059.

3-    الغلبة في ذلك الصراع للحق وأهله

تقرر ذلك عبر كثير من الآيات القرآنية التي تؤكد على أن العاقبة للمتقين, وأن النصر حليف المؤمنين الصادقين, وذلك مهما حقق الباطل في البداية من انتصارات آنية, أو كسب معركة جانبية واهية, قال تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} الإسراء/81, وقال تعالى: {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} سبأ/49, وقال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} الأنبياء/18.

إن النماذج التطبيقية العملية لهذه القاعدة والسنة الإلهية القرآنية, أكثر من أن تحصى في السابق والحاضر, أما في قصص القرآن فقصة موسى عليه السلام مع فرعون خير مثال على انتصار الحق في النهاية, رغم مظاهر انتصار الباطل في البداية, قال تعالى: {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} الأعراف/118

وفي العصر الحديث انتصر الحق المتمثل بالمقاومة الإسلامية الفلسطينية في غزة, على الباطل المتمثل بالاحتلال الإسرائيلي الغاشم, وعدوانه العسكري عام 2008م, رغم التفوق المادي العسكرية والتقني الذي يتمتع به اليهود, مقارنة بالإمكانات المتواضعة للمقاومة الإسلامية, مما يجعل من تلك القوانين والقواعد الإلهية تدخل في حسابات النصر والهزيمة على أرض الواقع, وإلا فإن العقل والمنطق يجعل من هزيمة المقاومة (الحق) وانتصار اليهود (الباطل) أمرا حتميا.

وأظن أن المعضلة عند المسلمين لا تكمن في يقينهم بصدق وعد الله تعالى وإنفاذ عهده, فالجميع يؤمن –ولو نظريا– بأن القرآن حق وكلام الله صدق, ولكنها تكمن في أمرين اثنين هما:

1-     إيجاد تلك الفئة المؤمنة التي وعدها الله تعالى بالنصر والتمكين في الأرض, وهو أمر ليس بالسهولة التي قد يظنها البعض.

2-     تحقيق ذلك التوازن الدقيق المطلوب, بين التوكل التام والكامل على الله تعالى, وترك التعلق بالبشر سواء كانوا أفرادا أو جماعات أو دول ومنظمات, واليقين بإنجاز الله تعالى لوعده وعهده من جهة, وبين الأخذ بالأسباب كاملة كما أمر الله تعالى, دون نقص أو إهمال, حتى لا ينقلب التوكل إلى تواكل من جهة أخرى.

فإذا ما تحقق الأمران السابقان في مجموعة أو حزب أو فئة أو دولة, فإن النصر حليفها في مواجهة الباطل, مهما كان الباطل في الظاهر قويا ومتماسكا, لأن الباطل لا يجد قوته في طبيعته، بل تأتيه القوة من جهة أخرى فتمسكه أن يزول، فإذا هي تراخت وقع, وإذا زالت عنه اضمحل, أما الحق فثابت بطبيعته قوي بنفسه, كما قال مصطفى صادق الرافعي رحمه الله.

 

فلا بد من انتهاج مبدأ: الأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء, ثم التوكل على الله تعالى بعد ذلك وكأنها –أي الأسباب– لا شيء.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 أهم القواعد القرآنية في صراع الحق والباطل

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7