الأحد 3 نوفمبر 2013

محددات الإسلام التربوية للوقاية من الإرهاب.

الدكتور : حمدي سليمان معمر.

جامعة الأقصى – غزة – فلسطين.

ــــــــــــــ

يعتبر مصطلح الإرهاب مع ما يكتنفه من غموض الأكثر تداولا في الحقل السياسي والإعلامي, وقد ساهم في جعله قضية العصر أحداث 11 سبتمبر, وبما تملكه الولايات المتحدة الأمريكية من تفرد في النفوذ السياسي والاقتصادي والتفوق العسكري, مما جعل قضيتها قضية العالم بأسره.

وقد طالنا –نحن العرب والمسلمين– كشعوب وحكومات وجاليات الأذى الكثير من هذا المصطلح, فقد ضيق على الجاليات الإسلامية , وحوصرت جمعيات خيرية, وشنت حملات فكرية وإعلامية على الإسلام كدين والعرب كأمة.

وتدخل مشكلة الإرهاب حياتنا كشعوب عربية وإسلامية من ثلاثة أبعاد, أولها حضاري يتمثل في الإساءة للإسلام والمسلمين, و يتمثل البعد الثاني بتعريض حياة الناس للخطر واقتصاد البلاد للتخريب, والبعد الثالث في التشويش على حركات المقاومة في البلاد المحتلة كفلسطين والعراق.

ويحاول البحث الذي بين أيدينا الإجابة على عدة تساؤلات: ما هو الإرهاب؟ وهل هناك علاقة بين الإسلام والإرهاب؟ وما طبيعة موقف الإسلام من الآخر في حالة الحرب؟ وكيف ضبط الإسلام استخدام القوة لئلا يتحول إلى إرهاب؟ وما سبل الوقاية من الإرهاب؟

بعد هذا التمهيد وبعد تعريف الإرهاب لغة واصطلاحا, مع بيان الاختلاف والتخبط الكبير في تعريف الإرهاب اصطلاحا, والغموض والتناقض في تطبيقها, حيث أتى الباحث على ما لا يقل عن 18 تعريفا للإرهاب, شمل الموسوعات العربية والأجنبية ومراكز البحوث والوكالات الدولية, والمجامع الفقهية الإسلامية, ووزارات بعض الدول, خرج الباحث بأهم الافتراضات الدافعة لعدم تحديد مفهوم واضح للإرهاب وهي:

1- خشية هذه الدول أن يستفيد المسلمون من تحديد مفهوم الإرهاب, وأن تستفيد حركات التحرر في العالم في جهادهم ضد الاحتلال والاستبداد.

2- تحديد مفهوم الإرهاب يحد من قدرة هذه الدول على التدخل في شؤون البلاد الأخرى باسم مكافحة الإرهاب, كما أنه يحد أيضا من قدرتها على استخدام الكثير من الوسائل (الإرهابية) التي تستخدمها اليوم.

3- تحديد مفهوم الإرهاب قد يعرض هذه الدول للإدانة والمساءلة القانونية, كما أنه يظهر مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال على أنه جهاد مشروع.

والخلاصة أن لفظ الإرهاب في اللغة العربية لا علاقة له بالمفهوم الذي تطرحه الثقافة الغربية والمتداول حاليا, فلا بد من فك الارتباط بين مصطلحي terrorism)) و الإرهاب, واستبداله بمصطلح (الحرابة) إذ إن الأخير أكثر دلالة على المعنى الذي يذهب إليه المصطلح الإنكليزي, وأكثر مراعاة لفارق الثقافات.

أما موضوع الإسلام والإرهاب فقد بين الباحث أنه لم يرد في القرآن الكريم لفظ الإرهاب, وإنما ورد اشتقاقات جذره (رهب) 12 مرة, ولعل أكثر الآيات قربا لما نتكلم عنه قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} الأنفال/60, وقد ورد تفسير (ترهبون) أي تخوفون عدو الله وعدوكم, أو تخزون به عدو الله وعدوكم كما قال ابن عباس رضي الله عنهما, وكلاهما يأتي ضمن سياق إرهاب العدو بالاستعداد له حتى لا يجرؤ على حرب المسلمين أو التفكير في ذلك.

وخلص الباحث إلى نتيجة مفادها: أن القرآن الكريم استخدم لفظ الإرهاب استخداما نظيفا, بعيدا عما يستخدم اليوم من معان في مجال السياسة والإعلام, وهذا الاستخدام النظيف لا يعني أبدا عدم مواجهة الإسلام للعدوان أو التفكير به, وإنما يعني وجود ضوابط  للحرب في الإسلام, إضافة لوجود سياسة واضحة لموقف الإسلام من الحرب والتعامل مع الأعداء, والتي ترتكز على الأسس التالية:

1- الأمر بالتسلح والإعداد, {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} الأنفال/60, مع بيان أنواع القوة المطلوبة هنا, وأهداف هذه القوة المعدة, التي تتقدمها إخافة العدو.

2- الشدة والقسوة على المقاتلين الأعداء {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } محمد/4, أو قوله تعالى: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} الأنفال/56, وبيان المقصود بالآية ممن نقضوا العهد وعرضوا كيان المسلمين للخطر, كما حدث مثلا مع بني قريظة يوم الأحزاب, وبيان أن التنكيل مقتصر في الحرب, مع بيان الهدف منه باتعاظ بقية الأعداء, وتخصيص عمليات القتل والأسر بميدان المعركة , وغير ذلك.

3- الإعداد لتربية روح قتالية عاليه من خلال قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة/111, فالتربية الجهادية في الإسلام ليست مرتهنة بوجود معركة, بل هي بيعة بين المسلمين وربهم, تبلورت فعليا ببيعة العقبة الثانية بين رسول الله صلى الله عليه ومسلم والأنصار.

وأما موجهات الإسلام التربوية في ضبط استخدام القوة فتظهر جليا في النقاط التالية:

1- ذم العدوان والنهي عنه: فالعدوان مذموم في الإسلام في كافة مجالات الحياة, الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية, قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} البقرة/190

يقول سيد قطب في تفسير الآية: والعدوان يكون بتجاوز المحاربين المعتدين إلى غير المحاربين من الآمنين المسالمين, كما يكون بتجاوز آداب القتال التي شرعها الله تعالى.

2- سمو أهداف القتال ومنع الخروج عليها: حيث اقترنت جميع آيات التعبئة العسكرية, سواء في مجال القتال أو التسليح أو الإعداد والتمويل أو التضحية والفداء بعبارة (في سبيل الله) أي في طاعة الله كما قال المفسرون.

كما جاءت الأحاديث النبوية الكثيرة لتأكد على حرمة أي هدف آخر للقتال والحرب في الإسلام غير هذا, فسئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل رياء, أي ذلك في سبيل الله؟؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.

3- الأمر بحماية المدنيين: حيث راعى الإسلام حرمة التعدي على المدنيين في زمن الحرب, ومع اتهام بعض الباحثين سيد قطب وأمثاله بالتطرف, إلا أن المنصف منهم يلحظ تقريره لمبادئ الإسلام وآدابه في الحرب.

4- الحث على العفو بدلا من العقوبة: حيث ورد لفظ العفو في القرآن الكريم 15 مرة, وجميعها في محل استحسان, كما كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة مثالا عمليا للعفو عند المقدرة, لعل أبرزها عفوه عن أهل مكة بعد الفتح.

5- النظرة الإيجابية للآخر: فقرر القرآن أخوة الجنس البشري بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} النساء/1, إضافة لإقامة العلاقة مع الآخر على العدل والمساواة, واحترام حق الحياة, والوصية بحسن المعاملة للآخرين.

وأما آثار هذا الموقف الأخلاقي الإسلامي في الحرب فهي :

1- قلة الدماء التي أريقت في جميع الغزوات في العهد النبوي, والتي بلغت 20 غزوة وسرية, حيث لم يتجاوز عدد القتلى من الفريقين (386), منهم (203) قتلى من المشركين, و (183) شهيدا من المسلمين, بينما بلغ عدد ضحايا الحروب الدينية الأوربية بين الكاثوليك والبروتستانت 10 ملايين وفق إحصائية الفيلسوف الفرنسي (فولتير) أي 40% من شعوب وسط أوربا.

2- في الحرب العالمية الأولى استعمل السلاح الكيماوي لأول مرة, وتم قصف المدنيين لأول مرة, وبلغ عدد القتلى العسكريين 8 ملايين جندي.

3- لم يعرف عدد الضحايا الحقيقيين في الحرب العالمية الثانية, وقدرت الموسوعة البريطانية عددهم (35 – 60) مليون شخص.

4- عندما سقطت القدس بيد الصليبيين قتلوا من المسلمين (40– 70 ) ألفا, بينما أطلق صلاح الدين الأيوبي أسرى الصليبيين بعد فتحه القدس عام 1186, وجمعهم بأهلهم, ونقلهم إلى بلادهم, ولم يقتل مسيحيا واحدا من المدنيين بعد فتحه للقدس.

إن الذي فعله صلاح الدين مع أعدائه لم يكن ثقافة عصر أو من باب المعاملة بالمثل, وإلا لكان قتل من الصليبيين أضعاف ما قتلوه من المسلمين, ولكنها ثقافة دين وتربية إسلام.

وبذكر أهم النتائج والخلاصات والتوصيات ينهي الكاتب -جزاه الله خيرا- بحثه القيم هذا, التي ركز فيها على الجانب التربوي الإسلامي في زمن الحرب, دون ذكر الأحكام الفقهية المتعلقة بمسائل القتال والجهاد والسياسة الشرعية, لعدم اختصاصه بذلك, والأفضل العودة لكتب الفقه في هذا الأمر, وعدم الاعتماد على الأبحاث التربوية الإسلامية لمعرفة ما يجوز وما لا يجوز في حالة القتال والحرب مع العدو, فالفقه ميدان ذلك والمرجع الأكثر دقة وفائدة.

لتحميل الدراسة انقر هنا:

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  محددات الإسلام التربوية للوقاية من الإرهاب

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7