الأحد 3 نوفمبر 2013

قال الإمام شمس الدين السفاريني في عقيدته الموسومة بلوامع الأنوار البهية: "أن القدر عند السلف ما سبق به العلم وجرى به القلم، مما هو كائن إلى الأبد، وأنه-عز وجل- قدر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم-سبحانه وتعالى- أنها ستقع في أوقات معلومة عنده-تعالى- وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها"(1).

قال النووي: "واعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر ومعناه أن الله تبارك وتعالى قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه وتعالى"(2).

فأهل السنة والجماعة يؤمنون بالقدر خيره وشره، ويقرون بأن كل ما كان وما سيكون هو بقضاء من الله وقدره، وأن الله عالم بكل شيء، فهو يعلم كل ما كان وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف كان يكون.

والقدر هو الركن السادس من أركان الإسلام، وبجحوده وإنكاره، يكفر العبد ويخرج من الدين.

ولقد أجاب النبي-صلى الله عليه وسلم- على جبريل-عليه السلام- لما سأله عن الإيمان بقوله: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)(3).

 

خلافا للمعتقد السابق ظهرت جماعة منحرفة ادعت أنه لا قدر، وأن الأمر أنف، فالإنسان عندهم هو من يخلق أفعاله ويقدرها، وقد سمى العلماء هذه الجماعة بالقدرية، وقد سموا بعكس معتقدهم، لأنهم ينفون القدر ولا يثبتونه.
 

 

نشأة القول بالقدر في الإسلام:

عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب- رضي الله عنهما- داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون: أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم: أني برئ منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر...)(4)

اختلفت الآراء حول نشأة القول بالقدر في الإسلام، لكن أهمها ثلاثة أقوال:

القول الأول: تكاد تجمع المصادر على أن أول من قال بالقدر (معبد الجهني), وأن ذلك كان بالبصرة في أواخر عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وكل من ترجم لمعبد الجهني هذا قال عنه: إنه أول من تكلم بالقدر(5).

القول الثاني: أن أول ما حدث القول بالقدر في الحجاز، قبل معبد الجهني، وأن ذلك وقع لما احترقت الكعبة وعبد الله بن الزبير-رضي الله عنه- محصورا بمكة فقال أناس: احترقت بقدر الله تعالى, وقال: أناس لم تحترق بقدر الله(6).

القول الثالث: أن أول من نادى بالقدر في الشام هو (عمرو المقصوص), وكان عمرو هذا معلماً لمعاوية الثاني, وأثر عليه كثيراً, فاعتنق أقواله في القدر(7).

 

القدرية والقدر:

القدرية هي إحدى الفرق الكلامية المنتسبة إلى الإسلام، ذات المفاهيم والآراء الاعتقادية الخاطئة في مفهوم القدر، إذ قالوا بإسناد أفعال العباد إلى قدرتهم، وأنه ليس لله-تعالى عن قولهم- دخل في ذلك ولا قدرة ولا مشيئة ولا قضاء. كما أنكروا علم الله تعالى السابق، وقد وجدت طائفة منهم تثبت العلم والكتابة وتنكر المشيئة(8).

قال البيهقي رحمه الله: "وإنما سموا قدرية؛ لأنهم أثبتوا القدر لأنفسهم، ونفوه عن الله سبحانه وتعالى، ونفوا عنه خلق أفعالهم وأثبتوه لأنفسهم، فصاروا بإضافة بعض الخلق إليه دون بعض مضاهين للمجوس في قولهم بالأصلين النور والظلمة وأن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة"(9).

 

القدرية والجبرية والقدر:

جدير بالذكر الإشارة إلى أن لفظ القدرية يطلق على نفاة القدر كما يطلق على مثبتي القدر-الجبرية- ولكن شاء استعماله في النفاة أكثر، وجاء في الأثر عن ابن عمر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مجوس الأمة القدرية، فإن مرضوا فلا تعودهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم"، ووجه الشبه بينهما أن المجوس اتخذوا إليهن والقدرية قد جعلوا للخلق، أيضا إلهين أحدهما خالق أفعال الخير "الله تعالى"، وخالق أفعال الشر "الإنسان في زعمهم"(10).

قال الخطابي رحمه الله: "إنما جعلهم صلى الله عليه وسلم مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين النور والظلمة يزعمون أن الخير من فعل النور, والشر من فعل الظلمة, فصاروا ثنوية، وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله تعالى والشر إلى غيره, والله سبحانه وتعالى خالق الخير والشر جميعا، لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته، فهما مضافان إليه سبحانه وتعالى خلقا وإيجادا، وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلا واكتسابا"(11).

 

لماذا نفى القدرية القدر:

لم تنكر القدرية القدر متعمدين أن ينكروا علم الله أو أن ينكروا أن الله كتب مقادير كل شيء، وإنما الذي دعاهم إلى هذا هي شبهة وقعت لهم، وهي فعل العبد للمعاصي والشرور التي لا يرضاها الله ولا يحبها، ولو أنهم فهموا الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية لنجوا من تلك الفتنة، فالإرادة إرادتان:

الأولى الإرادة الكونية: وهي مرادفة للمشيئة، وهذه الإرادة تستلزم وقوع المراد، ولا يلزم أن يكون مرادها محبوبا لله مرضيا له. بل قد يكون مكروها مسخوطا له، ككفر الكافرين، ومعاصي العاصين، ووجود المفسدين، وقد يكون معناها محبوبا مرضيا لله تعالى، كوجود إيمان المؤمنين، وطاعات الطائعين ووجود رسل الله وعباده المخلصين.

الثانية الإرادة الشرعية: وهي إرادة دينية شرعية يحبها الله ويرضاها لعبادة، وهي غير لازمة التحقق.

فبفهم هاتين الإرادتين يدرك الإنسان أن كل من الخير والشر بيد الله تعالى، وهو من تقديره سبحانه وتعالى.

 

من أدلة القرآن والسنة في إثبات القدر:

إن المعتقد الصحيح الذي تضافرت عليه أدلة الكتاب والسنة إثبات علم الله تعالى ‏السابق، وأنه كتب مقادير الخلائق جميعاً قبل أن يخلقهم، وأنه لا يقع في كونه إلا ما ‏شاء وأراد.‏

قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)(12).

وقال: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ ‏نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)(13).

وروى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق ‏السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء)(14).

 

من آثار إثبات القدر والإيمان به:

إن من أعظم الآثار المترتبة على الإيمان بعقيدة القضاء والقدر، السعادة في الدنيا والآخرة، فالإنسان إذا علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأنَّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه سعد في الدنيا، وإذا علم أن جزاءه في الآخرة يكون بمقدار كسبه وعمله في الدنيا، سعد في الآخرة، هذا إن كان ممن يعمل تبعا لما يرضاه الله ويحبه.

ومن آثار الإيمان بالقدر أن يعرف الإنسان قدر نفسه، فلا يتكبر، ولا يبطر ولا يتعالى أبدا، لأنه عاجز عن معرفة المقدور ، ومستقبل ما هو حادث، ومن ثم يقر الإنسان بعجزه وحاجته إلى ربه دائما، وهذا من أسرار خفاء المقدور(15).

ومن آمن بالقضاء والقدر، وتدبر في خلق السماوات والأرض، وكيف يصرف الله أمرهما، وأمر ما فيهما من خلق، علم قدرة خالقه وعظمته، وسعة علمه وعظيم فضله ومنِّه على خلقه.

وفي الإيمان بالقدر تتبلور معاني الربوبية، التي تحمل المرء إلى الإنابة والتوكل، وتدفعه إلى الإخلاص والتجرد لله رب العالمين، وهذا أعظم ما في الإيمان بالقدر من ثمرات.

ـــــــــــ

(1) لوامع الأنوار البهية: (1/148).

(2) شرح النووي على مسلم: (1/154).

(3) رواه مسلم في صحيحه: (1/37/8).

(4) رواه مسلم في صحيحه: (1/37-38/8).

(5) ينظر التاريخ الأوسط للبخاري: (1/236).

(6) الإيمان لابن تيمية: (ص:368).

(7) القضاء والقدر لعبد الرحمن المحمود: (ص:120).

(8) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، إشراف: د. مانع الجهني: (2/1115).

(9) الاعتقاد للبيهقي: (ص245).

(10) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة: (2/1115).

(11) شرح مسلم للنووي: (1/154).

(12) سورة القمر الآية: (49).

(13) سورة الحديد الآية:(22).

(14) رواه مسلم في صحيحه: (4/2044/2653).

(15) لمحات في وسائل التربية الإسلامية وغاياتها: د. محمد أمين المصري: (ص: 186).

 
 
   Bookmark and Share      
  
  القدرية، أو المنكرون للقدر..

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7