الثلاثاء 5 نوفمبر 2013

يظن كثير من المثقفين أن الثقافة والفنون مجرد ترف فكرى يهدف إلى المتعة والتسلية فى الأصل، وإن كان ثمة رسالة بين طياته فهى رسالة ثانوية غير جوهرية، وقد روجت المذاهب الأدبية الغربية لهذه المبادئ والأفكار، وبالتبعية تبناها المثقفون العرب، ولقد اختزلت هذه المبادئ وما تحتويه من خلفيات اجتماعية وتاريخية فى مقولة: "الفن للفن".

والحقيقة أن من تبنى هذه المقولة من المثقفين والنقاد العرب صنفان: صنف انخدع بها وظن فيها استقلالية الفن والأدب عن إلزام السلطة السياسية وتوجيهاتها القسرية، وخاصة فى حقبة الاشتراكية العربية.

والصنف الآخر آمن بها عن وعى وقصد، فتبناها عقيدة وإبداعا، لينسلخ عن الموروث الثقافى للمجتمع، ويكسر كل ما هو مقدس فيه، بمعنى أدق أن يحارب الهوية الثقافية والإسلامية تحت شعار "الفن للفن" واستقلالية الفنون والآداب عن كل سلطة وعلى رأسها السلطة الدينية، ومن ثم خرج لنا شعار جديد "لا دين فى الفنون".

ولا أبالغ إن قلت إن هذه المبادئ مهدت بشكل أساسى للانقلاب الدموى الذى تجاوز كل الخطوط، وانتهك كل المحرمات.

ولا يجانبنى الصواب إن قلت أيضا إن دوائر صنع القرار فى الغرب والمؤسسات السياسية لا تؤمن بهذه النظرية، نظرية الفن للفن، بل تؤمن بنقيضها وهو أن الفن يلعب دورا بارزا فى تشكيل وجدان الشعوب وعقولها، وهذا ما يفسر إنفاق المخابرات الأمريكية للأموال الطائلة على الأنشطة الثقافية والفنية.

وقد تجلت صور هذا التشكيل العقلى والوجدانى فى كثير من النصوص الأدبية والأعمال الفنية التى عبرت عن ثقافة المستعمر الغربى الذى يرقص على الجثث، ويستمتع بتعذيب الضحية، فأقيمت الحفلات الفنية بانتصار أكتوبر فى ميدان التحرير، بينما كان على أطرافه تتم عمليات القنص والقتل والقمع.

ومن قبلها رأينا من يصدح فى حماسة (أنتم شعب واحنا شعب، لكم رب ولينا رب) كما رأينا رموز الفن والثقافة والأدب يقيمون الصالونات والندوات واللقاءات لتأييد هذا الانقلاب وشيطنة من يعارضه.

ولا نستطيع أن نغفل الصور النمطية التى رسمتها الأعمال الدرامية للرموز الدينية والشخصيات الإسلامية، فهى شخصية إجرامية إرهابية سطحية تعانى من العقد النفسية ونقص فى الاحتياجات الفطرية، وفى أفضل الحالات لهذه الشخصية فهى مسخ يُسخر منه ومن نفاقه لذوى السلطان.

لم يكن الأمر مجرد رؤية نقدية أو معالجة درامية لأحداث واقعية، فالنماذج المشرفة والنماذج المناضلة لا تعد ولا تحصى، كما لم يكن الأمر فى تأييد رجالات الفن والثقافة هو مجرد الاحتفاظ بالمصالح الشخصية والامتيازات المادية، فقد صرح أحد كبار المنتجين السينمائيين بأنه على رضى تام فى حالة توقف صناعة السينما فى مصر إذا كان هذا فى صالح الحفاظ على علمانية الدولة وعدم صعود التيار الإسلامى.

والحقيقة الجلية التى يتغاضى عنها من يتغاضى أن الصراع هو صراع هوية وصدام حضارى، وليس صراع مصالح وامتيازات، فلن يقبل من قال شعرا: إن "الإله موحش قاس" بأن يتولى السلطة من يؤمن بأن "الإله رحمن رحيم".

د. هانى إسماعيل محمد

 
 
   Bookmark and Share      
  
 دور الثقافة والفنون فى الانقلاب الدموى

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7