الثلاثاء 5 نوفمبر 2013

صديقي:
تتهمونا دائماً أن الوقوف على الحياد تُهمة، وتستشهدون بمقولة دانتي إن أسوأ مكان في الجحيم محجوز لأولئك الذين يقفون على الحياد في الأزمات الأخلاقية الكبرى. لكن ما لا تعرفونه أننا لا نرى أي أخلاق في معركتكم هذه. هذه معركة بين باطل وباطل وليست بين حق وباطل. وبالتالي فوقوفي علي الحياد هو أفضل خيار. لأني غير مطالب بالاختيار بين سيء وأسوأ

أنا:
كلامك صحيح، لكن قبل أن تسيل الدماء. يمكن تفهم موقفك وتقديره واحترامه لو كان الصراع هو فقط صراع سياسي على السلطة. صراع بين أحزاب متعارضة. بل وأزيد وأقول أنه يمكن تفهمه كذلك لو كانت الدماء التي تسيل تسيل بطريق الخطأ نتيجة فض المظاهرات وتدافع المتظاهرين وحدوث حالات اختناق مثلاً. حالة أو حالتين … ثلاثة

لكننا الآن في وضع تطلب فيه سلطة الانقلاب تفويضاً بالقتل، وتصدر الحكومة تصريحاً أنها ستقتل، وتستخدم أسلحة غير صالحة للتعامل مع المدنيين، كالقنابل الحارقة والجرينوف وتتعمد القتل بإصابات مباشرة في الرأس. ثم تقوم بحرق الجثث، ثم تحاول أن تخفي الجريمة، ولديها وسائل إعلام قادرة على تحويل الضحية لجلاد.
ليس هذا فقط، بل يمتد الأمر لاعتقال النساء والأطفال، واكتشاف عمليات تعذيب جديدة داخل أقسام الشرطة !

كل هذا يجعل وقوفك على الحياد غير مقبول، لأن الأمر تجاوز المعركة السياسية بين الباطل والباطل، ووصل إلى معركة أخلاقية بين الإنسانية والوحشية. بين حق الناس في الحياة ووحشية الانقلاب في سلب حقهم في الحياة. بين حق الناس في حرية التعبير ووحشية الانقلاب في اعتقالهم لمجرد حملهم بلالين عليها إشارة رابعة

قد تختلف مع فكرة الحجاب، لكنك ستدافع عن حق المحجبات في ارتداء الحجاب مادام عن قناعة، كما ستطالب غيرك باحترام حرية البنات في ارتداء ملابس قصيرة مادام الأمر عن قناعة وستدافع عن حرية اختيارهن إذا تم منعهن من ذلك !

فعليك إذن أن تعتبر أن المعركة الأخلاقية هي حق الناس في الاختيار … في التظاهر … في الرفض … في التعبير عن أي مطلب سياسي دون أن يتم قتلهم بكل وحشية.
إذا لم تكن هذه هي الأزمة الأخلاقية، فمتى تكون؟!

---

صديقي:
لكني إن نزلت ضد الانقلاب فهذا سيعني أني سأدعم الإخوان، وهذا مستحيل لأنهم طعنوني في ظهري من قبل وركبوا الثورة، وبالتالي فلا حل سوى أن أقف على الحياد؟

أنا:
دعنا نعود قليلاً للوراء، بعد الإعلان الدستوري. عندما ظهرت في صورة واحدة مع الفلول في ميدان التحرير. وقتها أخبرتك أنك تحالفت مع الفلول فأجبتني أنك نازل تتظاهر ضد ديكتاتورية مرسي، ولا ذنب لك إن كان هناك آخرون يريدون التظاهر كذلك. وقلت إن نزول الفلول لن يمنعني من النزول. أنا لي مطالبي ومقصدي وهم لهم مطالبهم ومقاصدهم، لن أبقى في بيتي لأنهم نزلوا، وكل واحد حر في رأيه !

الآن يتكرر المشهد، لكن حل الإخوان مع الفلول، سواء كان هناك فرق بينهم أم لا من وجهة نظرك، ولكنك هذه المرة آثرت أن تبقى في بيتك بحجة أن الإخوان في الشارع.

لن نعتبر هذا تناقضاً، وسنعتبر أنك ترى أن الإخوان أسوأ من الفلول … بالتالي فيمكنك ابتكار حلول أخرى:
يمكنك أن تتظاهر في الميدان الثالث رفضاً للعسكر وللإخوان … يمكنك أن تفضح الجرائم التي يمارسها الانقلاب ضد الإنسانية في العالم كله … يمكنك أن تجعل قضيتك ليست عودة مرسي كما يريد الإخوان، بل أن تكون: حفظ حق الناس في الحياة … وتقاتل من أجلها … أليست هذه قضية أخلاقية تستحق !

الدم لعنة، والمجازر فاقت الحد، وستحل هذه اللعنة قريباً على من قتل، ومن حرض، ومن سكت !

---

صديقي:
طيب … لنفرض أني نزلت … هذا قد يساعد في عودة رئيس فاشل وعبيط للسلطة … وأنا لن أقبل بهذا؟

أنا:
عنا نتفق على شيء … أنا مثلك أرى أن محمد مرسي فشل في إدارة الدولة، وهو من قام بتعيينالسيسي ومحمد إبراهيم الذين خططوا للانقلاب عليه.

لكن، هل نحن نطالب بعودة شخص محمد مرسي، أم نطالب باحترام حق الناس في الانتخاب !
عندما قامت ثورة يناير، كان أهم المكتسبات التي حصلنا عليها هي حق الناس في الاختيار عبر آلية واضحة ومحددة … نختار الدستور أولاً أم الانتخابات أولاً … نختار حمدين صباحي أو محمد مرسي … نختار الحرية والعدالة أو المصريين الأحرار … نختار من نريد حتى لو اكتشفنا فيما بعد أننا أخطأنا الاختيار.
المهم هو إعلاء قيمة الاختيار، إعلاء قيمة حق الناس في تقرير مصيرها
لو اختار الشعب عبر صناديقه زيد ليحكمه عبر الانتخابات فيجب أن يبقى زيد رئيساً حتى يُعزل عبر الانتخابات أو الاستفتاء عليه … وليس عبر مظاهرات حاشدة نبالغ في تقدير أعدادها. ويبالغ الطرف الآخر في تقدير أعداده كذلك، وينتهي الأمر لكل هذه الفوضى !

---

صديقي:
هل تعني أن مظاهرات ٣٠ يونيو ليست ثورة ولا يمكن عزل محمد مرسي من خلالها

أنا:
٣٠ يونيو تقريباً هي المظاهرات الأكبر في تاريخ مصر

---

صديقي:
إذن لماذا لا يمكن عزل محمد مرسي من خلالها كما تقول، ما الفرق بينها وبين عزل مبارك؟ … ألم يخرج الشعب ثائراً فرحل مبارك؟!

أنا:
الفرق بين ٢٥ يناير و٣٠ يونيو كبير … خلال عهد حسني مبارك لم يكن من الممكن تغيير الرئيس عبر آلية واضحة كالانتخابات … كل الانتخابات كان يتم تزويرها … وقد حاولت المعارضة الدخول في النتخابات وفشلت تماماً بسبب التزوير … فكيف كان الحل إذن؟
جاء الحل عبر ثورة شعبية، لأنها المخرج الوحيد !

لكن في ٣٠ يونيو كانت كل آليات عزل الرئيس ديمقراطياً متوفرة … الانتخابات بعد ثلاثة سنوات … أو انتخابات مجلس شعب ثم يقوم البرلمان بمحاكمة الرئيس وعزله … أو حتى الضغط المستمر من أجل إجراء انتخابات رئاسية مبكرة

لكن عزل الرئيس وعزل كل ما هو منتخب، مجلس شورى ودستور، واستبداله بانقلاب عسكري جاء بكل ما هو مُعين … رئيس معين وجمعية تأسيسية معينة … قد أدى لضياع قيمة الانتخاب وتضييع حق الناس في اختيار مصيرها عبر آلية واضحة … واستفز الأمر قطاع عريض من الشعب فنزل ليدافع عن اختياره، فُقتل واعتقل وكان ما كان !

---

صديقي:
هل يعني هذا أنك مصمم على عودة محمد مرسي للحكم؟ … أوهام !

أنا:
كما قلت من قبل، مرسي فشل في إدارة الدولة، وأنا لا أرى استمراره، لكني مع حل يكون وفق دستور ٢٠١٢، وهو الدستور الذي استفتي عليه الشعب، وذلك من أجل إعلاء قيمة حق الناس في الاختيار !
قد يكون هذا الحل متمثلاً في نقل السلطة لرئيس وزراء متفق عليه أو أي شيء آخر … المهم أن يكون وفقاً لشيء اختاره الناس عبر آلية واضحة !

من جديد … مرسي نفسه لا يُهمني في شيء … والجماعة كلها لا تعنيني … ما يعنيني هو حق الناس في الاختيار حتى لو كان اختيارهم زفت

أنت لا تختار بين سيء وأسوأ … أنت تختار بين من هو مُنتخب وما هو مُعين … حتى لو كان من هو منتخب كريه لا تطيقه
 

عماد الدين السيد

 
 
   Bookmark and Share      
  
 صديقي المحايد

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7