الثلاثاء 5 نوفمبر 2013

شعبان عبدالرحمن (*)

  الثاني من نوفمبر.. مرَّ وكأن أحداً لم يسمع به، رغم أنه يحمل على صفحته واحدةً من أسوأ الكوارث التي نكبت بها فلسطين.. إلا أنه مر كيوم عادي مثل كل الأيام!

لا ندري، هل ضاع وسط دوي الانقلاب العسكري في مصر، أم صرخات شلال الدماء في سورية، أم أنّات وأوجاع الحصار الخانق على أهلنا في غزة.. أم ضاع على أنغام أنشودة الفرقة والشتات الحزينة التي أصابت جسدنا العربي المتآمر بعضه على بعض والمتناحر بعضه مع بعض؟!

باتت الأيام متشابهة، فكل يوم يحمل نكبة جديدة، حتى تكاثرت النكبات علينا؛ فأنسى بعضها بعضاً.. وكل نكباتنا تصب في صالح عدونا صانع نكبتنا الكبرى على أرض فلسطين.

قبل ستة وتسعين عاماً (2 نوفمبر 1917م)، اقترفت الإمبراطورية البريطانية واحدة من أبشع جرائمها الاستعمارية بمنح اليهود الصهاينة وطناً في فلسطين، وأصدر "آرثر بلفور"، وزير خارجيتها، ما سمي بـ"وعد بلفور"، معلناً للعالم في ذلك اليوم المشؤوم تبني الإمبراطورية حماية هذا الوطن.

ووعد "بلفور" الجائر لم يكن أبداً بداية النكبة في فلسطين، وإنما جاء كنتيجة وتتويج لجهود النظام الدولي القديم، (إمبراطورية نابليون الفرنسية، ثم الإمبراطورية البريطانية) لجمع شذاذ الآفاق اليهود الصهاينة من أقاصي الأرض وإلقائهم في فلسطين لاختراق الشرق العربي المسلم من خلالهم.. هذا الشرق الذي استعصى طويلاً على حملات الإمبراطوريات الاستعمارية العتيقة.

وبين 2 نوفمبر 1917م و2 نوفمبر 2013م مساحة زمنية تقترب من القرن، ويوم صدور "وعد بلفور" كانت الدعاية البريطانية تركز على أن المطلوب هو مكان تحت الشمس لليهود دون المساس بحق الفلسطينيين، واليوم صار الفلسطينيون هم الذين يبحثون عن مكان تحت الشمس فلا يجدونه، ولا يجدون من يصدر لهم وعداً بحقهم في دولة مستقلة؛ لأن "بلفور" مات وشبع موتاً!

لم تجد فلسطين من يتذكرها في ذلك اليوم سوى بتصريحات واتصالات أمريكية غربية لإغلاق ملف فلسطين بالطريقة التي تريح الصهاينة وهي التهام هذا الوطن!

وبين الثاني من نوفمبر 1917م والثاني من نوفمبر 2013م حفلت الساحة الدولية بوعود أخرى أكثر جرماً من "وعد بلفور"، أدت جميعها إلى ما نشهده اليوم.. وعد دولي بتنفيذ مؤامرة الانقلاب العسكري في مصر ودعمه والتمكين له، حتى وإن كلف ذلك قتل وجرح وسجن أكثر من خمسين ألف مصري كل جريمتهم أنهم تمسكوا بشرعية رئيسهم الذي انتخبوه.. ووعد دولي بدعم نظام "بشار الأسد" المجرم حتى وإن كلف ذلك الإجهاز على الشعب السوري كله.. ووعد دولي دائم للصهاينة بتفتيت دول جوارها لإضعافها وتحويلها إلى حارس مأجور لحدود الكيان المحتل.

إن ذكرى "وعد بلفور" تنكأ جراحاً ووعوداً كثيرة جرت - ومازالت - تجرّ الوبال على الأمة، لكن.. إذا كان "وعد بلفور" مكّن لليهود بدعم دولي مطلق ما زال مستمراً حتى اليوم، فإن وعد السماء الذي يستقر في وجدان كل المؤمنين هو أن الأرض ستعود إلى أهلها بعد اقتلاع الصهاينة منها اقتلاعاً يوم يقول الحجر والشجر – وفق وعد الرسول صلي الله عليه وسلم –: "يا مسلم، يا عبدالله، تعالَ ورائي يهودي فاقتله"،  كما أن وعد السماء حتمي إن شاء الله تعالى بزوال كل "بلفور".

 

-----------------------------------

 (*) كاتب مصري- مدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية

 
 
   Bookmark and Share      
  
 وعد "بلفور".. ووعد "السماء"

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7