الأربعاء 6 نوفمبر 2013

قرأت عنواناً طريفاً عن أن بعض خبراء الكمبيوتر صمموا كمبيوتر يستطيع معرفة حال مستخدمه من حيث الشعور بالألم والفرح أو السعادة والشقاء أو الرضى والغضب فتأثرت حقيقة بحال البشر الذى لا يبالى بغيره ولا يستشعر فرحهم أو حزنهم، غناهم أو فقرهم، سعادتهم أو شقاءهم.

استغربت كثيرا أمام بشر لا تؤثر فى قلوبهم رؤية سفك الدماء الطاهرة الزكية ولا مناظر حرق الجثث وتجريفها بالجرافات، ولا رؤيتهم لبيوت الله تنتهك حرمتها.

قلوب لا تؤثر فيها آهات الثكالى ولا دموع اليتامى ولا أنات الأرامل ولا عذابات المظلومين المعتقلين، قلوب لا تنفطر على حال وطن سليب تُسرَق حريته وإرادته ومستقبل أبنائه ويتحكم فيه أعداؤه.

قلوب لا تهتز للقتل ولا للحرق ولا للاعتقالات ولا لإهدار حقوق الإنسان.

قلوب تسكت على الظلم والطغيان، وتصمت على تلفيق الاتهامات للأبرياء.

والأصل عندنا أن الإحساس بالآخر نعمة عظيمة يرفع صاحبه فى أعلى درجات المؤمنين.

يقول صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) (رواه مسلم).

وفى الحديث الضعيف سندا، الصحيح معنى: (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم)، فمن فقد الإحساس بغيره فقد جزءًا من الإيمان وأخمد جذوته فى قلبه، قال صلى الله عليه وسلم: (خاب عبد وخسر، من لم يجعل الله تعالى فى قلبه رحمة للبشر) (صحيح الجامع الصغير).

ديننا هو الذى أدخل امرأة النار فى هرة حبستها، وأدخل رجلاً الجنة لأنه سقى كلباً.

هو دين الرحمة، جاء به نبى الرحمة من رب يرحم من عباده الرحماء، وأخبرنا حبيبنا صلى الله عليه وسلم أن صاحب القلب الرحيم الرقيق من أهل الجنة، فقال: (وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رقيق القلب لكل ذى قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال) (رواه مسلم).

والله الذى لا إله غيره، لا أكتب هذا المقال طلبا للشفقة ولا للعطف من أحد، فقد وهبنا الله خيرًا مما آتاكم، وإنما ورب الكعبة نحن من نشفق عليك يا صاحب القلب المريض القاسى، يا صاحب الإنسانية المفقودة، نرجو لك سلامة القلب؛ لأنه الموصل إلى طريق الله المستقيم، وبه النجاة فى الدنيا والآخرة.

يقول صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن فى الجسدِ مضغَةً: إذا صلَحَتْ صلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ فسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهى القلبُ) (صحيح البخاري).

فلا يصدنك موقف سياسى أو اجتماعى أو حزبى أو شخصى أو تعصب أو... عن تعاهد قلبك وإصلاحه، فعند الله تجتمع الخصوم، ولن تنفعنا الحجج والمبررات الفاسدة بين يدى الله، ومن غالبَ الله غلبَه ومن علا فالله أعلى.

نحن أصحاب رسالة ودعوة ربانية، لنرشد الخلق إلى الخالق، ولتعبيد الناس لرب الناس جل وعلا، ولتعلو راية الإسلام فى ربوع الدنيا بكل جوانبه: الإسلام السياسى والدعوى والتربوى والسلوكى والأخلاقى والعبادى والاجتماعى والاقتصادى والثقافى والرياضى.

فلا نعادى أحدا لمنصب ولا لكرسى ولا لشىء من حطام الدنيا، وإنما لتكون كلمة الله هى العليا، شاء من شاء وأبى من أبى، وليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار بعز عزيز أو بذل ذليل، ولينصرن الله من ينصره.

فلين قلوبنا ورقتها من ديننا ومنهجنا وعقيدتنا، وقد حذرنا صلى الله عليه وسلم من قسوة القلب فقال: (من لا يَرحم لا يُرحم) (السلسلة الصحيحة)، وقال أيضا صلى الله عليه وسلم عن الذى لا يُقبِّل ولده ولا يرحمه: (أوَ أملِكُ لك أن نزَعَ اللهُ من قلبِك الرحمة ((صحيح البخاري).

فيا صاحب القلب الرقيق، أبشر بالأمن والإيمان ورحمة الرحمن والوعد بالجنان وصحبة الحبيب العدنان، ولا تبخل بطلاقة وجهك وابتسامتك الحانية واللمسة الرقيقة الدالة على المحبة، رغم الحزن والجرح والألم والقلوب المكلومة بجراحها، رغم الظلم والطغيان، رغم السجن والسجان، رغم الشهداء والمعتقلين والمصابين والمفقودين، رغم تآمر المتآمرين وخيانة الخائنين، رغم الانقلاب والانقلابيين، فقد كان صلى الله عليه وسلم بسَّام المحيا (تبسمك فى وجه أخيك صدقة) (صحيح البخاري)، وانظر إلى وصية الحبيب المصطفى لرقة القلب ولين الجانب، فيقول صلى الله عليه وسلم: (أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم وامسح على رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك) (السلسلة الصحيحة).

فيا صاحب الإنسانية المفقودة، صحح وجهتك، وأصلح بوصلتك، وجدد نيتك، واعلم أنه لن يكون فى كون الله إلا ما يريده الله، فيمهلنا ويختبرنا ويقيم علينا الحجة، ويشهد علينا جوارحنا ليميز الخبيث من الطيب، وأهل الحق من أهل الباطل (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله).

ماهر إبراهيم جعوان

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الإنسانية المفقودة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7