الجمعة 8 نوفمبر 2013

القيم الحضارية في قصة سيدنا سليمان مع ملكة سبأ.

للباحث : زكريا على محمود الخضر.

المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية–المجلد السادس العدد 1 – 1431/2010

ــــــــــــــــ

لا يزال وسيظل القران الكريم معينا لا ينضب, وسيظل القصص القرآني الفريد نموذجا ملهما للكثير من الدراسات الفكرية والتربوية والحضارية, ففيه القصة والعبرة والمثل والخلق والتدبير كما قال الله سبحانه في شان قرآنه الكريم:"وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ".

واستهدف الباحث في بحثه هذا بيان القيم الحضارية التي تضمنتها قصة سيدنا سليمان مع ملكة سبأ من خلال سورة النمل.

ووضح الباحث الكريم أن النظم في القصة القرآنية عامة يساهم بجلاء في إظهار هذه القيم, فأراد الباحث أن يستجلي الملامح والقيم الحضارية الدينية والاجتماعية والسياسية و العلمية والعمل على تحليلها وترتيبها من خلال هذه التجربة الإدارية والسياسية والقيادية لسيدنا سليمان في قصته من ملكة سبأ.

وقسم الباحث بحثه إلى ستة مباحث وخاتمة كانت من أجمل وأوفى ما جاء في بحثه لأنها لخصت بالفعل ما قال به في دراسته بل ربما استفاض فيها أكثر مما استفاض في البحث ذاته, ولعل هذا البحث يحتاج لأفراد رسالة كاملة له بل لعدة رسائل لتوفي الموضوع المهم الذي تحدثت فيه.

فتحدث في مبحث تمهيدي عام عن فضيلة العلم, فذكر الآيات والأحاديث الدالة على فضل العلم والعلماء وشرف المنسبين له على غيرهم ثم تحدث عن ضرورة إبراز العلم والإعلام به لتعم فائدته للناس, وهذا مبحث تمهيدي تقليدي وضروري للولوج في بحثه وانطلق من قوله تعالى "وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ".

ثم بدأ في تمهيد أكثر تخصصا في المبحث الثاني عن إدارة الملك وحسن التصرف في سياساته , فتحدث التقسيم الوظيفي والتوزيع الإداري في حياة سيدينا سليمان مع جنوده انطلاقا من قوله تعالى: "وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ".

ثم تحدث عن دور المستشارين وأثرهم في القيادة الحكيمة لبناء الدولة الحضارية فالمستشار مؤتمن وذلك من خلال النملة التي قامت على شأن أخواتها وأشارت عليهم بعدم التعرض لطريق جيش سليمان "حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ".

ثم تحدث على أن غاية الملك والقيادة الصلاح والإصلاح، وأن ضبط المصالح والتفقد الدائم لشؤون الرعية من مهام الملك وذلك من رد سليمان عليه السلام بعد سماع النملة في قوله تعالى "فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ".

ثم تحدث في المبحث الثالث عن أخلاقيات الحوار وأدبياته وذلك من خلال الحوار الذي دار مع سليمان عليه السلام في مواقفه مع الهدهد ومع جنوده فبين هيبة الجند من قائدهم وبين حزم وحسم سليمان مع المقصرين من جنوده وبين حسن تخلص الجندي من تبعات الموقف وآثاره وتحدث عن أصول الإعلام وحسن صياغة الخبر وإلقائه وتصرف سليمان من تثبته من صحة الخبر وتدقيقه في مضمونه قبل اتخاذ المواقف.

ثم ذكر في المبحث الرابع أهمية وخطورة نظام المراسلات والمخاطبات في الدولة الإسلامية الحضارية, فتحدث عن احترام المخاطبات والحفاظ على سريتها "اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ", واتخاذ مجلس شورى للحكم ومن يمكنهم المعاونة في المهام الخاصة "قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ" وتغليب منطق الحكمة على منطق القوة من سمة الملوك "قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ".

ثم تحدث في المبحث الخامس عن قيمة الثبات على المبدأ والاتزان في الموقف وذلك برفض المال والهدية التي تحيد بالمسلم عن هدفه وغايته وان المسلم يستعلي على كل زخارف الدنيا فما عند الله خير وابقى "فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ".

المبحث السادس: القوة العلمية وبناء العمران والملامح الحضارية فيهما وبين ان الدول والممالك تحتاج للعلم حتى في مواجهتها لأعدائها وان الغلبة غالبيا – بعد اذن الله سبحانه للاكثر علما المصحوب بتقوى الله وذلك من خلال الصرح الذي بناه سليمان لملكة سبأ "قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ".

ثم ختم البحث بخاتمة ظهر فيها أبرز نتائج الدراسة التي أبرزت:

أولا: أظهرت قيما اجتماعية تمثلت في:

- الاحترام وحسن الوفادة، وأسلوب التخاطب، وحسن العرض والجواب.

- الاعتذار، ورفع المسؤولية عن غير العامد.

- اختيار الأفضل والأحسن أداء والأكثر أمانة ودّقة.

- نظام التعاون، والانتماء للأرض، والإخاء، والحفاظ على المصلحة العامة.

ثانيا: أظهرت قيما دينية تمثلت في:

- قيمة التوحيد الذي ننطلق منه في كل تعاملاتنا، وبيان أن الكفر يهدم دعائم الممالك، وأن الشكر يديم الممالك، ويديم العلم.

- العلم مرتبط بالإيمان، وموصلٌ إليه.

ثالثا: أظهرت قيما وملامح سياسية وعسكرية تمثلت في:

- نظام التشاور في أخذ القرارات، وإشراك المسئولين في تحمل المسؤولية.

- التسلسل في أخذ القرارات في مجلس الحكم.

- تقويم الرأي المندفع –نتيجة القوة والشجاعة الزائدة- بمراعاة الحكمة والمنطق في فهم الأمور، والنظر إلى حماية العمران وبناء البلدان.

- الإفادة من التجارب السابقة، والتبصرة بشؤون الحروب، وتوظيف الخبرة السياسية في نظم الحضارات.

- توزيع المهام والوظائف على الرعية.

- الدبلوماسية ذات أثر مهم في التعاملات الدولية، والثبات على المبدأ من القيم السياسية التي عرضت لها القصة القرآنية موضع البحث.

- نظام المراسلة، وأنظمة البريد من السبل والدعائم للاتصال بين الشعوب.

رابعا: أظهرت قيما إعلامية تمثلت في:

- النبأ لا بد أن يكون ذا هدف، ويحتاج إلى أسلوب في بثه ونقله، حيث تراعى فيه المصداقية والإفادة.

- التأكد من صحة الخبر، وإخضاعه للعقل والتحليل، وإدارته في الذهن؛ بحسب حجم الخبر وخطورته وعدم أخذ القرار إلا بعد التريث والتأكد من حيثيات الخبر وما ينطوي عليه.

خامسا: أظهرت قيما مادية تمثلت في:

- الإعداد الصحيح، وحسن التدريب من عناصر القوة لدى الأمم، والاستعداد لمواجهة المخاطر في كل حين.

- القوة الاقتصادية والتكامل الاقتصادي، من العناصر المهمة في مقدرات البلاد ومقوماتها.

- لا بد من استثمار العلم في البناء، واختيار الأفضل للعمل والبناء.

سادسا: البناء ليس للبذخ بدليل ربطه بالشكر؛ لأن المدني الصحيحة هي التي تقوم على شكر الله –تعالى-.

سابعا : أظهرت قيما وملامح علمية تمثلت في:

- العلم قيمة وأساس، وهو أساس التفوق والنهوض.

- تعريف الناس بقيمة العلم وإظهاره، وأن فضل العلم ورفعة العلماء، مرده إلى الله سبحانه.

وأخيرا نسال الله أن يجزي صاحب هذا البحث خير الجزاء وان يتقبله منه, ونوصي الخطباء الفضلاء وأصحاب الفضيلة من العلماء والشيوخ وطلبة العلم بنقل هذا البحث المليء بالعلم والحكمة في تدبر القرآن الكريم لطلبة العلم ولعموم الناس لعظم فائدته, كما ندعو الباحث الكريم –وغيره من الباحثين الكرام- للاستفاضة في بيان الدروس المستفادة من هذه القصة وغيرها من قصص القران الكريم.

لتحميل هذه الدراسة انقر هنا:

 
 
   Bookmark and Share      
  
 القيم الحضارية في قصة سيدنا سليمان مع ملكة سبأ

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7