الأحد 10 نوفمبر 2013

معروف أن أمر المؤمن كله خير، وذلك كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أصابه خير شكر فنال الجزاء، وإن أصابه شر صبر فنال الجزاء.

ثم إنه من وراء شكره وصبره، يعمل عقله وبصيرته فى ذلك الذى ناله، فيتعلم منه، فإن كان خيرا أبصر الأسباب التى أدت إليه فزاد منها وحسَّنها، وإن كان شرا احترز مما ساقه إليه، فلا يقبل المؤمن أن يلدغ من جحر مرتين كما قال النبى صلى الله عليه وسلم.

ويتبين هنا أن ما نتعلمه من ضرائنا وشدتنا أعظم قدرا وأبلغ أثرا مما نتعلمه من نعمائنا ومسرتنا.

وكما قال الشاعر:

جزى الله الشدائد كل خير  تعلمنى عدوى من صديقى

وإننا فى هذا الانقلاب المشئوم قد تعلمنا الكثير والكثير، صحيح أن هذا الانقلاب قد علمنا ما علمنا إياه بشىء من القسوة، لكن أشد ما يثبت فى الأذهان هو ما يكون بمثل هذه القسوة، وخصوصا إذا ما سُطر لنا مكتوب هذا العلم بمداد من دمائنا.

وهاكم البعض مما علَّمنا إياه الانقلاب وأكد عليه:

 - الإسلاميون جسد واحد، غاية واحدة وعدو واحد:

يأتى هذا الانقلاب ليؤكد لنا على حقيقة مهمة طالما أغفلناها وزايد عليها المزايدون، وطمسها وغبش عليها الطامسون المغبشون. هذه الحقيقية هى حقيقة أن الإسلاميين كلهم فى النهاية واحد.

فالاختلافات بين فصائل العمل الإسلامى كلها اختلافات هامشية، أما عن صلب المنهج والتوجه والمنهل، فهو واحد بلا شك.

الكل تحت راية واحدة فى النهاية هى راية (المسلمين) التى قال الله عنها (هو سماكم المسلمين). ثم إنهم بعد ذلك اجتمعوا تحت الراية الخاصة، راية (أهل السنة والجماعة)، وهى راية خاصة لكنها تجمع عموم المسلمين فى أصقاع الأرض كلها إلا من بعض الفرق الخارجة عنها، وهم القليل النادر من أمثال الشيعة وغيرهم.

ثم كانوا بعد ذلك تحت الراية الأكثر خصوصية، وهى راية (الإسلاميين). ونقصد بالإسلاميين أولئك المسلمين الذين آمنوا بشريعة الإسلام شريعة حاكمة، وأوقفوا حياتهم كلها من أجل نشر هذه الشريعة بين جموع المسلمين، والمناداة بعودتها واقعا قائما حاكما فى دنيا الناس.

هؤلاء هم الإسلاميون، وهذه هى حقيقة وحدتهم، وقد جاء الانقلاب ليؤكد على ذلك، فيجعلهم يصطفون جميعا فى خندق واحد أمام عدو واحد.

أما أولئك الذين خرجوا عن هذا الخندق وهذا الاصطفاف ممن كان يظن أنهم من الإسلاميين، تأكد أنهم ليسوا منهم فى الحقيقة، وإنما هم من عدوهم، أولئك الحاقدون الخائنون العملاء.

- تسقط الليبرالية والليبراليون:

الليبرالية كمذهب اجتماعى وسياسى من أعظم المناهج التى توصل إليها العقل البشرى، وذلك بالطبع فيما ذهب إليه هذا العقل بعيدا عن الوحى الإلهى المتنزل على الأنبياء والرسل. وفى الوحى الإلهى الغناء والكفاء عن أى مذهب بشرى آخر  وذلك مهما بلغ فى إحكامه وتوازنه.

لكن الليبرالية كما قلنا مذهب بشرى معجب، وقد كتبت قبل ذلك تحت عنوان (من الليبرالية والليبراليين تعلمنا وتعلمنا)، وهوجمت من إخوانى الإسلاميين كثيرا بسبب هذا العنوان، غير أنى أكدت على أن الليبرالية لها وعليها، وأن ما لها يجب أن نتعلم منه، وإن كانت مميزاتها موجودة فى المنهج الإسلامى ابتداء، إلا أن ذلك لا يمنع أن تشير هى علينا بما أغفلناه أو تناسيناه فى منهجنا، والحكمة ضالة المؤمن.

غير أنى بعد ذلك، ولما رأيت الممارسات اللاإنسانية واللاأخلاقية واللاليبرالية من الليبراليين الذين يدّعونها، كتبت تحت عنوان (تحيا الليبرالية ويسقط الليبراليون)، وذهبت إلى التأكيد على وجه الليبرالية الجميل فى كثير من ملامحه، على الرغم من سوء ممارسة الليبراليين وادعائهم الكاذب.

أما بعد الانقلاب وموقف الليبراليين منه، فإنى أهتف (تسقط الليبرالية ويسقط الليبراليون). فإن كان الحق لا يُعرَف بالرجال، والرجال هم الذين يُعرَفون بالحق، فإن هذا لا ينفى أننا نحتاج فى معرفتنا بهذا الحق لرجال يحملونه ويعرفوننا به.

وبالتالى فليسقط أى حق، إن كان كل من يحملونه أهل زيف ودنس، ولتسقط الليبرالية، ومعها أهلها الليبراليون، ما داموا كلهم على هذه الشاكلة من الزيف والادعاء.

- انتهى زمن المداهنة:

المتابع للخطاب الإسلامى فى مقابلة الخطاب العلمانى يستغرب ويدهش من هذه الصورة المقلوبة. فالخطاب الإسلامى هو المدافع دائما، الذى يحاول جاهدا أن يزيل التهم والافتراءات التى يرميه بها الخطاب العلمانى. فتظهر الصورة: علمانية تهاجم وتتهم، وإسلامية تدافع وتنفى، بل ويبلغ الأمر إلى حد يقترب من الاسترضاء والمداهنة. وتجد فى إطار ذلك مجالسة ومخالطة ومشاركة لأهل الفسوق والتحلل، تحت ادعاء عدم إخافتهم من المشروع الإسلامى، ومحاولة السير بهم تدريجيا إلى الغاية والهدف.

جاء الانقلاب وأكد لنا ما كنا أغفلناه، وهو أن العلمانية لن تعايش الإسلامية أبدا، فعدوها الأول والآخر هو هذه الإسلامية بما فيها من قيود على غيِّها الطائش المنفلت. ومهما بالغنا فى محاولة إفهام هؤلاء ومحاولة استرضائهم فلن يكون، سيظلون فى كرهنا وعداوتنا وحربنا ما أمكن.

ولذلك فإنه لما كان هذا الانقلاب، رأينا اصطفاف العلمانيين وأهل الفسق والمجون والخلاعة فى صف الانقلاب سريعا بكل ما استطاعوا من قوة.

يجب أن نتعلم من بعد هذا الانقلاب أن يكون توضيحنا الدائم لمنهجنا الإسلامى لعموم الناس بمذاهبهم ومشاربهم المختلفة، فى غير مداهنة ولا تميُّع، مع التأكيد على المفاصلة التى لا بد أن تكون بيننا وبينهم أبدا.

- إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن:

الناظر فى هذا الانقلاب يرى أن الناس ليسوا جميعا معنا فى معركتنا ضده، فهناك الكثير من الناس مع الانقلاب والعسكر. صحيح أن الأغلبية مع عودة الشرعية ودحض هذا الانقلاب الغاشم، إلا أن من هم معه ليسوا قليلين على كل حال.

وهذا يؤكد لنا على أن معركتنا فى إيصال شريعة الله إلى منصة الحكم، وعدم الركون إلى فكرة إصلاح الناس فقط إلى أن يتأهلوا، هى معركة فى غاية الأهمية وغاية الإلحاح.

فإننا وقد قاربنا القرن فى معركة الإصلاح وتأهيل الناس هذه، نرى الكثير والكثير منهم مع أعدائنا، لا يبالون بدمائنا، بل ويشمتون فينا، مغنين للقاتل الذى سفحها.

إن الناس حقا - كما قيل - على دين ملوكهم، فكل هؤلاء الذين يقفون ضدنا، هم أولئك الذين عاشوا مع النظام الساقط طيلة أكثر من خمسين عاما وكانوا على دينه، فحاربونا فى توجهنا ودعوتنا، ووقفوا ضدنا فى ثورة الخامس والعشرين من يناير، ثم وقفوا مهللين للانقلاب علينا فى الثلاثين من يونيو، وذلك على الرغم من أننا طيلة عمر دعوتنا قد بالغنا فى محاولات إفهامهم وتعليمهم، ليعرفوا حقيقة ما نرنو إليه من سعادتهم فى الدنيا والآخرة.

كنا نرشدهم إلى مرادنا بهداية السنة والقرآن، فيسوقهم الحاكم إلى مراده بسياط القوة والسلطان!! لذا لا بد أن تستمر معركتنا من أجل عودة شرعيتنا طريقا لشريعتنا.

عماد غانم

 
 
   Bookmark and Share      
  
  تعلمنا من هذا الانقلاب

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7