الإثنين 11 نوفمبر 2013

كثيرا ما ترددت جملة (هو طيب ولكنه ضعيف) وصفا للرئيس الدكتور محمد مرسى وهو يؤدى رسالته رئيسا للدولة.

وقد نتفق أو نختلف فى تقييمنا لأدائه الرئاسى بالضعف أو القوة، وقد يفتقر هذا التقييم إلى المعلومة الصادقة والحقيقة الكاملة لدى البعض، وقد ينقصه الإنصاف والموضوعية عند البعض الآخر.

والحقيقة فى حياتنا المعاصرة عزيزة، وغالبا ما يثار حولها الغبار فى الإعلام، ويعتم عليها بالشائعات حتى لا يهتدى الناس إليها ولا يكتشفوا كنهها، فيجتهد الناس فى التحليل والتكهن ويتلمسون الطريق للوصول إلى معرفتها وفهمها فيصيب البعض ويخطئ الآخر. وتمضى بنا الأيام وتتعاقب الأحداث لنكتشف أن الزمن كان عاملا مهما لكشف الحقيقة ومعرفة معادن الرجال وتقييمهم.

ولكى يكون التقييم - بالضعف أو القوة - صحيحا فلنتساءل ما هو مفهوم القوة؟ ومن هو القوى؟

هل القوى هو الذى يجعجع ويرفع صوته ويخطب خطبا رنانة ويصرح تصريحات عنترية، لا تعكس حجمه ولا واقعه؟ أم هو الذى لا يحكمه دين ولا خلق ولا ضمير فيقتل ويدمر ويكذب ويظلم ويفسد، فيظن الناس أن هذه علامات القوة، ويصفق البعض لمن يفعل ذلك مرددا: تسلم الأيادى؟!

أم هو الذى يأخذ الناس بالشبهة، ويلفق الاتهامات للبرآء، ويكمم الأفواه، ويقيد الحريات، ويفسد على من يطاوعونه ويؤيدونه دنياهم ودينهم وآخرتهم؟ أم هو الذى يجيد الغدر والخيانة، ويحسن المكر والخداع؟!

أم هو الذى يصنع له الإعلام وحملة المباخر وماسحو الجوخ هالة من اللاشىء، وأسطورة من العدم، وصنما من العجوة؟!

أم هو الذى يستتر وراء بروباجاندا مكذوبة تختلقها له أجهزته الخاصة فتزيف الحقائق وتزور الوقائع، وتصوره على أنه الإله الذى يعبد من دون الله فى وقاحة تفصح عن وجهها القبيح بلا خجل، وتذهب بعيدا لتقول له: ما شئت لا ما شاءت الأقدار.. فاحكم فأنت الواحد القهار؟!!

أم هو الذى يستر ضعفه ويتظاهر بالقوة من وراء حصن أو دبابة أو من فوق طائرة؟!.

إن القوة هى القدرة على مغالبة الصعاب فى صمت، وتحمل معاناة الأمانة فى رجولة ومسئولية.

القوة هى الاعتراف بالخطأ إذا وقع والعمل على تصحيحه بعد الوقوع.

القوة هى القدرة على فهم الواقع وحجم التحديات والمخاطر والتعامل معها بحكمة وحذر.

القوة هى عدم الرضوخ لإملاءات الغرب والشرق والانحياز لإرادة الشعب واستقلال القرار وتحقيق السيادة مهما كان الثمن.

القوة هى الثبات على المبدأ وتقديم النفس رخيصة فى سبيل إرساء القيم والمثل.

القوة هى رفض إعطاء الدنية من النفس، ومجالدة الأقوياء فى إباء، ورحمة الضعفاء فى تواضع.

وقد اجتمعت القوة بكل معانيها السابقة فى الرئيس الدكتور محمد مرسى الذى وسمه البعض يوما ما بالرئيس الضعيف ثم اعتذر عن ذلك حين وقف على الحقيقة.

وإن رجلا يُهدَّد ويُختطَف ويُنفَى فى مكان غير معلوم وتُقطَع صلته بالعالم الخارجى، ويُعزَل عن الواقع بعيدا عن الأهل والأنصار والمؤيدين، ويمكث طيلة أربعة أشهر يُساوَم ويُرغَّب ويُرهَّب لكى يقول كلمة اعتراف بالانقلاب أو التنحى أو تفويض سلطاته، فيأبى أن يذل أو يهون، إن رجلا بهذا الوصف لهو عنترة هذا الزمان.

إن رجلا يجابه قوى الاستكبار العالمى وأذنابه بمكرهم وحيلهم ودهائهم فى شموخ وعزة وصمود ويقابلهم بكلمة: لا.. لا لن نعطى الدنية من أنفسنا ولا من أوطاننا.. وينازلهم وحيدا أعزل إلا من الإيمان بخالقه، مستصحبا نية الشهادة فى سبيل الله لهو أقوى من هذه القوى مجتمعة.

إن رجلا يمضى إلى الله متمثلا قول سلفه من العلماء والقادة الربانيين: ماذا يصنع أعدائى بى؟ إن سجنونى فسجنى خلوة، وإن قتلونى فقتلى شهادة، إن رجلا كهذا لقوى.

إن رجلا يقف أمام أعضاء هيئة محكمة تحاكمه ليقول لهم: أنا الرئيس الشرعى وأنتم وما تفعلونه باطل، غير هياب ولا متردد لهو قوى وليس بضعيف.

لقد كان عثمان بن عفان أقوى من قاتليه حين أرادوا منه أن ينخلع عن الإمارة والرئاسة أو يقتلوه، وهو يقول لهم: لا أنزع قميصا قمصنى الله إياه.

وكان سعيد بن جبير أقوى من الحجاج وهو يهدده لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى! فقال سعيد: لو أعلم أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهاً.

وكان سيد قطب أقوى من هيئة المحكمة التى حكمت عليه بالإعدام، فقال حين سمع حكم الإعدام: الحمد لله، لقد عملتُ خمسة عشر عاماً لنيل الشهادة. وعندما طُلب منه الاعتذار مقابل إطلاق سراحه، قال: لن أعتذر عن العمل مع الله.

لقد مضى القاتل والمقتول، والظالم والمظلوم، وعند الله تجتمع الخصوم.

أما والله إن الظلم شؤم وما زال المسىء هو الظلوم

إلى ديَّان يوم الدين نمضى وعند الله تجتمع الخصوم

(إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [سورة ق: الآية 37].

__________________

مدير مكتب الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين بالقاهرة

د. فتحى أبو الورد

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الرئيس الضعيف!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7