الأربعاء 13 نوفمبر 2013

 أتظن أنك ستحفر حفرة لأخيك وتعمقها، ثم تقف مستمتعا لتراه وهو يتردى فيها، وأن لا أحد يراك، (أيحسب أن لم يره أحد)؟

أتحسب أن ستمكر بالناس وأنت فى مأمن، لكن (الله خير الماكرين)؟ وتكيد لهم والله من وراء كيدك محيط، يمهل الظالمين رويدا حتى إذا أخذهم لم يفلتهم؟

أتقول عن النعمة التى أنعم الله بها عليك ما قال صاحب الجنة الهالكة: (وما أظن أن تبيد هذه أبدا . وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيرا منها منقلبا)؟ فاحذر يا هذا أن يحاط بثمرك.

أتخال نفسك "النمرود" تقتل هذا وتطلق هذا وتقول: (أنا أحيى وأميت)؟! فوالله ثم والله، ما عجز الله عن نمرود الماضى، ولن يعجزه نماريد العصر، ونبشركم بجزاء كجزائه، وموتة كموتته.

قد يكون الشعب الذى تآمرتم عليه أفقر منكم مالا، وأضعف حالا، وأقل قوة، وأضيق حيلة، ولكن الأيام دول، و(البر لا يبلى، والإثم لا ينسى، والديان لا يموت، فكن كما شئت كما تدين تدان)، والملائكة تدوِّن وتسجل، ويوم الحساب تُسأل عن النقير والقطمير، وإله السماوات والأرض لا يحب الظلم ولا يرضاه، حرَّمه على نفسه، وسيحاسب الظالمين أشد الحساب.

ثيابكم ليست بيضاء ولا طاهرة كما تبدو، وإنما هى حمراء ملطخة بدماء الأبرياء الذين قتلتموهم وظاهرتم على قتلهم، سوداء كالحقد الذى يملأ قلوبكم، وكصحائف أعمالكم التى تخلو من الحسنات، ونجسة لا تطهرها بحار الأرض، ولكن تطهرها النار التى وقودها الناس والحجارة، التى أعدها الله للظالمين من أمثالكم.

من زمن بعيد وأنتم مع الظالم ضد المظلوم، ومع القاتل ضد المقتول، ومع الجلاد ضد الضحية، وقامت الثورة وانتصر الحق على الباطل، والعدل على الظلم، والهدى على الضلال، وقلتم كذبا: نحن مع الشعب. ولا والله ما كنتم يوما مع هذا الشعب، ولا مع أى شعب. وقال الشعب المسكين: (عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه). وعدتم فخافوا انتقام العزيز ذي الانتقام.

لم تمارسوا القتل بأيديكم نعم، ولكنكم استأجرتم أخساء أمثالكم، وهششتم لهم وبششتم، وأغدقتم عليهم الأموال، وأجزلتم لهم العطاء، وأشرفتم على تنفيذهم لخططكم، وأنتم وهم شركاء، تصيبكم لعنة جرائمكم، وتحاسبون على ما فعلوا وفعلتم أمام شعوبكم فى الدنيا، وأمام الله والخلق أجمعين يوم القيامة.

أتخافون قوة مصر لأنكم ضعفاء؟ وتخافون عزتها لأنكم أذلاء؟ وتخافون حريتها لأنكم عبيد؟ وقد قلنا لكم: إن قوتها وعزتها وحريتها قوة وعزة وحرية لكم، ولكن أنى لكم أن تفهموا؟

إما أنكم نسيتم الماضى القريب، حين كانت يد مصر هى العليا ويدكم هى السفلى، حين كان الغذاء والكساء والتعليم والدواء يأتيكم من الشعب المصرى، حين كنتم تعانون حرمانا لا يلطفه إلا العطايا القادمة من القاهرة، وإما أنكم تعانون ألما نفسيا جراء هذا، وإما أنكم لا تريدون لهذه الأيام أن تتكرر، ولكن كائنا من كنتم لن تصمدوا أمام الريح، ولن توقفوا عجلة التاريخ.

طمَّأناكم وسكنَّاكم: لا تراعوا فالثورة المصرية صناعة محلية للاكتفاء الذاتى وليست للتصدير الخارجى. ولكن الخائف الرعديد يخاف الأسد وبينه وبينه الفيافى والقفار.

الكل يعرف أنكم لا تحاربوننا فقط لكرهكم للحرية وما يصاحبها، ولكنكم تخوضون معركة استباقية فى أراضينا بدلا من أن تخوضوها على أراضيكم من قريب، ولكن أمر الله نافذ.

كنا نقرأ أن الأميرة بنت الأمراء، الحرقة بنت النعمان استأذنت فى الدخول على سعد بن أبى وقاص، بعد القادسية، وكانت فى حياة أبيها إذا خرجت خرج معها مائتا جارية، يفرشن لها الديباج، ويسترنها بمطارف الخز. فأذن لها سعد، فدخلت امرأة متضائلة. فقال لها سعد: أنت حرقة؟

قالت: نعم. فكرر عليها ثلاثًا. فقالت: وما الذى يعجبك من أمرى يا سعد؟ كنا ملوك هذا المصر يجبى إلينا خراجه، ويطيعنا أهله، أيام المدة والدولة؛ فلما حل القدر، وأدبر الأمر، صاح بنا صائح الدهر؛ ففرق شملنا، وصدع عصانا، وسلبنا ملكنا. وكذلك الدهر يا سعد ليس يأتى قومًا بحبرة، إلا وأعقبه عبرة. وأنشأت تقول:

فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيه سوقة نتنصف

فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف

ظننا هذه الوقائع وأمثالها قُبرت فى كتب الأدب والتاريخ، فتلك أيام دالت، وقصص بادت، ولكن أبى القدر إلا أن يعيدها جذعة، فاعتبروا بالأوائل إن كنتم تعقلون، أو اعتبروا بأصدقائكم إن كنتم معتبرين، وإلا فستكونون عبرة لمن يعتبر.
وليد أبو النجا

 
 
   Bookmark and Share      
  
 من حفر حفرة لأخيه وقع فيها

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7