الثلاثاء 19 نوفمبر 2013

الكثير من الأسئلة باتت مطروحة بعد الانقلاب العسكرى على العملية الدستورية والديمقراطية فى مصر، حول السياسة الخارجية للدولة بعد عقود من موالاة الغرب وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها فى الشرق الأوسط "إسرائيل".

فمصر منذ أواخر عهد الرئيس الراحل أنور السادات اعتبرت أن أوراق اللعبة السياسية فى المنطقة مع أمريكا، واستمرت الحال طوال سنوات حكم حسنى مبارك؛ حيث أصبحت مصر شبه مجمدة دوليا، على مستوى الفعل السياسى، ولا دور لها إلا فى حدود المسموح والمرسوم لها دوليا من قبل القوى الكبرى.

وبعد فترة التراجع وانحسار الدور المصرى وانعدامه تقريبا فى أى ملف خارجى حتى بالنسبة للقضية الفلسطينية التى تعد مصر طرفا أساسيا فيها بحكم عوامل عدة. جاءت ثورة يناير لتفتح الباب على مصراعيه أمام دور جديد للدولة المصرية؛ حيث اختلفت النظرة إلى هذه الدولة، بالضروة، إلى ما يمكن أن تمثله خلال الفترة التى ستعقب ثورتها، وتطلع شعبها لرسم سياسات تتوافق مع مزاجه، لا مزاج القوى الكبرى المسيطرة على نخبته الحاكمة بكل صنوفها.

ورغم غياب سياسة خارجية واضحة فى عهد المجلس العسكرى الذى حكم مصر بعد إزاحة مبارك، لكونها فترة مؤقتة ومتوقعة نتيجة مرور البلاد بمرحلة انتقالية، وغياب الرؤية أو فقدانها لدى المجلس العسكرى، إما بسبب انتماء أعضائه جميعا لنظام مبارك وتأثرهم به، أو إحساسهم واعترافهم بأن وجودهم مؤقت وأنهم سيتركون الحكم لنظام جديد ديمقراطى يتواكب مع تطلعات الشعب المصرى.

وفى العام الأول للرئيس محمد مرسى من مدته الرئاسية، بدأت تتبلور السياسية الخارجية للدولة المصرية وفقا لتوجهات الرئيس المنتخب؛ حيث كان أساس هذه السياسة هو الاستقلال الوطنى والانفتاح على جميع الدول وعدم الدخول تحت عباءة دول كبرى. وكان توجه الدولة والحكومة هو تحقيق الاعتماد على النفس فى مجالات عدة أهمها الغذاء والسلاح والدواء، وهو ما بدأ يحدث بالفعل حتى ولو لم يكن بالمستوى المطلوب أو الانتشار الإعلامى الواجب لتغطية مثل هذه القضايا القومية- فى ظل إعلام معادٍ للديمقراطية وممول من دول وقوى خارجية.

اتسام سياسة الرئيس مرسى الخارجية بالاستقلال والعمل للمصلحة الوطنية، والاتساق مع الشعب وتطلعاته ومزاجه العام، وتأكيده فى أكثر من موقف على استقلال مصر وعدم خضوعها أو استمالتها لأى أطراف أو صراعات لا ناقة فيها ولا جمل، وتصريحاته التى مثلت بداية قوية للتأكيد على الهوية المصرية مثل تلك التى رددها فى إيران عندما ترضى على الصحابة، أو تلك التى قالها فى الأمم المتحدة عندما أعلن أننا -أى المصريين- نعادى من يعادى النبى محمد صلى الله عليه وسلم.

كما تمثل ذلك فى مواقفه الرافضة للعدوان الفرنسى على مالى بزعم وجود تهديدات إرهابية من جماعات مسلحة فيها تجاه فرنسا، إضافة لتعامله مع الثورة السورية من منطلق مسئول، لا هو عنترى أهوج ولا هو خيانى للشعب المقموع منذ سنوات. على عكس تعامل بعض الدول والأنظمة العربية التى ما زالت ترزح تحت أنظمة حكم طاغية ومستبدة، تجاه القضية نفسها.

كما كان لتطلع الرئيس مرسى إلى أن تكون مصر دولة ذات سيادة لا تتبع حلف أو قوة دولية، واتجاهه خارجيا تجاه دول آخذة فى النمو ووضع مصر فى سياق دولى جديد، أن يجعل كثيرا من الأطراف الإقليمية والدولية تشعر بالقلق، فالنظام الدولى لا يحتمل وجود قوة سنية جديدة مع تركيا، خاصة أن التيار الذى يحكمها مقارب فكريا وإلى حد كبير، أو لديه بصوة من الصور ارتباطات مع جماعة الإخوان المسلمين التى تحكم مصر، وهى جماعة تقلق كثيرا من القوى الدولية، بسبب عدم توقف مشروعها على الحدود السياسية لدولة معينة وإنما لعبوره الحدود والقوميات ويقوم بالأساس على رابطة الدين.

كل هذه العوامل جعلت من الضرورى إزاحة النظام الناشئ فى مصر خوفا من وجود تهديد حقيقى على الكيان الإسرائيلى فى المنظقة؛ إذ لا يحتمل أن تكون الدولة الكبرى المجاوة لاسرائيل، ذات تهديد مباشر أو حتى محتمل للدولة العبرية، بعد وجود استمر عقودا وسط شعوب كارهة لوجودها فى المنطقة، وتطالب بحقوقها فى أرض فلسطين المحتلة، إلا أن هذه الشعوب ورغباتها محكومة دوما بطبقة من العملاء المباشرين لإسرائيل وموالين بالضرورة للولايات المتحدة.

ولما كانت الديمقراطية الحقيقية بالضرورة لن تأتى على هوى أى من هذه الأطراف والقوى الخارجية، فكان لا بد من تحريك عملائها فى الداخل للاستيلاء على الحكم، وإعادة مصر إلى السياسية غير معروفة الملامح عديمة الجدوى خارجيا، والتى تدور دائما فى فلك الولايات المتحدة وإسرائيل، فما كان منها إلا أن أمرت قادة الجيش بالانقلاب على الرئيس المنتخب وإرادة الشعب المصرى، ومحاولة تجميل المظهر بمسرحية أعدت سلفا منذ فوز الرئيس مرسى للإطاحة به.

وما يثير الشفقة والاشمئزاز من النظام الانقلابى الخيانى، إقدامه على سياسات خارجية ضد مصر ومصالحها، خاصة أنه لم يحظ بالاعتراف العالمى المقبول حتى الآن رغم قيامه بجهود غير مسبوقة للتسويق لصورته وطريقة اغتصاب السلطة من الشعب المصرى.

هذه السياسات تمثلت فى تقديم تنازلات أمنية غير مسبوقة لصالح إسرائيل فى سيناء والسماح بدخول طائرات تابعة لها لشن غارات على مجاهدين، وحصار قطاع غزة حصارا محكما وتدمير الأنفاق التى كانت تعوض نقص الأدوات المعيشية لسكان القطاع. والاعتماد على شركات إسرائيلية لتقديم الدعم الأمنى لهئية قناة السويس، وأخرى لتسويق الانقلاب فى الولايات المتحدة.

ومن هذه التنازلات أيضا تأكيد رئيس وزراء حكومة الانقلاب، أن سد النهضة الذى تبنيه إثيوبيا على نهر النيل لصالح مصر فى تناقض واضح مع الحملة التى شنها الإعلام بالتعاون مع سياسيين -من جبهة الإنقاذ التى تحكم حاليا تحت غطاء الانقلاب العسكرى- ضد الرئيس مرسى ودون سبب واضح للحديث عن القضية وقتها.

وما يثير الامتعاض هو لجوء الانقلابيين إلى فكرة إخضاع الدولة إلى روسيا نكاية فى الولايات المتحدة التى يروجون، كذبا، أنها ضد الانقلاب، والتعامل مع رجل الشارع بترهات من قبيل "السيسى يحذر أوباما" أو "السيسى يهدد بنسف بارجتين أمريكيتين فى البحر المتوسط إذا جاءتا لإنقاذ الإخوان" وغيرها من الأشياء التى لا مجال لها إلا مسارح العبث، ورفع عدد من المتظاهرين صور للرئيس الروسى فلاديمير بوتين وصور أخرى له بجانب صورة قائد الانقلاب.

وكان آخر ما لحق رسميا بهذه التصرفات الشعبية العبثية، زيارة وزيرى الدفاع والخارجية الروسى للقاهرة لعقد لقاء مع نظيريهما فى حكومة الانقلاب المصرية، وترويج الإعلام الانقلابى لكون الزيارة خروج من العباءة الأمريكية وتهديد لها بعد أن جمدت جزءا من المساعدات العسكرية لمصر.

وكأن قدر مصر فى نظر هؤلاء هو الخضوع لقوة خارجية أيا كانت، نكاية فى موقف دولة أخرى، وبقدر ما يمثل ذلك التوجه بالنسبة إليهم انتصارا، فإنه فى النهاية لا يمثل شيئا ذا قيمة؛ إذ لا تعتبر روسيا دولة ذات ثقل عالمى كبير كما كان يمثل الاتحاد السوفيتى، فلم تعد روسيا فى الحقيقة قطبا مضادا للولايات المتحدة. وإنما فى الحقيقة هى دولة مثلها مثل غيرها من الدول التى تسعى لإيجاد مركز عالمى لها كالصين واليابان والبرازيل والهند، ليس أكثر ولا أقل.

وإضافة إلى عدم قدرة روسيا على تقديم الدعم الذى تقدمه الولايات المتحدة والدول الغربية، فلا هى أصبحت مصدرا للمال ولا مركزا للعلم والتكنولوجيا، ولا حتى مثالا يحتذى للحرية ولا الديمقراطية.

الواقع يقول إن النظام الانقلابى يتجه بمصر إلى سياسة خارجية تتسم بالتقوقع والانكفاء على الذات، بما يجعلها غير ذات تأثير فى محيطها الخارجى، وتكون منصاعة لقرارت وتوجهات دول كبرى بما يحفظ ويأمن وجود قادة الانقلاب وإبعادهم عن المحاكمة، لكن الواقع على الأرض غير ذلك تماما.

أحمد القاعود

 
 
   Bookmark and Share      
  
 السياسة المصرية الخارجية بين مرسى والانقلاب

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7