الثلاثاء 19 نوفمبر 2013

في إحدى قصصه، القصيرة والبديعة، يلخص الكولومبي الأكثر شهرة "غابرييل غارسيا ماركيز" حالة "العصيان المدني" في مشهد بسيط ليس فيه إلا رجلان، هما:
عمدة البلدة الريفية الصغيرة، المسؤول عن قتل 20 من أبنائها، ويطرحه "ماركيز معادلا للحكم العسكري القمعي.
معالج الأسنان غير المؤهل، البسيط والشجاع، ويمثل الاحتجاج المدني بلا ضجيج.

ويمهد ماركيز للمواجهة بين الطرفين عبر حوار بين معالج الأسنان وابنه، الذي يخبره بأن العمدة جاء طالبا خلع ضرسه، فيطلب المعالج من ابنه أن ينكر وجوده (مع علمه بأنه يسمعه) وعندما يقول له الابن إن العمدة يهدده بالقتل، يطمئن المعالج أولا على وجود مسدسه، ثم يرد بثقة: حسنا، قل له أن يدخل ويقتلني.

المعالج أيضا لديه مسدس، لكنه لا يستخدمه أبدا، وهو لا يبالي بتهديد العمدة، عارفا أن ضرسه التالف سيجعله أحرص على حياته من نفسه. 


تبدأ المواجهة مع دخول العمدة حجرة المعالج لخلع ضرسه. وفي هذه الحجرة نجد العمدة ـ ببزته الرسمية ـ ضعيفا متوسلا، تتعلق عيناه بالمعالج الذي يعامله بمنتهى الاحتقار، فهو لا ينظر إليه مطلقا، ويؤدي عمله بطريقة آلية متجاهلا وجوده من الأساس. ولا يخاطبه إلا مرتين:
الأولى: يخبره فيها ـ بصرامة ـ أنه سيخلع له الضرس من دون مخدر لوجود خراج.
• الثانية: عندما يصارح العمدة الذي يبكي ألما، وعظام ضرسه تقعقع، قائلا دون ما ضغينة, بل برفق تشوبه المرارة, إنه سوف يدفع الآن ثمن قتلى البلدة العشرين! ذلك الثمن الذي نفهم أن العمدة حاول تجنب سداده طوال خمسة أيام عجز فيها عن النوم بسبب آلام ضرسه، لكنه ظل يؤجل "مواجهة" المعالج.


الحكاية إذا أن العمدة ـ بثيابه الرسمية ـ قتل 20 من شباب البلدة الثائرين ضده، مستغلا أنه يمتلك "القوة" التي تمكنه من قتلهم، ومتصورا أنه لن يدفع الثمن، لكن: من قال هذا؟
الحقيقة أنه مقابل الأدوات (المحدودة مهما عظمت والمؤقتة مهما مكثت) التي تمتلكها السلطة ـ أية سلطة ـ فإن الشعب يمتلك أدوات أطول عمرا وأعمق أثرا، وضرس تالف واحد يمكنه أن يجبر السلطة على دفع ثمن 20 قتيلا. وإذا كانت السلطة تملك الهراوة والحذاء الثقيل ومنصة إصدار الأحكام، فإن الشعب يملك الشوارع والحقول، المدارس والمستشفيات، المصانع والورش. يملك أن يقتل السلطة ظمأ وجوعا، يقتلها كلها بينما هي لا تملك إلا قتل بعضه، بمعدل يظل قليلا مهما زاد العدد.


ونعود إلى قصة "ماركيز" التي يختمها بمشهد منح فيه المعالج العمدة قطعة قماش نظيفة ليمسح دموعه (في ملمح إنساني) أما العمدة فغادر وعند الباب قال: ابعث الفاتورة.
وسأله المعالج: لك, أو لمكتب الحكومة؟
فلم ينظر إليه العمدة, بل قال وهو يغلق الباب: هذا وذاك سيان, لعنة الله!
هذا وذاك سيان، ما يعني أن ميزانية المنزل مفتوحة على ميزانية مكتب الحكومة. العمدة إذا لص، والسلطة القمعية هي سلطة فاسدة بالضرورة، أو أن السلطة الفاسدة سلطة قمعية حتما. تقتل لتسرق، أو تسرق ثم تقتل الشهود. لكن العصيان المدني، بأدواته البسيطة، قادر على أن يذلها وأن يجعلها تدفع الثمن، وماركيز يقول لكم ـ ببساطة ـ "اخلعوا أضراسهم".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• ملحوظة: الـ5000 قتيل المشار إليهم في العنوان هم شهداء الثورة المصرية منذ وقوع الانقلاب في أرجح التقديرات.

المصدر: الجزيرة مباشر مصر
 

- See more at: http://www.elhasad.com/2013/11/5000.html#sthash.f2SzK7Vb.dpuf

في إحدى قصصه، القصيرة والبديعة، يلخص الكولومبي الأكثر شهرة "غابرييل غارسيا ماركيز" حالة "العصيان المدني" في مشهد بسيط ليس فيه إلا رجلان، هما:
عمدة البلدة الريفية الصغيرة، المسؤول عن قتل 20 من أبنائها، ويطرحه "ماركيز معادلا للحكم العسكري القمعي.
معالج الأسنان غير المؤهل، البسيط والشجاع، ويمثل الاحتجاج المدني بلا ضجيج.

ويمهد ماركيز للمواجهة بين الطرفين عبر حوار بين معالج الأسنان وابنه، الذي يخبره بأن العمدة جاء طالبا خلع ضرسه، فيطلب المعالج من ابنه أن ينكر وجوده (مع علمه بأنه يسمعه) وعندما يقول له الابن إن العمدة يهدده بالقتل، يطمئن المعالج أولا على وجود مسدسه، ثم يرد بثقة: حسنا، قل له أن يدخل ويقتلني.

المعالج أيضا لديه مسدس، لكنه لا يستخدمه أبدا، وهو لا يبالي بتهديد العمدة، عارفا أن ضرسه التالف سيجعله أحرص على حياته من نفسه.

تبدأ المواجهة مع دخول العمدة حجرة المعالج لخلع ضرسه. وفي هذه الحجرة نجد العمدة ـ ببزته الرسمية ـ ضعيفا متوسلا، تتعلق عيناه بالمعالج الذي يعامله بمنتهى الاحتقار، فهو لا ينظر إليه مطلقا، ويؤدي عمله بطريقة آلية متجاهلا وجوده من الأساس. ولا يخاطبه إلا مرتين:
الأولى: يخبره فيها ـ بصرامة ـ أنه سيخلع له الضرس من دون مخدر لوجود خراج.
• الثانية: عندما يصارح العمدة الذي يبكي ألما، وعظام ضرسه تقعقع، قائلا دون ما ضغينة, بل برفق تشوبه المرارة, إنه سوف يدفع الآن ثمن قتلى البلدة العشرين! ذلك الثمن الذي نفهم أن العمدة حاول تجنب سداده طوال خمسة أيام عجز فيها عن النوم بسبب آلام ضرسه، لكنه ظل يؤجل "مواجهة" المعالج.

الحكاية إذا أن العمدة ـ بثيابه الرسمية ـ قتل 20 من شباب البلدة الثائرين ضده، مستغلا أنه يمتلك "القوة" التي تمكنه من قتلهم، ومتصورا أنه لن يدفع الثمن، لكن: من قال هذا؟
الحقيقة أنه مقابل الأدوات (المحدودة مهما عظمت والمؤقتة مهما مكثت) التي تمتلكها السلطة ـ أية سلطة ـ فإن الشعب يمتلك أدوات أطول عمرا وأعمق أثرا، وضرس تالف واحد يمكنه أن يجبر السلطة على دفع ثمن 20 قتيلا. وإذا كانت السلطة تملك الهراوة والحذاء الثقيل ومنصة إصدار الأحكام، فإن الشعب يملك الشوارع والحقول، المدارس والمستشفيات، المصانع والورش. يملك أن يقتل السلطة ظمأ وجوعا، يقتلها كلها بينما هي لا تملك إلا قتل بعضه، بمعدل يظل قليلا مهما زاد العدد.

ونعود إلى قصة "ماركيز" التي يختمها بمشهد منح فيه المعالج العمدة قطعة قماش نظيفة ليمسح دموعه (في ملمح إنساني) أما العمدة فغادر وعند الباب قال: ابعث الفاتورة.
وسأله المعالج: لك, أو لمكتب الحكومة؟
فلم ينظر إليه العمدة, بل قال وهو يغلق الباب: هذا وذاك سيان, لعنة الله!
هذا وذاك سيان، ما يعني أن ميزانية المنزل مفتوحة على ميزانية مكتب الحكومة. العمدة إذا لص، والسلطة القمعية هي سلطة فاسدة بالضرورة، أو أن السلطة الفاسدة سلطة قمعية حتما. تقتل لتسرق، أو تسرق ثم تقتل الشهود. لكن العصيان المدني، بأدواته البسيطة، قادر على أن يذلها وأن يجعلها تدفع الثمن، وماركيز يقول لكم ـ ببساطة ـ "اخلعوا أضراسهم".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• ملحوظة: الـ5000 قتيل المشار إليهم في العنوان هم شهداء الثورة المصرية منذ وقوع الانقلاب في أرجح التقديرات.

المصدر: الجزيرة مباشر مصر
محمد القدوسي

 
 
   Bookmark and Share      
  
 ثمن 5000 قتيل

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7