الأربعاء 20 نوفمبر 2013

دولة المخابرات، هى دولة داخل الدولة، تديرها قلة منتقاة منزوعة الوطنية والضمير، على استعداد لارتكاب أى جرم من أجل مصالحها، رغم ادعاءاتها وطنطنتها الدائمة بأنها تعمل لصالح البلد وتذوب فى حبه، وهذه القلة فى حقيقتها عصابة شيطانية تستحل القتل وتثير الفوضى وتعشق الدماء والأشلاء. ولا مجال فى دولة المخابرات للحديث عن حقوق الإنسان أو كرامة البشر، فهذه العصابة يعتقد أفرادها أنهم لا يسئلون عما يفعلون، وأنهم من فئة من الناس خلقت لإذلال الآخرين وانتهاك آدميتهم، لذا فإنهم لا يقبلون نقدًا، ولا يسمحون لأحد -أيًا كان- أن يناقشهم فى شىء فعلوه أو يسألهم: لم فعلتم هذا أو لم لم تفعلوا هذا؟ يقتل (رجل!!) المخابرات الآخرين بدم بارد، ولا يفرق بين مواطن وعدو، فأينما تكن مصلحته فثم مجال عبثه واستهانته بأرواح وممتلكات الآخرين، غير عابئ بدين ولا بقيم ولا بأعراف يجلها الناس، كما لا يعترف بقرابة أو زمالة أو صلة رحم، ولا يحنّ كما يحن الآخرون إلى منشأ الصبا أو ذكريات الطفولة أو أيام جميلة قضاها مع آخرين. ولتلك العصابة أذرع ومؤسسات، ووسائل وهيئات، وهى لا تعدم حلا بل حلولا إذا هوجمت فى ناحية من نواحيها أو فى مؤسسة من مؤسساتها، أو إذا انكشف سر ذراع من أذرعها، فإنها تستطيع استبدال الجديد بالقديم، والذى يبدو شريفًا لدى المواطنين بغير الشريف الذى سرعان ما يتخلصون منه بطرقهم الإجرامية التى لا تعد ولا تحصى. تتحكم دولة المخابرات فى: الإعلام، رأس المال، القضاء، الشرطة، كبار موظفى الدولة، من خلال شبكة كبيرة من العملاء تحكم سيطرتها على جميع هذه المجالات، وتتم هذه السيطرة من خلال المبدأ المعروف: العصا والجزرة، فمن لم تصلحه المكافأة والترويج لشخصه ولتجارته أو مهنته، تصلحه الملاحقات و(وقف حاله)، ولو زاد فى تمرده زادوه فضيحة وتعريضًا حتى ينزوى كأنه لم يكن.

لا يؤمن رجال المخابرات بدين، ولا يعتنقون مذهبًا سوى مذهب (الغاية تبرر الوسيلة)، وهم حرب على الحركة الإسلامية وأتباعها؛ لعلمهم أن أبناءها يصعب تطويعهم ضمن دائرة عصابتهم، ولعلمهم أنه إذا وصلت هذه الحركة للحكم فإنها ستطيح بدولتهم وسوف تقضى على عصابتهم طالما بقيت فى السلطة، كما أن انتعاش الحركة فى المجتمع يعنى إفاقة أفراده من الغيبوبة التى صنعتها هذه العصابة ومن ثم تعطيل حركتهم وشل إرادتهم. نشأت دولة المخابرات أول ما نشأت فى مصر على يد العسكر، منذ انقلاب 1952، وانتعشت على يد (خالد الذكر!) الذى أضاع سيناء والسودان، والذى كان معقد النفس، شائه الفطرة، سادى النزعة، وقد وجد فى تلك الدولة تحقيقًا لرغباته الشاذة، وطموحاته الفاسدة، فأحل الحرام وحرم الحلال وأطلق يد تلامذته ينهشون فى شعبه، واستعان بإعلامه الأغبر وبأسلحته الثقيلة فى كبت كل صوت حر، وفى قتل من يعترض، وفى هتك الأعراض وتتبع العورات، واختلاق الفضائح للشرفاء، وتجريس من لم يدر فى فلكه ويردد ترهاته وخزعبلاته. وماذا أنجزت دولة المخابرات على مدى هذه العقود؟!.. أنجزت: الفقر والقحط، وضياع الأخلاق، والتخلف المزرى والجهل الفاضح، والأمراض القاتلة والوبائيات وطواعين الفيروسات.. لم تتقدم مصر خطوة واحدة، بل تراجعت آلاف الخطوات، فى جميع المجالات، رغم ما تملكه من موارد وأصول لا تملكها العديد من الدول المتحضرة، وقد ذهبت هذه الموارد إلى حسابات هذه العصابة فى الخارج يتنعم أبناؤهم وأحفادهم بها، فى حين لا يجد نصف هذا الشعب ما يسد به رمقه. ومنذ ثورة يناير 2011 وحتى الآن ونحن نسمع ونرى أصابع تلك الدولة القذرة فى شوارع مصر وميادينها، وقد سفكت الدماء وأشاعت الفوضى، وحبكت المؤامرات وقسمت الشعب، وخلقت الفتن فى كل مجال، مستعينة فى ذلك بأصحاب الضمائر الغائبة والقلوب الفاسدة، من السياسيين والإعلاميين ورجال الأعمال والشرطة والقضاء، وهى على استعداد للتمادى فى هذا الإجرام حتى تخرب مصر تمامًا -لا سمح الله- طالما أن مصالحهم دائمة ومخصصاتهم مستمرة، وهم -فى نهاية الأمر- لن يعدموا وسيلة للخروج من البلاد حال الخطر والعيش فى بلد آخر آمن بعيدًا عن بلدهم الذى خربوه.

ولعل أحداث السنة الأخيرة قد كشفت عن عمق هذه الدولة، وتغلغلها وسلطانها على أعضائها فى دوائرهم المختلفة.. وهذه الأحداث أفادت أيضًا فى تنبه المواطنين إلى خطورة ما تفعله هذه العصابة الكبيرة، عكس ما كانوا يتصورون، وعكس ما كان ينشر عنها من وطنية أعضائها وإخلاصهم ودينهم.. ولهذا فإن مصر الآن تعبر منعطفًا تاريخيًا هو أخطر ما مر بها، ستكون بعده -إن شاء الله- دولة حقيقية وليست شبه دولة، خالية من الحواة وأصحاب المصالح الخاصة وأدعياء الوطنية.

عامر شماخ

 
 
   Bookmark and Share      
  
 دولة المخابرات

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7