الخميس 21 نوفمبر 2013

اتسم التشريع الإسلامي عامة بسمات تجعله متمايزا عن كافة التشريعات السماوية السابقة – التي حرفها أصحابها– وكذلك متمايزا عن التشريعات البشرية وبسمات أيضا تجعله متميزا عليها لكونه جاء ليقوم ما بها من اعوجاج وانحراف عن المقاصد الأساسية لحاجات الإنسان التي تصلحه في دينه ودنياه.

ومن هنا جاء تشريع الميراث في الإسلام متسما بهاتين السمتين اللتين لا تنفك عنهما جزئية من جزئيات التشريع الإسلامي, فجاءت التشريعات متكاملة الجوانب شاملة لكل الناس قائمة على العدل لا تنتقص حقا لأصحاب الحقوق ولتقوم بمهمة أخرى وهي إعادة إعمار الكون بعد نهاية حياة المورث الذي ترك الدنيا وبقي ما تبقى من ثمار جهده في ماله, فجاء التشريع الإسلامي ليبدأ مع الناس مرحلة جديدة ليعمروا الكون وهي إحدى المهام الأساسية التي عهد الله إليهم بها عندما قال لملائكته الكرام "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" البقره:30.

وكان التشريع الوضعي البشري للميراث في الأمم السابقة شأنه شأن كل جهد بشري يلازمه النقص كطبيعة البشر, فلازمه محاباة أشخاص أو طائفة على حساب آخرين, وصاحبه عدم توزيع للثروات فتكدست عند أفراد قليلين وحرم منها الأكثرية, ولم تكن أموال المواريث دافعة للمجتمعات على الرقي والتقدم بل كانت معول هدم لأركانها, بينما جاء التشريع الإسلامي في الميراث مساهما في بناء المجتمعات وسبيلا لإقامة العدل في المال.

ولقد كان التشريع الإسلامي في الميراث غرضا لسهام كثيرة وجهت إليه من المتربصين للإسلام بالشر وخاصة ذلك الاتهام الذي راج كثيرا في الغرب والشرق من قبل الجمعيات التي تدعي الحفاظ على حقوق المرأة التي طالما اتهمت الإسلام –وخصوصا الميراث- بأنه هضم المرأة حقها ولم يعطها ما يوازي الذكر.

وبنظرة في المعايير التي تحكم قواعد توزيع الميراث في التشريعات غير الإسلامية ندرك البون الشاسع بين المعايير التي تحكم هذه التشريعات والمعايير التي تحكم التشريع الإسلامي في الميراث حيث أقامت الحق والعدل بين كل طبقات المجتمع.

المعايير التي تميز بها التشريع الإسلامي في الميراث عن غيره من التشريعات السماوية التي حرفت والتشريعات الوضعية القاصرة.

1- سماوية التشريع.

يمتاز التشريع الإسلامي في الميراث بأنه سماوي كامل نزلت به آيات القران الكريم مفصلا في قواعد واضحة وآيات محكمة ولم يكن الدور البشري فيها سوى تفصيلها في قوانين واضحة المعالم والقياس على أحكام نصوصها فيما كان له محلا للقياس عليها, ونتيجة لكون التشريع سماويا إلهيا بحتا لم نجد فيه تحيزا إلى طرف دون طرف ولا فئة دون فئة بل جاء تشريعا لا يحابي أحدا ولا يحجب غيره.

ولهذا لم يكن لأي مورث أدنى تصرف في ميراثه بعد موته فلم يكن له أن تكون شخصيته ممتدة لما بعد موته فيزيد في نصيب أحدهم ولا ينقص غيره بل ليس للمورث أدنى رأي في توزيع ميراثه إلا في حدود الوصية التي يشترط ألا تكون لأحد الورثة الشرعيين ولا تزيد عن الثلث, بينما كانت إرادة المورث عند الرومان القدماء [1] أساسا وشرطا لإقامة مثل هذه الشعيرة الدينية, فكان المورث –قبل موته- يحدد شخصيات الورثة وأنصبتهم بوصية يكتبها, وقد يحرم من تركته جميع أقاربه ويوصى بتركته للغرباء.

وبالتالي لم يكن هناك ميراث بالمعنى المعروف بل كان الموصى إليه سواء كان قريبا أو غريبا يقوم مقام الميت في إدارة أمواله بل وإدارة كل شئون أسرته من زوجات وأولاد وعبيد وممتلكات, وله مطلق الحرية في التصرف في المال كيفما يشاء بشرط أن توافق على تعيينه القبيلة.

وبالتالي حرم أصحاب الحقوق من حقوقهم وربما تسلط على المال رجل ليس له الحق فيه فيتملكه كله ويمنع أصحاب الحق من مال مورثهم بل كان يتسلط على كل شئون حياتهم فلا يقضون أمرا بدون موافقته فكأنهم صاروا هم وما يملكون عبيدا لهذا السيد الجديد, فلم تكن الفتيات تستطيع الزواج إلا بموافقة هذا الوصي فان شاء زوجهن وان شاء منع عنهن الزواج, فكان فيه ظلم مادي ومعنوي فادحان.

وجاء التشريع الإسلامي-نظرا لسماوية مصدره- ليثبت لأصحاب الحقوق وحدهم حقوقهم, فلم يسمح بأن يكون هوى كل مورث حكما على الميراث, ولم يسمح له أن يسلط عليهم ولا على أموالهم من خارجهم أحدا, ولم يكن فيه إلا الولاية المشروطة المراقبة بدقة على أموال القصر حتى يبلغوا رشدهم فترد إليهم أموالهم بأهلية كاملة في التصرف فيها.

2- عدالة التوزيع.

لم يكن العدل يوما بأن يتساوى كل الأقارب والأباعد في كل الميراث تساويا مطلقا مثلما كان عند المصريين القدماء.

فقد كان معيار التوريث عند الفراعنة القدماء [2] هو معيار الرشد والعقل, ولم يكن هناك توريث مِلك في الحقيقة في ذلك العهد بل كان توريث انتفاع فقط, فلم يكن هناك من فئة الأموال إلا الأراضي, ولم يكن المصري يمتلك من الأراضي شيئا بل كانت كل الأراضي ملكا للفرعون, وما المصري إلا منتفع بها فقط يزرعها ويجتني عائدها, فكان ارشد الأبناء –دون باقي إخوته- يقوم مقام الأب في زراعة الأرض والانتفاع لها, ولا حق لغيره في لك, ثم تطور الأمر بعد ذلك بعد تملك المصريين لبعض الأرض أن يقوم القسمة بالتساوي لجميع الأبناء وأبناء الأبناء والأقارب والأباعد من الأسرة بدعوى أنهم كانوا يعيشون في شركاء في أسرة واحدة فلا داعي لامتياز بعضهم عن بعض في الميراث.

ولم يكن من العدل أن يميز بعض الفئات والأشخاص ويحرم الباقين أو ينقص من أنصبتهم وهم متساوون في درجة القرابة من المورث كما فعلت الشرائع الأخرى.

فمثلا عند الأمم الشرقية القديمة [3] كان معيارهم في التوريث الذكورة والسن ثم الرشد, فكان البكر من الأبناء الذكور يقوم مقام الأب بعد موته فيتصرف في المال كيفما شاء فيكون ملكا خاصا به و ويحرم باقي الأبناء وخصوصا الأطفال والنساء جميعا, فان لم يوجد لدى الميت ولد ذكر قام أرشد الإخوة ثم الأعمام ثم الأصهار ثم باقي العشيرة.

ومن نماذج التمييز والحرمان والنقصان ما جاء في شريعة اليهود, فنجد أن أول من يرث الرجل ابنه الذكر, فان تعددت الذكور فللبكر نصيب اثنين من إخوته, ولا فرق بينهم أن يكونوا من نكاح صحيح أو من سفاح أما البنت التي لم تبلغ الثانية عشرة من عمرها فلها النفقة حتى تصل لهذه السن, فان لم يكن له أصول ولا فروع كانت أمواله مباحة لأول حائز لها وتكون عنده كوديعة لمدة ثلاث سنوات فان لم يظهر له وارث كانت ملكا لمن وضع يده عليها, والوثني الذي يتهود يرث أقاربه الوثنيين لكنهم لا يرثونه واليهودي المرتد لا يرث أقاربه اليهود.

ومثله ما جاء عن الجاهليين العرب قبل ظهور الإسلام, فلم يكن للبنات عندهم ميراث بل أحيانا كانت المرأة من جملة المال الموروث بعد وفاة الرجل, ولم يكن يورثون إلا الرجال القادرين على حمل السلاح فان مات الرجل ورثه آخوه الأكبر أو ابن عمه أو ولده إن كان كبيرا بالغا.

وحتى في العصور الحديثة فقد جاء في القانون الفرنسي في باب المواريث أن المستحقون للميراث أربعة مستويات تحجب الأعلى منها الأدنى فلا تنال الأدنى من الميراث شيئا إلا عند عدم وجود الأعلى, فيأتي في الدرجة الأولى أولاد المتوفى ذكورا وإناثا وفي الدرجة الثانية والد الميت ووالدته وإخوته وأخواته وفي الدرجة الثالثة الأعمام والخالات وأبناء العمومة وأخيرا وفي الدرجة الرابعة بقية الأقارب مع ملاحظة أن القانون الفرنسي لم يورث الزوج ولا الزوجة إلا في حالة عدم وجود الورثة المذكورين أعلاه.

وبهذا نجد في التشريع الإسلامي عدالة قي توزيع التركة تمثلت في:

ـ شمول جميع أصحاب الأنصبة فلا حجب لصاحب حق نال مساو له قدرا في الميراث, فالأبناء -على سبيل المثال- جميعهم يرثون فلا فرق بين كبير وصغير ولا بين غني وفقير ولا بين راشد وغير راشد, لدرجة أنه يلزم الجميع بإيقاف توزيع الأنصبة في التركة من أجل حمل في بطن المرأة ليحدد له نصيبه من التركة إذا اكتمل حمله ونزل حيا ولو للحظة فاحترم حق الإنسان حتى قبل أن يوجد أو يولد.

ـ تساوي أنصبة المتماثلين في النوع والدرجة, فلا ذكر يرث أكثر من أشقائه, ولا أنثى ترث أكثر من شقيقاتها, فلا معيار لكبر سن أو قوة بدن.

ـ للمرأة نصيب ملزم, فجاء منهج الإسلام وسطيا بين طرفين, فمن الشرائع من حرمتها بالكلية ومنها من ساوت بينها وبين الذكر في النصيب, فجاء الإسلام بوسطيته فأعطى المرأة نصف حظ الذكر المساوي لها في درجة القرابة, ولابد من تصحيح المفهوم بأن القول بأن الإسلام أعطى الأنثى من الميراث أقل مما أعطاه الذكر بهذا الإطلاق قول غير صحيح لأنه في حالات كثيرة تعطى فيها المرأة نصيبا مساويا أو أكثر من ذكر آخر صاحب نصيب في الميراث وهو ليس مساويا لها في قرابته للمورث ولأن المرأة غير ملزمة بالإنفاق على نفسها, وهي دوما في كنف رجل – من حيث النفقة– مهما كبرت.

ـ توريث الأصول والفروع والأزواج معا, فجاء الإسلام ليحدد أنصبة شاملة لكل الوارثين فلا يمنع وجود الأصل ميراث الفرع ولا العكس ولا يمنعان توريث الزوج والزوجة, فلكل منهم في مال المورث حقا لا ينازعه غيره, فالعجب أن ينال أبناء الميت ميراثا ويحرم أبوه وأمه والعكس, والأعجب ألا يكون للزوج أو الزوجة نصيب من التركة التي كان شريكا في صنعها وان يفجع الحي بفقد الزوج والمال معا.

ـ عدم استحقاق الغرباء في التركة, فكان توزيع الميراث في الإسلام مبنيا على درجة القرابة للمتوفى حيث هم اقرب الناس إليه وألصقهم به وأحرضهم عليه وعلى ماله في حياته وبعد مماته, فكيف يُحرم منها أصحابها الحقيقيون وتمنح للغرباء ليشاركوا أصحاب الحقوق يب ويحرموهم من حقوقهم, فربط الإسلام الميراث بالقرابة سواء كانت قرابة نسب أو مصاهرة أو ولاء, وليس لغريب فيها إلا ما كان وصية من مورثهم لغير وارث أو منحة منهم للفقراء والمساكين الذين يحضرون القسمة.

إن التشريع الإسلامي الذي نفخر بانتسابنا له ليس عملا بشريا لكي يتصف بصفات البشر من النقص والضعف والتحيز بل هو تشريع الهي لا يعرف الانحياز لفئة دون فئة ولا لكبير دون صغير فالجميع عباده وهو المتصف بالكمال المطلق وهو العليم سبحانه بما يصلح عباده فانزل عليهم الشرع الكامل المعجز الذي يصلحهم في دنياهم وآخرتهم, فهو التشريع المعجز الصالح والمصلح لكل زمان ومكان, ولهذا ستظل البشرية تتخبط حتى تقر بأنه الحق الذي لا مراء فيه والصواب الذي لا خطأ عنده.

 

 

 

[1] الدكتور محمد عبد المنعم بدر , القانون الروماني

[2] الميراث في الشريعة الإسلامية , الشيخ عبد المتعال الصعيدي

[3] ويقصد بهذه الأمم الطورانيون والكلدان والسريان والسوريون والفينيقيون ممكن سكنوا الأرض بعد الطوفان حتى ظهور دولة الرومان

 
 
   Bookmark and Share      
  
 بين التشريع الإسلامي في الميراث والتشريعات الأخرى ..

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7