الخميس 21 نوفمبر 2013

فى إحدى الحوادث التى تجرى هذه الأيام بمصر، أصيب شاب إصابة بالغة نُقل على إثرها إلى المستشفى ووُضِع فى غرفة العناية المركزة، فلما علم والده بالخبر ذهب إليه يصرخ فى وجهه مظهرا الشماتة فيه لما حدث له، وطرد زوجة ابنه من المستشفى واتهمها أنها السبب فيما حدث، وقال للممرضين والأطباء إن ابنه من الإرهابيين وأنه مستعد للشهادة عليه بذلك.

وفى مستشفى آخر كان بعض الأطباء يقومون بعمليات بتر للمصابين فى أطرافهم إذا علموا أنهم أصيبوا فى تظاهرات ضد الانقلاب العسكرى، مهما كانت إصاباتهم سطحية ويمكن علاجها، يفعلون ذلك دون مراعاة لأى أمانة تحملها أعناقهم؛ عقابا لهؤلاء المصابين!

وبينما كان أحد الأصدقاء يتألم فى سريره من إصابة بالغة ألمّت به فى هذه الأحداث، كان أهله وأقاربه يزفون أحد شباب العائلة بالأغانى والهتافات التى تؤيد القتلة، ويرفعون صورهم، ويتعمدون أن يُسمعوا هذا المصاب فى سريره غناءهم وهتافهم.

وفى إحدى القرى التى قُتِل فيها شاب من شباب هذه القرية، كان لسان حال الناس: هل فوضناهم ليقتلوا لنا منهم واحدا فقط؟!!

هذه وغيرها عشرات من القصص والمواقف المؤلمة التى تجسد قدرا عنيفا من الكراهية بات واضحا فى قلوب قطاع لا بأس به من المصريين تجاه أهلهم وجيرانهم وإخوانهم وزملائهم.. الذين ربما تجمع بينهم مودة سنين عديدة، ومواقف كانوا فيها معا فى العسر واليسر.

صاروا الآن فريقين، فريقا يظهر عداوة واضحة، وكراهية وبغضا وجفاء، وفريقا يُضطهد ويُطارد، يحار ويتألم، وربما وقع فى كراهية متبادلة وخصام وعداوة، وهو مع ذلك يشعر بضيق شديد فى صدره، وجرح وألم بالغين، ويقول لنفسه: هل برئت جراحنا من أولائك القتلة والمترصدين لنا، لتنكأنا جراح عداوة الأهل، وكراهية الأصدقاء والجيران؟!!

ثم هو يعود لنفسه ويتساءل: لماذا يكرهوننا؟!

لئن كرهنا المجرمون القتلة بدافع حماية مصالحهم وكرههم للإسلام الشامل، ويدعو له، فهذا مفهوم، وليس بجديد عليهم.

ولئن كرهنا المجرمون بدعوى أننا ننافسهم على الحكم والسلطة، فنحن لم ننافس هؤلاء فى شىء، بل لعلنا ما قمنا وما خرجنا إلا لنعيش معهم فى بلد يسوده السلم والأمان وتعلو فيه قيم الإسلام وشرائعه.

فلماذا يكرهوننا؟!

وقبل أن نحاول بعون الله البحث فى إجابة هذا السؤال: نوضح أولا أنه ما دفعنا إليه إلا تألُمنا من هذا الواقع المؤسف، ورغبتنا فى مد جسور الصلة وعودة دفء الإخاء والمودة بيننا وبين أهلنا.

وإنما تنبع هذه الرغبة من شعورنا بالخير الكبير فيهم، وأنهم وإن بدت منهم العداوة والبغضاء إلا أن الأمل فى الله كبير أن يمحو ما فى الصدور من وحشة، وأن يؤلف بين قلوبنا، وأن يجمعنا فى الدنيا على طاعته، وفى الآخرة تحت ظل رحمته.

ونوضح ثانيا: أننا ما نبرئ أنفسنا من بعض أسباب هذا الشقاق، وأنه ربما وقع منا ما حملهم أو ساعدهم على إبداء العداوة والبغضاء على هذا النحو. ومن ثَمّ فهذه محاولة نسأل الله أن تكون متجردة بحق للمراجعة والتصحيح والاعتذار –إن وجب– لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.

أولا: لعل من أسباب كراهيتهم لنا الأخطاء التى وقع فيها الإسلاميون أنفسهم، وإن كان أكثرها هينا لا يستحق هذه الموجة من الكراهية، ولكن الناس عامة ينظرون إلى من يتكلم فى الدين أو يدعوهم إليه نظرة يعتريها التقديس الخاطئ الذى يستوجب فى نظرهم أن يكون الداعى مبرءا من كل عيب وذنب، فإن وقع منه بعض مخالفة لما يدعو إليه شنعوا عليه واستنكروا وهاجموه، حتى لو كانوا هم أنفسهم يقعون فى أشد منها.

وفى هذا تنبيه للإسلاميين أنفسهم أن عليهم –وقد قاموا لله بالدعوة إليه– أن يدفعوا ضريبة القدوة، وأن يخلصوا دينهم لله فى الظاهر والباطن، وأن يكونوا أحرص على الورع وتحرى الحلال من غيرهم.

ولعل هذا الأمر ليس بجديد فى ساحة الدعوة، فقديما قال شعيب عليه السلام: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88] فهو يؤكد لهم أنه إنما يقوم بنفسه بما يدعوهم إليه من قسط وعدل فى الميزان.

وفى وصف مؤمن أصحاب القرية للرسل الثلاثة دلالة مهمة فى هذا المعنى: {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [يس: 21] فكون الداعى إلى الله مهتديا فى نفسه هو من أهم شروط تصديقه وقبول دعوته بين الناس.

وكذلك فإن مخالفته لدعوته ولو فى شىء يسير تكون مدخلا لضعاف النفوس أن يشنعوا عليه ويتركوا أمره كله، ولعل هذا –والله أعلم– هو الحكمة من تشديد الجزاء على أمهات المؤمنين فى قول الله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِى مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [الأحزاب: 30]

ولعل هذا أيضا هو مقصود أبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام فى دعائه: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا } [الممتحنة: 5].

ولما بعث النبى صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش أميرا على سرية نخلة، فأصابوا من المشركين دما ليلة الشهر الحرام، فشنع بهم المشركون، وعيروهم وقالوا: إن محمدا يقتل فى الأشهر الحرم، حتى أنزل الله عز وجل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة: 217].

فربما دفع خطأ البعض مع العوامل الأخرى التى سيأتى ذكرها بإذن الله إلى هذه الكراهية غير المبررة من قبل كثير من الناس للإسلاميين.

ومن هنا ينبغى أن ننبه أنفسنا إلى ضرورة الإخلاص لله فى السر والعلن، وأن ما تستقبح أن يراه الناس منك أولى أن تستحى من الله أن يراك عليه.

وأن هناك ضريبة يدفعها القدوات هى شدة الورع والتحرى الشديد للحلال، وتقوى الله عز وجل، فى دينهم ومعاملتهم، وألا يكونوا فتنة للناس من حولهم، وسببا لصدهم عن سبيل الله.

ومن هذه الأخطاء التى قد نكون وقعنا فيها:

الشعور بالاستعلاء، خصوصا فى الفترة التى منّ الله علينا فيها بالحرية، والانفتاح على المجتمع، فأقبل علينا من كان يخاف الاقتراب منا خشية أن تطاله يد البطش.. فهذا التغير فى موقف الناس قد يتسرب منه إلى نفوس بعض الإسلاميين شعور بالاستعلاء عليهم، والنظر لهم بمنطق: آلآن؟ وأين كنتم من قبل؟! ومثل هذه المعانى التى تنفِّر أكثر مما تقرب وتحبب فى دين الله، وقد كان الصحابة يحسنون استقبال إخوانهم ممن تأخر إسلامه، ولا يعايرونهم بعداوتهم الأولى للإسلام، بل هذا عمرو بن العاص يؤمره الرسول صلى الله عليه وسلم على سرية فيها أبو بكر وعمر وذلك بعد إسلامه بشهرين! وهذا عكرمة بن أبى جهل يقول فيه النبى صلى الله عليه وسلم: إن عكرمة يأتيكم مؤمنا مهاجرا، فإذا رأيتموه فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذى الحى، ولا يبلغ الميت.

فأكثر ما تضيق به نفس المدعو أن يشعر باستعلاء الداعى عليه واستشعاره أنه صاحب الجهاد الأول، وأنه الذى تحمل الصعاب، ويظل يحكى عن تاريخه فى الدعوة قبل الثورة، وغير ذلك من التصرفات.

ومن الأخطاء الخطيرة أيضا التى وقعنا فيها انحراف البوصلة لدينا، فحينما منّ الله علينا بالحرية فى الدعوة، لم ندع الناس إلى تطبيق الإسلام فى أنفسهم وتربيتهم على ذلك، وإنما جعلنا دعوتنا دعوة إصلاح ونهوض اقتصادى وتقدم علمى فقط، وانشغلنا بالسعى فى تحقيق هذه الوعود عن التربية الحقيقية للمجتمع على الإسلام، والاستعداد للتضحية من أجله، فكانت النتيجة أن تخلوا عنا بعد تأييدهم أول ما ضاقت عليهم أسباب الحياة.

ولعل الله عز وجل ألقى هذه الكراهية فى قلوبهم تأديبا لنا؛ من شاكلة كراهية صاحب الحق لمن ضيع عليه حقه، فقد كان لهم علينا حق الدعوة إلى الله، فتوددنا لهم بالمشاريع الاقتصادية وخضنا معهم الدنيا كما خاضوا، فما تحقق لنا ما خضنا فيه، وما حفظنا ودهم لنا.

علينا إذن أن نراجع أنفسنا ونزن معاملتنا فى السر والعلن بميزان رضا الله ورسوله، فى علاقتنا بأنفسنا، وبالناس، فنتواضع لهم، ولا نستأثر عليهم، ولا ننافسهم دنياهم، ولا نشاركهم زخرفها الذى يتلهفون عليه.

أما من جهة الناس، فمن الأسباب التى قد تكون وراء كراهيتهم للإسلاميين: أن كثيرا منهم وقع أسير شهواته، واتبع ما يدعو إليه أعداء الدين، واستلذ طعم المعصية العاجل، فأحبه، وتعلق قلبه به، ولذلك كره أن يحكم الإسلاميون فيقطعون عنه هذا الغى الذى أصابه، فهم كما قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِى ضَلَالٍ بَعِيدٍ } [إبراهيم: 3]

فهم ينظرون إلى مستقبل حكم الإسلاميين ويتوقعون أن يفرضوا الحجاب، ويمنعوا الاختلاط، ويلزموا الرجال بالصلاة فى المسجد، ويغلقوا الحانات وعلب الليل، ويمنعوا المناظر الخليعة فى الأفلام، و... فهم يبغونها عوجا، عوجا فى الأخلاق، وعوجا فى المعاملات، لهم هوى فى هذا، ولهم مصالح فى تلك، يريدون أن تستمر الرشاوى، والوساطات، ويريدون أن تبقى لهم امتيازاتهم التى حصلوا عليها دون الناس. وكثير من هؤلاء تجدهم من المترفين الذى يرون فى أصحاب الدعوة عبئا ثقيلا يهدد أوضاعهم المستقرة ويبدد مصالحهم، وما أترفوا فيه.

وقد رأينا من هؤلاء فى الإعلام مناقشات وحوارات كثيرة جدا كلها تدور حول موقف الإسلاميين من إباحة لباس البحر للنساء فى الشواطئ، ومن اختلاط الرجال بالنساء، ومن فرض الحجاب، وكأن كل مشكلات الأمة قد انحصرت فى هذه المواضيع التى تؤرقهم، وتفسد عليهم مزاجهم واستمتاعهم.

ومنهم أولو العلم الذين أكلوا بعلمهم الدنيا، فحصلوا على المناصب والشهرة والجاه بين الناس، فيكرهون الدعاة الحقيقيين لأنهم يفضحون زيفهم ونفاقهم، كما قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ...} [التوبة: 34].

بل قد يبلغ فجورهم أنهم يمالئون الطغاة الظالمين على أهل الحق، كما فعل أهل الكتاب من قبل مع النبى صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: 51].

ومن أسباب الكراهية أيضا: الحسد.

وهو داء عضال لا يسلم منه المترفون ولا متوسطو الحال، يرون أقرانهم من الإسلاميين وقد تقلدوا المناصب والمسئوليات، فلا يرون فيها إلا شهوة المنصب، فتحترق القلوب حسدا، ويقولون فى أنفسهم: أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟! وقد سمعنا كثيرات يستنكرن أن تدخل قصور الرئاسة امرأة ترتدى الجلباب والخمار، حسدا من عند أنفسهم، وحسرة على ما آل إليه حالها دونهم.

ومن تلك الأسباب أيضا: القابلية والاستعداد لتصديق الأكاذيب واتباعها والترويج لها، التى تلصق بالإسلاميين من الإعلام. وسبب هذه القابلية أن هذه الأكاذيب صادفت هوى لدى هؤلاء الناس، فاستحسنوها وقاموا بها، وهو عين ما حدث من قوم فرعون: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54] فلو لم يكونوا فاسقين لما استخفهم وما أطاعوه.

هذا الفسق هو الحسد الذى يأكل قلوبهم، أو الخوف على مصالحهم، أو هو الشهوات التى يخافون عليها، لكنهم أضعف من أن يعلنوها، فما أن يستعلى بها ظالم، يقومون له ويصفقون، ويتبعونه على ما يقول وإن كانوا يعلمون كذبه.

هذه بعض الأسباب التى نظن من ورائها كراهية كثير من الناس ممن نؤمِّل فيهم خيرا، ونرجو الله لنا ولهم توبة نصوحا ورجوعا إلى الحق، وإذعانا له، عسى الله أن يرحمنا ويغفر لنا.

ومع هذا كله فإن من الضرورى التنويه على أن هناك أناسا ليسوا من الإسلاميين، بل ليسوا من المسلمين، ومع ذلك يناصرون الشرعية ويقفون فى وجه الظالم، ويتألمون لكل جرح وألم يصيب إخوانهم المقهورين، وهؤلاء –بفضل الله– يقيمون الحجة على الجميع، ويضعون كل واحد ممن يكره حكم الإسلاميين فى اختبار أمام نفسه..!

وأخيرا فإن هذا المقال يطرح هذا التساؤل: "لماذا تكرهوننا؟" ويخاطب به كل من يكره حكم الإسلاميين، ومن يؤيدهم، ويطلب من الجميع التلاقى حول إجابة هذا التساؤل بواقعية وشفافية، لعل الله عز وجل بجوده وكرمه أن ينفع بها فى إزالة أسباب الكراهية، إنه ولى ذلك والقادر عليه.

أحمد سيد

 
 
   Bookmark and Share      
  
 لماذا يكرهوننا؟

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7