الثلاثاء 26 نوفمبر 2013

لم تكن يومًا الليبرالية اتجاهًا فكريًا واحدًا بل تعددت اتجاهاتها في صور شتى ما بين الليبرالية الكلاسيكية والاجتماعية إلى الليبرالية المحافظة والليبرالية السياسية الاقتصادية والثقافية وصولاً إلى الليبرالية الأمريكية الحديثة والتي ربما تمثل أهم سمات الوقت المعاصر. وعلى الرغم من أن مصطلح الليبرالية نفسه مصطلح عريض يتسم بالغموض وطالما كان محل جدل واسع بين منظريه إلا أن المبدأ الأساسي الذي يمكن القول بأنه القاسم المشترك بين التيارات الليبرالية الكلاسيكية والحديثة هي فكرة الحرية الفردية والمفتوحة.

والحقيقة أن هذا المبدأ الليبرالي الصميم كان له الأثر الأكبر فيما آلت إليه الليبرالية من غموض وتضارب في الأفكار بعدما حدث نزاع بين الاتجاهات الليبرالية المختلفة في تكييف معنى الحرية التي قصدها كل اتجاه على كافة المستويات.

ولعله من الأهمية بمكان أن نلتفت الى الظروف التي ظهرت فيها الليبرالية من أجل فهم جيد لاتجاهاتها؛ فقد نشأت الليبرالية كرد فعل على تسلط وظلم الكنيسة وكهنتها في عصور أوروبا المظلمة لتصبح هي بركان الفكر الثائر الذي عصف بقلعة القداسة الكنسية وسطوة الإقطاع ثم تطورت بعد ذلك في عصر التنوير في القرن 18 لتتطور فيما بعد بصورة معينة في كل بلد على حدة.

الليبرالية وتضارب المفاهيم

يمكن تعريف الليبرالية على أنها مذهب فكري يرتكز على الحرية الفردية ويعتقد أن الوظيفة الأساسية للدولة هي حماية حريات المواطنين. إلا أن تاريخ هذا الفكر يثبت أن تعريف كالسابق ربما ليس كافيًا لفهم الاتجاهات المختلفة لليبرالية؛ ولننظر- على سبيل المثال- إلى مفهوم الليبرالية الكلاسيكية؛ فهي نوع من الليبرالية تقوم على فكرة الحقوق المطلقة لكل فرد بما فيها حرية التعبير وحرية الأديان. أما الليبرالية الاجتماعية فهي اتجاه آخر يشدد على العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق بين الجميع بصرف النظر عن الجنس أو العرق أو الطبقة الاجتماعية. أما إذا انتقلنا إلى ما يسمى بالليبرالية النفعية فإنها تولي اهتمامًا خاصًا بما اسموه الفعل الأخلاقي أي أن الفعل الذي يوفر أكبر ارتياح لأكبر شريحة من الناس هو دائمًا الفعل الأصح أخلاقيًا حتى وإن لم يكن كذلك! ناهيك عن الليبرالية الأمريكية الجديدة والتي أصبحت الأكثر شعبية خلال القرن الماضي ولا تزال حتى الآن.

مابين الليبرالية الأوروبية والأمريكية

ومن أجل رؤية أعمق لتفسير الاتجاه الليبرالي؛ كان لابد من التمييز بين الليبرالية الأوروبية والليبرالية الأمريكية نظرًا لأهمية كلاهما وكذلك للفروق الجذرية بين المفهومين.  فقد كان من السائد التعامل مع المذهب الليبرالي كمذهب غربي فحسب؛ إلا أن الواقع الأوروبي والأمريكي يتعارض مع ذلك المعتقد. ولنبدأ بالليبرالية الأوروبية:

الليبرالية في أوروبا هي حركة سياسية تدعم تقليدا واسعا من الحريات الفردية وحكومة محددة المهام خاضعة للمسائلة دستوريًا وديموقراطيًا.وهذا يتضمن عادة مبدأ مفاده أنه ينبغي على الحكومة أن تعمل على التخفيف من حدة الفقر وغيره من المشكلات الاجتماعية ولكن دون تغييرات راديكالية في الهيكل المجتمعي. أما إذا تطرقنا إلى الليبراليين الأوروبيين فسنقف على حقيقة أنهم منقسمون فيما يتعلق بمسألة مستوى التدخل الرسمي والحكومي في مجال الاقتصاد؛ إلا أنهم بشكل عام يفضلون نوعًا من التدخل المحدود للغاية.

ويرى "هانز سلومب" أن معظم الأحزاب الليبرالية الأوروبية اليوم تلتزم بنهج الليبرالية المحافظة؛ فيما عدا أقلية تتمسك بمباديء الليبرالية الاجتماعية؛ ومن أشهر هذه الأمثلة حزب الليبراليين الديموقراطيين البريطاني.

أما إذا اقتربنا من مصطلح الليبرالية في الولايات المتحدة فسنجد أن الليبرالية الأمريكية هي فلسفة سياسية متشعبة ترتكز على الحقوق الأساسية للفرد في المجتمع. ومع ذلك فإنه منذ حقبة الثلاثينات تقريبًا يشير مصطلح الليبرالية في الولايات المتحدة إلى الليبرالية الأمريكية الحديثة والتي تربط الليبرالية الاجتماعية بدعم العدالة الاجتماعية والاقتصاد المختلط. كما ينافح الليبراليون الأمريكيون عن عدة قضايا يفردون لها اهتمامًا خاصًا مثل حق الإجهاض للمرأة وحقوق الأمريكيين الأفارقة في التصويت الانتخابي وكذلك زواج المثليين.

وسنعرض فيما يلي لعدد من نقاط الاختلاف بين هذين الاتجاهين لليبرالية:

يقول المؤرخ الأمريكي "آرثر شليزنجر" أن: "الليبرالية في الاستعمال الأمريكي لا يربطها الكثير من القواسم المشتركة مع نفس الكلمة المستخدمة في سياسة أي بلد أوروبي؛ ربما فيما عدا بريطانيا". فعادة ما يعني مصطلح الليبرالية في أوروبا ما يطلق عليه في بعض الأحيان الليبرالية الكلاسيكية، والالتزام بحكومة محدودة الصلاحيات واقتصاد عدم التدخل، وهو ما يتوافق بصورة أكبر مع التعريف الأمريكي لـ "الليبرتارية" الذي يفضل البعض تسميته بـ (مذهب مؤيدي مبادئ الحرية). وقد أرجع "لويس هاتز" في كتابه الشهير (التقليد الليبرالي في أمريكا) اختلاف الليبرالية في الولايات المتحدة عن أي بلد آخر في العالم إلى أن أمريكا لم يكن لديها يومًا أرستقراطية موروثة متأصلة ومن ثم فقد تجنبت أسوأ ما في الحرب الطبقية التي اجتاحت أوروبا.

ولعل من أكثر ما جعل تطور خط السير الليبرالي في أمريكا يتباعد عن الاتجاه الأوروبي لليبرالية في أوروبا هو أن الدول الأوروبية تمسكت بسيطرة قوية على النشاط الاقتصادي بعكس الحكومة الأمريكية غير المتدخلة نسبيًا.

وقد ظلت الليبرالية الأمريكية تضع عينها على المجتمع الأمريكي في معظم تواجدها، كما ضم  كلا الحزبين الأمريكيين الرئيسيين الجمهوري والديموقراطي شخصيات تحسب على الاتجاه الليبرالي خلال معظم فترات القرن العشرين؛ إلا أنه بحلول نهاية القرن كان الحزب الجمهوري قد اعتنق التيار الاجتماعي وصارت الليبرالية مرادفًا لجناح اليسار في الشأن الاجتماعي والاقتصادي على حد سواء.

ويمكن القول أن السياسيين المعروفين بليبراليتهم كانوا من الناحية الاقتصادية غير ليبراليين بالمعنى الأوروبي للكلمة.

الجدير بالذكر أن هذا المصطلح صار يستخدم حاليًا بشكل أساسي كتعبير عن الازدراء فيما يفضل سياسيو ونشطاء تيار اليسار مصطلح "التقدميين" بدلاً منه.

ولم يكن التطور من نصيب الليبرالية الأمريكية فقط، إلا أن الليبرالية الأوروبية نفسها قد لحقت بعجلة التغييرات، حيث أوضح "ناثانيل ويليامز" أنه مع صعود حركة العمال المدعومة سياسيًا والحركة الاشتراكية، انفصلت الليبرالية الأوروبية بدرجة كبرى عن جناح اليسار. وأصبحت الحرية التجارية كما لو كانت في صراع مع التطلعات الاشتراكية؛ ومن ثم صار الليبراليون ممثلين عن مصالح الطبقة المتوسطة. وقد حقق الحزب الليبرالي في العديد من البلدان نفوذًا كبيرًا في مطلع القرن العشرين.بالرغم من ذلك وجدوا أنفسهم ليسوا إلا في منتصف الطريق بين حزبي العمل والمحافظين اللذين يحظيان باستقطاب متنامي. غير أنه مع سقوط الشيوعية الأوروبية واعتدال قوى العمال؛ فإن الأحزاب الليبرالية اقتصاديًا واجتماعيًا أصبحت تتمتع في الوقت الراهن بنوع من البعث المحدود.

الليبرالية الجديدة

وإذا كنا قد ألقينا الضوء فيما سبق على هيكل الليبرالية الأمريكية، فإنه لابد من الإشارة إلى التطور الجذري الذي لحق بها ليس فقط كنوع من الليبرالية البراجماتية بل كتعديل أساسي في الفكر الليبرالي الأمريكي ليظهر نوع جديد من الليبرالية تسمى بـ "الليبرالية الجديدة" أو كما يسميها "جون مينارد كينز" الليبرالية الاشتراكية. وهي تمثل أحدث أطوار الفكر الليبرالي والتي تبنتها الدول الصناعية الكبرى والمنظمات الدولية كمنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي؛ لتبدأ آثاره في الظهور حتى على الدول التي تعتنق مذاهب اقتصادية مغايرة، حيث لم يعد الاقتصاد السياسي الكلاسيكي هو الصورة الملائمة للقطب الأمريكي الذي يسعى لتبرير التوسع الرأسمالي.

وبشكل أو آخر، يمكن اعتبار الليبرالية الجديدة عودة إلى فلسفة الليبرالية الكلاسيكية وإن كانت تذهب إلى أبعد منها في كون هدفها النهائي هو خلق عالم يسيطر فيه السوق الحر على العمل السياسي. وهو ما أكده باحثون في جامعة أسلو بالنرويج اذ ذهبوا إلى أن الليبرالية الجديدة يمكن اعتبارها الأيديولوجية السائدة التي تشكل عالمنا اليوم وأننا نعيش في عصر الليبرالية الجديدة أو الحديثة أو Neoliberalism .

وينزع دعاة الليبرالية الجديدة إلى القول بأنه يتحتم على الدولة أن تلعب دورًا فاعلاً في الاقتصاد ولا تتبع نظام الحكومة غير المتدخلة بحيث أن يتصاغر دور الافراد .

 ومثل تلك الرؤى "المعاصرة" يمكن أن نربطها بمنظري القرن التاسع عشر مثل "بنيامين كونستانت" و"جون ستيوارت ميل"؛ وكذلك بمنظري العصر الحديث أمثال "ويليام بيفريدج" و"جون راؤل" اللذين تحدثا عن أيديولوجيات مماثلة. كما يمكن اعتبار أن الليبرالية الجديدة هي جيل من الليبرالية الأكثر راديكالية؛ وهي تشبه في ذلك ظاهرة "المحافظون الجدد" والذين لا يمثلون إحياء للمذهب "المحافظ التقليدي" بل اتجاهًا جديدًا متفردًا ذي مجموعة من الأفكار السياسية المتصلبة؛ وهو ما يظهر جليًا في الحزب الجمهوري بالولايات المتحدة الأمريكية، بينما عادة ما ترتبط الأيديولوجية الليبرالية الأمريكية المعاصرة بالحزب الديموقراطي؛ الأمر الذي يمثل حاليًا احتدامًا كبيرًا بين دعاة التيار المحافظ والتيار الليبرالي الأمريكي حتى باتت كلمة "ليبرالي" تمثل نوعًا من الاستهزاء أو الازدراء بين السياسيين الأمريكيين.

الليبرالية الأمريكية الجديدة والعالم الإسلامي

الحقيقة التي تطل برأسها في شتى البحوث والكتابات الأمريكية أن بحثا حثيثا يحصل بين المفكرين الأمريكيين لانشاء رؤية ليبرالية جديدة تستطيع التعامل مع مستجدات العالم الجديد بعد فشل واضح للقوانين الليبرالية النظرية في العقدين الأخيرين .

لقد تحدثت دوائر بحثية غربية واسعة عن تراجع كبير في الفكر الليبرالي المزروع في الدول الإسلامية برغم كل هذه الجهود والأموال المنفقة لنشره , ويبدو أن الفكر الليبرالي الجديد التي تحاول أمريكا تصديره الآن هو فكر التدخل بالقوة سواء من الحكومات التابعة لها في بلاد الإسلام أو من مراكز القوى المختلفة .

إذن فنحن باختصار أمام نوع من الليبرالية جديد يستند على شتى مبادئها القديمة مضافا لها استخدام لاستراتيجية القوة في تنفيذ المبادىء الليبرالية التي اصطدمت مع قيم المجتمع الإسلامي ومبادئه ... فهل تنجح النسخة الجديدة من الليبرالية فيما فشلت فيه سابقتها ؟!

 
 
   Bookmark and Share      
  
  الليبرالية الجديدة .. القناع الجديد للنفوذ الأمريكي

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7