الجمعة 29 نوفمبر 2013

على الرغم من آليات الديمقراطية المستقرة فى دول عريقة مثل بريطانيا والولايات المتحدة فإن هناك مراكز قوة مسيطرة ومتحكمة فى المجال السياسى، فالملكة فى بريطانيا، والمجمع الصناعى العسكرى والإعلامى فى أمريكا لهم تأثير قوى -وإن كان مستترا- على العمليات السياسية فى هذه البلاد.

فإذا انتقلت إلى الحال فى بلادنا ستجد أن القوة العارية وأدوات القمع تستخدم بصورة واضحة لا لبس فيها لفرض أمر واقع وسلطة باغية، ورغم ذلك هناك من يبررون ويقدمون المسوغات الشكلية لتبرير القمع وسلطة الانقلاب.

وقد اكتشف المصريون مؤخرا بعد ثورة يناير أنه لا توجد هناك دولة بالمعنى الحقيقى لكلمة دولة، وإنما مجرد نخب قوة متغلغلة فى كل الأجهزة والمؤسسات ويربطها بقوة نسيج من شبكات العلاقات الزبائنية والمحسوبية.

ويوفر قادة العسكر القلب الصلب لهذه الشبكات بينما يوفر تحالف الداخلية والبلطجية أداة السيطرة على الشارع والمواطنين، فى حين يتولى القضاء وشيخ الأزهر وشيوخ سلفية مثل برهامى ونخب حزبية مدنية توفير ديباجات رمزية إما مدنية تقدمية وإما دينية فقهية للتغطية على القوة العارية واغتصاب السلطة.

إن الرموز الدينية والشعارات والأغانى الوطنية والعَلَم وغيرها يتم استخدامها بكثافة من قبل الإعلام لخلق وعى زائف لدى الشعب عن وجود رجال دولة ودولة تعمل للصالح العام وليس لمصلحة نخب القوة الفاسدة.

وفى هذا الاتجاه يقوم مدعو المدنية من قوى حزبية يسارية وليبرالية ومثقفين وأساتذة علماء سياسية ودعاة حقوق إنسان بجريمة غير مسبوقة فى حق الشعب المصرى، من خلال تأسيس الدولة العسكرية البوليسية فى الدستور بديلا عن الدولة المدنية الديمقراطية. فمادة المحاكمات العسكرية للمدنيين تنسف حق المواطنين فى التقاضى أمام قاضيهم الطبيعى حيث يصبح كل مصرى عرضة لاغتيال حقوقه وسجنه بقرارات عسكرية بعد التوسع فى المحاكمات العسكرية الجائرة. وقد صار المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم الفعلى من خلال تحكمه فى اختيار وزير الدفاع، كما أن قانون التظاهر ومادة الإرهاب الجديدة يعنيان فعليا إلغاء جميع الحقوق والحريات المدنية فى الدستور، ويعليان سلطة الداخلية لإخضاع وإرهاب أصحاب الرأى وعامة الناس.

ويلاحظ أن حلفاء السيسى ومريديه من الحلقات النخبوية الناصرية واليسارية ممن أطنبوا وأسهبوا فى دفاعهم عن حقوق الفقراء وحملهم راية العداء للسياسات الرأسمالية لجمال مبارك تجاهلوا تصريحات السيسى حول إلغاء الدعم وخفض المرتبات، مما يزيد الفقراء فقرا لصالح الطبقات الرأسمالية وذوى النفوذ المالى. مما يشكك فى جدية خطابهم عن دعم الفقراء ورفض السياسات الرأسمالية بعد أن تبين أن حليفهم العسكرى ليس ناصرا جديدا وإنما هو جمال مبارك تحت قناع عسكرى.

كما أن أولاد الدولة من الخبراء والأكاديميين ممن يمكن أن يطلق عليهم لقب أرامل الدولة يمثلون فى الحقيقة خلايا نائمة تنتظر دورها فى الحصول على أى سبوبة من جهاز الدولة فلا يتكلمون عن قضايا الشأن العام إلا بمقدار ما يخدم مصالحهم الخاصة. تحركوا بقوة كتابةً على فيس بوك وفى العمل سبا وقذفا ضد مرسى عندما أدركوا أن مؤسسات الدولة "الغويطة" ضده.

وعندما تم الانقلاب ومارس سياسات دموية وإقصائية قفلوا أكونتات الفيس ولم يعودوا يتحدثون أو يكتبون، فلا تعرف لهم رأيا ولا تسمع لهم صوتا فى الشأن العام المصرى! أما أمثال ياسر برهامى ويونس مخيون ممن يبررون حكم الاستبداد والديكتاتورية بفقه زائف عن ولاية المتغلب فيشوهون صورة الشريعة الإسلامية الغراء التى تحث على العدل والرحمة والحرية والشورى وحق الأمة فى اختيار حكامها، إنهما نموذج لمشايخ سلطان أفسدوا الدنيا والدين.

لقد أظهر الحراك الثورى فى الشارع المصرى مؤخرا وما يواجه به من إرهاب دولة وبلطجية حقيقة فساد هذه النخب وصمتها أو تأييدها للجوء أجهزة الدولة الأمنية للقوة العارية لضمان بقائها فى السلطة وضمان مصالحها فى الدستور دون أدنى اهتمام بحياة ومصالح عشرات الملايين من المصريين المهمشين تماما خارج اللعبة السياسية.

د. أحمد تهامى

 
 
   Bookmark and Share      
  
  أجهزة تزييف الوعى لخدمة سلطة الانقلاب

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7