الجمعة 29 نوفمبر 2013

قبل أن تسرح فى الخيال فى رسم السيناريو الأسود الذى أعنيه، أحب أن أعرفك أنى لا أعنى ما دار بخلدك، من خراب ليبيا أو دمار سوريا، أو حتى قتل رئيسنا المنتخب، فكل هذه السيناريوهات هى بالتأكيد سوداء مظلمة، ولكنها ليست الأسوأ.

السيناريو الأسود، أو بتعبير أدق "أسود سيناريو" يمكن أن يحدث، هو أن يرجع الثوار إلى بيوتهم ليستأنفوا حياتهم الطبيعية، فى ظل حكم العسكر.

ما قلته الآن هو ملخص ما أريد قوله فى هذه السطور، وحسبك من كلامى ما فات، "ولو عايز تقوم تشوف اللى وراك، مفيش مشكلة".

أما ما سأفصله، فلعله يعنى بالدرجة الأولى قيادات التحالف والعمل الثورى فى الشارع، ومتصدرى المشهد فى الإعلام الرسمى وغير الرسمى، ومن بقى خارج السجون من السياسيين المناهضين للانقلاب، والأهم من كل هؤلاء، متقدمو الصفوف عند دوران رحى القتل فى الميادين والشوارع، كل هؤلاء معقود فى رقابهم أمانة هذه الأمة.

ينشغل بعض المنظرين بعدة جدليات فى هذا الوقت العصيب الذى تمر به البلاد، بل الأمة كلها، هل سيترشح السيسى للرئاسة أم لا؟ هل سيظل فى منصب وزير الدفاع، ويحكم من خلف الستار؟ هل يجهزون لبديل يلتفون به على الثورة مثلما فعلوا بـ"طنطاوي" ثم "شفيق" ثم "السيسى"؟

حقيقة، كل هذه البدائل مطروحة ومنطقية فى حالة واحدة فقط، السيناريو الأسود، (ارجع لأول المقال) أما غير ذلك، فهو ثباتنا فى الميادين حتى عودة الشرعية. وأعنى بعودة الشرعية، عودة الأمر فى يد الثوار، مع احتمال قيام الانقلابيين بتصفية رؤساء جميع السلطات المنتخبة، وهو سيناريو "كوبية" لنا وانتحار للانقلابيين، مقصود به إدخال البلد فى دوامة صراع طائفى سياسى، يتحول بسهولة لحرب شوارع بدعم ورعاية مجرمى العسكر.

وما يعنينا فى هذا المقال هو الاستعداد للسيناريو الأقرب (نسأل الله أن يقدر لنا ولأمتنا السلامة)، وهو سيناريو حرق الأرض، بل والشعب.

لذلك، فأنا لن أفترض السيناريو الأسود الذى ذكرته آنفا، وهو ترك الميادين والعودة للبيوت لاستئناف خارطة طريق العسكر، فهذا السيناريو الموت أفضل منه، ودونه الرقاب، لكنى سأفترض من جهتنا نحن الثوار أمورا ثمانية:

أولا: الثبات على الحالة الثورية مهما بلغت التضحيات.

ثانيا: التصعيد الثورى المستمر وأخذ زمام المبادرة والضغط باستمرار دون هوادة على معسكر الانقلاب على جميع الأصعدة، الثورى، الإعلامى، القانونى والسياسى (خارجيا).

ثالثا: رفض أى محاولة للتفاوض فى حالة كون الانقلابيين أو أحد رجالاتهم المعلنين أو غير المعلنين طرفا فيها.

رابعا: رفض أى محاولة للتفاوض فى إطار التنازل عن أى من ثوابت الثورة. (عودة الشرعية بكامل مؤسساتها (رئيس ومجلسى شعب وشورى ودستور 2012)، محاكمة الانقلابيين ثوريا، تطهير المؤسسات السيادية جذريا، على الأقل فى قياداتها العليا كمرحلة أولى)، وفى هذه الحالة يتوقع أن يدعم هذه المرحلة الحرجة قوات من الحرس الجمهورى أو الجيش، بظهير شعبى حاشد.

خامسا: رفض أى محاولة للالتفاف حول الثورة بإبراز أى شخصية بديلة عن السيسى يفرض علينا بطريق التفاوض، أو حتى يأتى فى إطار "فيلم هندي" كبير من إنتاج دول الخليج وإخراج المخابرات الأمريكية والإسرائيلية وتمثيل بلطجية الداخل، يكون غالبا مصحوبا بمقتل أو هرب السيسى، وكل ما يخطر ببالك وما لا يخطر من حبكات درامية يتطلبها المشهد.

سادسا: الانتباه للنقطة الحرجة التى قد يبلغها تشكيل التحالف الوطنى لدعم الشرعية، وهى النقطة التى يعجز التحالف فى مرحلة من المراحل عن مقاومة تهديدات وضغوط الانقلابيين، بعد اعتقال وحبس أغلب قادة التحالف وأقواهم وأشدهم وأكثرهم تحديا للضغوط، مثل د. البلتاجى ود. الكتاتنى والشيخ حازم وكل القيادات الثورية المخلصة لهذا الوطن، فالخطة قد تكون اعتقال كل قيادات التحالف، وترك عدد قليل من أضعفهم للتفاوض، بحيث لا يصمدون كثيرا أمام ضغوط وإرهاب المجرمين، هذه النقطة الحرجة , لابد عندها أن تعلن جماعة الإخوان المسلمين وقيادات العمل الإسلامى فى مصر عن تصدرها للمشهد بوضوح وصراحة، وأن هذه الكيانات الإسلامية –المنظمة منها فقط– هى من يمثل قيادة الحراك الثورى، وتدعو الشعب للثبات فى الشوارع والميادين، والاجتهاد فى التوجه للامركزية فى هذا الحراك بدرجة ما، والشروع فى تشكيل لجان شعبية منظمة، حتى سقوط الانقلاب المجرم.

سابعا: إشارة تحذير إلى المخلصين من الثوار من كل الحركات الثورية أيا كان اسمها أو توجهها، بحماقتك المعهودة ووضعك للعسكر الدمويين والإخوان المسلمين فى سلة واحدة، مساويا الاثنين ببعضهما البعض، لا تظن أنك ستتخلص منهما بضربة واحدة بمجرد جلوسك فى البيت ومشاهدة ما يحدث، فسلبيتك دعم لمعسكر الانقلاب. وأذكرك بانتخابات الإعادة الرئاسية، حيث نجحت المخابرات بإعلامها ورجالها من داخل الحركات الثورية فى إقناع قطاعات كبيرة من الشباب بالوقوف على الحياد بدعوى أن "العسكر زى الإخوان"، ولولا تحركك فى اللحظات الأخيرة وعزمك على المشاركة بإيجابية، خاصة بعد حكم المحكمة الدستورية قبل يوم الإعادة بيومين بحل مجلس الشعب وبطلان قانون العزل –لولا تحركك هذا، لكان يحكمنا الآن العسكر فى صورة "شفيق"، وللأسف بطريق الصندوق، حيث لا يمكنك أن تعترض أو تثور انقلابا على من أتى به الصندوق.

ثامنا: وهى الأهم، الانقلاب يسعى حثيثا ومرارا لإخراجنا عن سلميتنا بكل أنواع الاستفزاز والإجرام الممكنة، قتل، سحل، اعتقال، التعدى على النساء والأطفال وحبسهم وقتلهم، قتل المساجين، التعدى على كل المقدسات الإسلامية. ولما لم يجد استجابة لهذا الاستفزاز، اتجه لجذب فئة جديدة للحراك الثورى فى الشارع، وهى فئة المواطنين المطحونين، بتضييق المعيشة عليهم ورفع الأسعار، لأنها فئة غير مسيسة ولا يمكن السيطرة عليها ميدانيا، فيتوقع منها أعمال حرق وتخريب. ويكون هذا تمهيدا لتنفيذ سياسة "حرق الأرض والشعب" أثناء هروبه للخارج.

لا تستبعدوا أى شكل من أشكال الإجرام، ولا تظنوا أن الذى يمنعه من حرق مصر بالـ90 مليون اللى فيها أخلاق ولا ضمير ولا دين. فقط هى حسابات ميدانية للعواقب.

أخيرا، أحسب أن التفصيل فى مواجهة هذا السيناريو المجرم والمتوقع بعد بداية سقوط الانقلاب، سيناريو "الفوضى المجرمة"، وأعنى التسمية جيدا، لأن ساعتها سيكون توصيف الحالة بـ"الانفلات الأمنى" سيكون غير دقيق وأخف بكثير من الواقع المتوقع، لأن كل الأنظمة الأمنية ستكون طرفا فيه بفاعلية وبقوة، وليس بحياد أو عدم تدخل كما نتوقع.

اللهم اخلف جميع ظنوننا وتوقعاتنا، بكرم من عندك، وعافية تغمرنا بها، تحقن بها دماءنا، وتؤمن بها روعاتنا، وتجبر بها كسرنا، وتفتح لنا بها طريق أمتنا للعزة والكرامة.

اللهم إن تهلك هذه العصابة، فسيكون تمكينا لأحفاد القردة والخنازير وأعوانهم.

اللهم نصرك الذى وعدت.

إيهاب على

 
 
   Bookmark and Share      
  
  السيناريو الأسود

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7