الخميس 5 ديسمبر 2013

يتميز الوعى بأنه المحرك للأفعال والباعث عليها؛ ولا مراء أنه البطل الأول فى قضية كسر الانقلاب؛ فقد راهن عليه الانقلابيون فى تغييب فصيل كبير من الشعب، فصرنا نعانى ما نحن فيه الآن؛ بحيث يقبل البعض الدماء ويبررها.

وثمت فارق بين نوعين من الوعى؛ الأول "عاجل" وهو ما يُنتج أثرا مباشرا ونعوّل عليه فى التحرك السريع والثمر القريب، والمستهدف هنا هم من يعاصرون الأزمات، ويبنون الانطباعات والاتجاهات ومن ثم الآراء والتحركات خطوة بخطوة. ولكن للقضية شق توعوى آخر، يتمثل فى تحدى بناء الوعى "الآجل" وهو ما سوف يستقر فى عقول القادمين غير المعاصرين للحدث. والاهتمام بذلك هو فى ذاته التفات لحقيقة القضية وكيف أنها ميراث ممتد عابر للأجيال، نواجه فقط اليوم جانبا منه، ونمارس دورنا لنرحل ونسلم القضية لآخرين؛ ومن ثم وجب الاهتمام بطبيعة الإرث، وتقديمه لأصحابه على خير وجه.

السبب والأهمية ودوره فى المرحلة الراهنة

ومن الجدير بنا إدراك أن هناك عدة أسباب تكمن فى الحرص على بناء الوعى "الآجل" والاهتمام به من الآن؛ فهو من ناحية استدعاء ذهنى لحالة المقاومة طويلة الأمد، والبناء على ذلك للتخطيط المرحلى والإستراتيجى، وتبادل للأدوار بين الخطوات الضيقة والمباشرة والسريعة، وبين الخطوات الأخرى المتئدة والواسعة. وهذا كله إنما يعمل على تغيير فى حالة الشحن العاطفى تجاه القضية؛ فبدلا من حصر التركيز على أن الفعالية القادمة هى أم المعارك، وبأن الخطوة القادمة هى الفاصلة والقاسمة؛ ومن ثم تجرع مرارة عدم تحقق ذلك، أو على الأقل عدم إمكانية النظر أو الانتباه لما حققته الخطوة من نتيجة مرحلية فى القضية. كل ذلك لأن انتظار الأثر والنصر السريع هو مما قد يكف النظر عن تبين ما حققته الأيدى الرامية من نتيجة. فى حين أن التخطيط لمعركة طويلة الأمد لن نجنى معه هذا الخور العاطفى، والإحباط السريع، فضلا عن أنه يجعلنا نضع أيدينا على مواطن القوة المرحلية والنتائج المتحققة من كل خطوة فى الطريق.

وبخلاف الحالة الوجدانية، فقضية بهذا العمق وبتلك الماهية التى باتت واضحة فى أذهان الجميع بحيث أدركنا أنها مرحلة من تدافع الحق والباطل، فليس أكثر من التخطيط لها بحيث تملأ الوعى والوجدان والمعارف ليس على مستوى الحاضر المباشر، وإنما كذلك على مستوى القادم الغائب، فحتى وإذا عجّل الله بالنصر لأصحاب الشرعية، فقضيتهم فى وجدان أمتهم لا بد أن تظل حاضرة بارزة؛ لها من القوة ما يناسب تماما أهميتها فى ظرف عصيب مثل الذى تمر به الأمة الآن، فكتابة قضية "كسر الانقلاب" -من منطلق كونها درجة فى سلم إعادة رفعة الأمة والتى دارت عليها الرحى فأوقعتها بين براثن الاستعمار والجهل والفقر وفقدان الهوية والبوصلة، ثم جاءت قضية كتلك الآن لتعيد رسم الخريطة للعالم، وتُنَظِّر لحقيقة الصراع بين هوية الأمة من جهة، وبين ما يريده لها الاحتلال فى ثوبه الحديث- كل ذلك من الأمور التى يجب الاحتفاظ بمضامينها المعرفية جميعها لتبقى دروسا فى المستقبل القريب والبعيد. ومن بعد الاستفادة بها فى أية مراحل أخرى ستمر بها الأمة فى طور آخر من أطوار نهضتها.

ومن المبررات المعرفية كذلك لبناء الوعى "الآجل" ما نعانى منه الآن بعد اكتشاف حقيقة الكثير من التاريخ الذى وصل إلينا؛ فنحن الآن مجنى علينا معرفيا من أثر عدم الاهتمام بكتابة التاريخ قديما كما ينبغى، ومن ثم نبذل جهدا كثيرا فى اقتصاص المعرفة الحقيقة له، ورد الشبهات ودفع الأكاذيب التى سيقت لنا ولأبنائنا وصار الجيمع يرددها بلا تفنيد، ومن يرفض عقله قبول بعضها، قد يصعب عليه الوصول إلى وجه الحقيقة أو على الأقل جمع الأدلة والإثباتات عليها. فكم من رموز مثلا يتفاخر بها التاريخ ثم نكتشف أنها لم تكن على هذا القدر المستحق من التمجيد أو الإطراء، أو على الأقل ليست ممن كانوا حريصين على نصرة الحق والحقيقة. وفى هذا الإطار فقد تم الطمس على رموز أخرى صادقة لطالما كان تأثيرها أقوى وأمضى بكثير من رموز التاريخ المفتعلة؛ والتى قد تنحصر رمزيتها على براعة الأيدى التى انبرت وكتبت عنها وخلدتها بمهارة. واليوم صار من الصعوبة بمكان كشف حقيقة ذلك التزييف، ومن جهة أخرى عدم امتلاك الأدوات الكافية لكشف بطولات رموز أخرى أدت الكثير ولم يتعهدها أحد بالتقديم والتأريخ.

وكذلك فقد أشار المختصون من قبل -انظر مثلا كتابات الدكتور محمد عمارة- إلى أن التاريخ الذى تمت كتابته كان جُلّه محصورا على القصور والسلاطين والأمراء، أو على الأقل كان تاريخا سياسيا فى الأساس، فيما لم تحتل الجوانب الاجتماعية أو النفسية مساحة مناسبة، وكل من يقرأ مثلا عن تاريخ الوقف وأثره فى الحضارة الإسلامية وعن بطولات المرأة ودورها فى نصرة الإسلام فى معارك شتى، يدرك أنه ظامئ للمزيد. وهذا لا يعنى سوى أن هناك بطولات ومعاناة وتضحيات وأزمات لم يتم الكشف الحقيقى عنها، ولم تأخذ نصيبها من الرصد ونقل جوانب الإساءة فيها والإحسان، تمهيدا للاستفادة بكليهما. كذلك فمن المؤكد أن ثلة الحق فى كل مراحل حياة الأمة، كانت لهم طموحات وأحلام، مرت بهم أزمات نفسية ومعرفية ووجدانية، وكانت لهم آليات لمواجهة تلك الأمور والخروج من كبواتهم بقوة وصلابة. وجميعها مساحات نجدنا فى أمس الحاجة للاقتراب منها والتعرف إليها، لصناعة ما يمكن أن نسميه "ورشة" عمل لنقل الخبرات بين الأجيال. واليوم نحن أمام تلك الفرصة الذهبية؛ فقد رمى لنا التاريخ كرة فى محطة فاصلة أو على الأقل مهمة فى تاريخ أمتنا، فشاهدنا جميعا كيف أنها مرحلة مليئة بالبطولات المختلفة والمتعددة؛ فأبطالها متعددى المداخل النوعية، العلمية، والتخصصية. فبطولات اليوم يصنعها المرأة والرجل، الشاب والشيخ، الطفل والمسن، المتعلم والأمى، الغنى والفقير، والريفى والحضرى. كل أولئك وغيرهم كان لهم دور، بل كانت لهم بطولات جديرة بالحكى والنقل. وكتابة الشهادة عليها، والتى قد تبقى لنا أثرا نافعا ليوم الدين.

ومن جهة أخرى، فالقادمون أيضا لهم علينا حق فى أن ننقل لهم كيف عاصرنا نحن الثوابت الكونية فى تدافع الحق والباطل؛ كيف جرت علينا سنة التمحيص والفرز، كيف اكتشفنا مَن حولنا، بل كيف اكتشف كل منا ذاته، وهل واجهها، وكيف انتصر عليها أو لماذا عجز عن ذلك. كذلك كيف كانت قراءتنا نحن الآن لوقائع السيرة والتاريخ القديم، وتفسيره علينا، كيف وقعت علينا أحكام الفقه وفتاوى السابقين لما نمر به من أحداث، وكيف أنتجنا نحن فقها جديدا ملائما لخصوصية الحدث وما استُجد فى إطاره من متغيرات الزمان والمكان، وهل استطعنا التنظير لمساحات فقهية جديدة ملائمة لمدخلات الأزمة؛ مثل فقه الوطن والانتماء، أو فقه الإعلام والاتصال. كل ذلك يعنى أن تلك الأمور التى سيسأل عنها القادمون، هى الآن واجبات ملقاة فوق أكتافنا لإنجازها.

وأيضا فى هذا الإطار لا يصح أن نغفل النقل عن حقيقة معنى النصر الذى تبيّناه، وكيف أننا استشعرنا النصر مع المواجهة ومع العمل والمقاومة، فقد يصادف تاريخ اليوم فى المستقبل قلوبا ذات مداخل مَرضية، علّ أزمتنا -من بشاعتها- تفتنها أو تضعها فى اختبار مرير، يجدر بنا الآن أن نضع علينا عبء انتصار تلك النفوس على مداخل الشيطان والضعف داخلها، بأن نرصد لها جوانب العظة والحكم والثبات والنصر، وهى الجوانب التى لمسناها بالفعل، ولن نفتعل الحديث عنها، فقط لنترك لأنفسنا فرصة النظر إليها واستشعارها ومن ثم الكتابة والنقل لها. كذلك نتعلم من القصص القرآنى؛ أن الكثير من الحكى لا يكون فيه التركيز على الجانب التوثيقى والتأريخى المباشر، بقدر ما تكون العناية الأهم بالمعنى والحكمة أو الدرس المستخلص والمستفاد، ولذا فبعض القصص فى القرآن -مثل قصة ذى القرنين- لم يأتِ فيها ذكر الزمان أو المكان، بل هى عبرة مستلخصة وجب نقلها للاستفادة والتعلم، وعليه يجب أن ننقل عن أنفسنا الآن ليس فقط الحدث، ولكن ما ورائيات الحدث، من إحساس ومدافعة ووجدان، وما اكتشفناه من علل وحكم قد تغيب أو قد تموت مع الزمن، حين ينقل البعض الحدث وينسوا كل تلك الروح الخافية فى خضمه.

الآجل من عمر الأمة.. والتنظير لـ"قوى ناعمة" مختلفة

فعندما بدأ العالم الجديد بعد الحرب العالمية الثانية صراعه عن طريق ما يسمى بإستراتيجيات "القوى الناعمة" كان إدراكهم -أى المعسكرين الغربى والشرقى وقتها- أن الحروب يجب أن تتحول من السلاح والطائرة والدبابة، إلى القلم واللوحة والمنتج الاستهلاكى، كما أن الانتصار ليس حكرا على ساحات المعارك وميادين الكر والفر، بل ربما تأجل الإعلان عن النصر أو تغير المنتصر بعد مرور بعض من الوقت، وهنا كانت المراهنة على هذا الوعى "الآجل" وكيفية كتابة الانتصار من خلال الاهتمام بهذا البناء -الوعى- للقادم من الأيام. ومن ثم بدأ التخطيط لغزو العالم بالأفلام والبرامج، وبالكلمة والفكرة. والحقيقة فلا أحد ينكر نجاح أحد المعسكرين الآن إلى حد كبير فى تكريس أنماط حياتهم وطرق تفكيرهم، بطريقة جعلت من الكثير فى دول العالم كله أقرب ما يكونون إلى مواطنين فى دولة النظام العالمى الجديد حتى دون أن يدروا، فما المواطن سوى انتماء وطاعة وتسليم قيادة واتباع.

آن الأوان إذن أن نصنع لنا "قوى ناعمة" خاصة بنا؛ تسعى للتأثير والتغلغل بها ليس لليوم فقط، ولكن لعمر قادم؛ خاصة أن المقصد من قوتنا ليس الاستعمار أو الاستغلال أو تدعيم النفوذ الاقتصادى الإمبريالى؛ وإنما مقصدنا إيجاد مساحة ممتدة لمشروعنا القيمى من أجل أن يتعرف عليه الآخرون فربما قبلوه وانطووا تحت لوائه راضين به مطمئنين، وفى أقل الاحتمالات فسيتعرف غيرنا علينا من خلالنا، وليس من خلال ما يقوله عنا العدو بناء على تحيزاته ورؤيته هو.

الحقيقة أننا الآن وفى فترة وجيزة أصبحنا حاضنين لنموذج مثالى صنعته الاعتصامات والمسيرات المؤيدة للشرعية؛ فبها حالات جديدة لمعنى الإبداع وحلول المشكلات وإيجاد البدائل والابتكار، كذلك لدينا نموذج للمرأة المسلمة المعاصرة المنافحة عن الحق، وفيه بالدليل والممارسة ما يناقض سنوات من الفهم الخاطئ أو ربما المحدود لدور المرأة، وهو أيضا نموذج مضاد لما حاولت "القوى الناعمة" الغربية تصديره لنا والسيطرة به على أذهان بناتنا لسنوات، وهو النموذج القائل بأن تميز المرأة إنما هو فى بحثها عن حريتها أو مساواتها بالرجل؛ واليوم بات واجبا علينا تصدير نموذجنا عن المرأة ليس فقط بالكلمات والعبارات الإنشائية ولا بالتاريخ السالف القديم، وإنما بتطبيقات وتضحيات ليس أقل من الاحتفاظ بها ورصدها لتبقى أثرا لسنوات وسنوات قادمة. كما يقع وبالموازاة العديد من المفاهيم الأخرى التى نكتبها الآن من خلال ممارستها ومعايشتها؛ مثل الانقلاب، الشرعية، الثورة، السلمية، ازدواجية المعايير... وغيرها من المفاهيم التى تصلح للانتقال بها إلى ذاكرة الأمم والحضارات بناء على الإنتاج الحالى لها.

من كل ما سبق، يعنى أننا الآن باستطاعتنا محاصرة الوعى "الانقلابى" وتهديده ليس فى الحاضر فقط، وإنما فى المستقبل القريب والبعيد، وليس فى حدودنا الجغرافية فقط، وإنما نصنع فى مواجهته وعيا "عولميا" كوكبيا مؤبدا، وعيا جديرا بطبيعة القضية ومرحلتها الفاصلة.

فجر عاطف صحصاح

 
 
   Bookmark and Share      
  
 قضية الشرعية.. وبنية الوعى "الآجل" فى حياة الأمة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7