الجمعة 6 ديسمبر 2013

المقدمات البائسة تؤدي لنتائج بائسة، ونظرتك للعالم تحدد ردود أفعالك نحوه، لذلك أحاول هنا عبر مواقف حدثت معي أو نقلها لي من أثق به أن أكمل محاولة الصديق المدون محمود عزت، لنفهم إجابة السؤال الذي يقوله بعضنا منفعلا من وقت لآخر عن أهل وأدوات السلطة: "هما بيعملو معانا كده ليه؟".

خلاصة ما وجدته أن سبب أنهم "بيعملو معانا كده" ليس ببساطة أنهم أشرار أوغاد، بل غالباً لأن رؤيتهم للعالم مختلفة تمامًا عنا، وبالتالي أغلبهم لديه عقيدة يقينية بأنه يقوم بعمل وطني أو ديني، وليس مجرد تنفيذ أوامر، وهذا أسوأ وأعقد بكثير للأسف.

كيف ينظر سيادة الباشا إلى التعذيب؟

الباشا هنا هو سيادة اللواء، رئيس إدارة حقوق الإنسان بوزارة الداخلية، ومساعد وزير الداخلية لشئون حقوق الإنسان، وقت حدوث القصة في عهد مرسي.

اتصلت به لآخذ منه تعليقًا صحفيًا على تكرار حوادث التعذيب، وتحديدًا كنت وقتها أتابع حالة الشهيد سعد سعيد، لكنه أصر بكل ذوق على أن "أشرفه" في مكتبه بالوزارة.

استقبلني بنفسه على باب المكتب. وجه طيب ودود مبتسم، شعر أشيب يوحي بالوقار، وفي لفته تواضع متعمدة أخذ كوب عصير الليمون من الساعي وقدمه لي بنفسه.

قال بصدق حقيقي أن "عقيدة الوزارة تغيرت، والأولوية الآن لمعاملة المواطنين بكل احترام وحفظ للكرامة"، واستعرض بحماس تنظيم إدارته لدورات تدريبية على حقوق الإنسان للضباط، وأراني منشورات وكتيبات مليئة بكلام عظيم جدًا.

أذكر تحديدًا منشور يحمل عنوان "مدونة قواعد سلوك وأخلاقيات العمل الشرطي"، أفتخر سيادة اللواء أنه تمت كتابته للمرة الأولى في تاريخ مصر بعد الثورة، وأنه موجود في كل قسم على مستوى الجمهورية، وتعلمه جميع الضباط. لا أظن أن الشرطة السويسرية تملك أفضل من القواعد والتعليمات التي قرأتها بهذا المنشور!

سيادة اللواء أكد مرارًا على أن أي ضابط متجاوز أو مخالف سيتم اتخاذ الإجراءات الإدارية ضده فورًا من الوزارة، بالإضافة للإجراءات القضائية.

حتى هذه النقطة كنت صامتًا أؤمن على كلامه، ثم شعرت أنه "جاب آخره" و"كفاية بقى"!، وهكذا قلت له "لكن يا فندم مركز النديم لدعم ضحايا التعذيب قال في تقريره عن التعذيب في أول 100 يوم من عهد مرسي إنه وثّق 88 حالة تعذيب على يد الشرطة منها 7 هتك عرض، و34 قتيلا على يد الشرطة تحت التعذيب أو باستخدام مفرط للقـ..."

قاطعني فورًا بعد أن اختفت الابتسامة في لحظة، وظهر وجه رجل الأمن الصارم "مركز النديم ده إحنا عارفينه، وهو مركز غير مهني، وله علاقات مشبوهة، وبيصدقو أي كلام يقوله أي حد"

قلت له "خلاص يا فندم بلاش النديم، برضه مراكز هشام مبارك والمبادرة المصرية للحقوق الشخصــ.."

قاطعني بغضب "دي كلها مراكز مشبوهة وغير موثوقة، احنا هنا لا نصدق إلا مركز واحد فقط، هو المجلس القومي لحقوق الإنسان"

أحضر كتابًا ضخمًا هو تقرير المجلس القومي، واختار منه صفحة معينة أراها لي في انتصار، حيث كانت تتحدث عن تحسن أداء الوزارة، وعن أنها أكثر وزارات الدولة استجابة للشكاوى الواردة للمجلس.

قلت له "لكن يا فندم أنا شخصيًا تابعت كذا حالة تعذيب، وخلاص ما دامت المراكز دي غير موثوقة، ليه إدارة حضرتك مش بتطلع تقرير فيه حصر وتوثيق المخالفات اللي وجدتوها، والتعامل اللي تم معاها، عشان كل الناس تعرف جهودكم؟"

هنا سقط القناع عن القناع، وقال لي بغضب "بص بقى يا بني .. أنا هاجيبلك من الآخر .. حقوق الإنسان دي للناس النضيفة اللي زيي واللي زيك، لكن إحنا بنتعامل مع أشكال ماتجيش إلا بالأسلوب ده .. أنت نفسك - يشير بأصبعه السبابة لي بينما يرتفع صوته - لو حد اعتدى على خطيبتك أو أختك أو حتى سرق شنطتها، هتبقى عايز تموته مش تعذبه بإيدك بس"

ثم هدأ وظهر على وجهه تعبير خشوع وورع حقيقي وهو يقول، "وبعدين أنت عارف إيه هو حد الحرابة في الإسلام؟ حد المفسدين في الأرض هو أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف .. يعني إحنا في الداخلية مهما عملنا بنعمل أقل بكتير من الحد الإسلامي الواجب!"

سيادة الباشا يرى التعذيب واجبًا وطنيًا ودينيًا أيضًا!

كيف ينظر سيادة الباشا إلى المحاكمات العسكرية؟

الباشا هنا هو سيادة اللواء، الرجل الثاني في القضاء العسكري سابقًا.

تحدث معي بكل ذوق، وبلهجة أبوية خالصة - يصدقها سنه الكبير المتجاوز للمعاش - لم يتوقف عن تكرار "يا محمد يا بني". ظهر من كلامه أنه مثقف جدًا، بينما يعدد شواهد دور الجيش عبر تاريخ مصر، ويحكي عن الشهادات القانونية العليا التي حصل عليها.

"القاضي العسكري مش مجرد ضابط يا محمد يا بني، ده ممكن ياخد دكتوراه في القانون، ومستحيل ضميره وشرفه القضائي يسمح لأي مخلوق يتدخل في أحكامه، دي ماحصلتش طول حياتي"

بعد أن انتهى من مرافعته التي تضمنت ضرورة محاكمة من يعتدي على معدات القوات المسلحة عسكريًا لأن المدني لا يفهم جوانبها الفنية، وأن هذه ضرورة في كل دول العالم التي تتعرض لأخطار مماثلة لنا، قلت له أن الحقوقيين المعارضين وثقوا حالات تم إصدار أحكام مشددة عليها في بضعة أيام دون محام، وأن بعض المحامين تم منعهم من حضور التحقيقات مع موكليهم، فبدأ الغضب يظهر في صوته لكنه حافظ على تهذيبه قائلا "اللي بيقولك كده قولهم أنتم غير صادقين".

بدأت أحدثه عن الصيغ المقترحة لتقييد حق المحاكمات لنضمن اقتصارها على حالات الاعتداء فقط، فقاطعني صائحًا وقد سقط القناع عن القناع:

"الجيش هو عمود الخيمة الأخير الذي يحمي الوطن من السقوط .. اللي يقولك عايز يقرب من مواد الجيش يبقى جاهل أو مخرب، دول شوية عيال بـ (......)، واللي يقولك عايز يغير كلمة من مادة المحاكمات قوله روح العب عند ماما، روح شوفلك حتة تـ(.....) فيها!"
سيادة اللواء يرى المحاكمات العسكرية للمدنيين عملا وطنيًا!

كيف ينظر سيادة الباشا إلى يوم 28 يناير؟

الباشا هنا هو ضابط شارك بنفسه في قتل معتصمي الإخوان في أحداث المنصة.

قال سيادته بقناعة تامة لقريبه الذي روى القصة لي "إحنا كده ما عملناش فيهم حاجة، ياريتنا موتنا منهم أكتر، ده إحنا كنا بنشوف المدرعات والعة بإخواتنا يوم 28 يناير ومش قادرين نلحقهم، والإخوان هما اللي عملوا كده!"

في الماضي كنت أظن أن بيان الداخلية مساء 25 يناير ثم البيانات التالية التي تحمل المسئولية للإخوان مجرد استخدام لفزاعة إعلامية لتخويف الناس، حتى اكتشفت من مواقف متتالية متشابهة أنهم مقتنعون بهذا الكلام فعلاً!

الداخلية تنظيم ضخم، لا يمكنه أبدًا تصور أن الشعب، هذا الضعيف التافه - ثار تلقائيًا وأحرق 100 قسم و 4000 سيارة ومدرعة شرطة، لذلك التفسير الوحيد المقبول هو أن تنظيمًا ضخمًا آخر هو من هاجمهم، وهذا التنظيم هو طبعًا الإخوان مع حلفائهم من حماس.

باشا آخر كان في وزارة الداخلية يوم 28 افتخر بأنه قتل بنفسه المتظاهرين أمام الوزارة "هوا أنا لسه هاضربه في رجله؟ هيا رصاصة في راسه ونخلص، وأنا كده موقفي قانوني 100% لإني بادافع عن منشأة من أهم منشآت الدولة، وكمان ده دفاع شرعي عن النفس"

سيادة الباشا يرى أن يوم 28 يناير كان مؤامرة إخوانية، وأن الضباط القتلة كانوا يؤدون واجبهم!

كيف ينظر سيادة الباشا إلى الإضرابات؟

الباشا هنا هو رجل أعمال، يملك مصانع ضربتها موجة الإضرابات بعد الثورة.

قال الباشا بوضوح لقريبه راوي القصة لي "العامل المصري طماع وكسول، طول الوقت بيفكر هو بياخد إيه مش بينتج إيه، ياريتني أقدر أجيب العمالة كلها من بنجلاديش!"

سأله قريبه إن كان المصنع يخسر فقال أنه يكسب، لكنه رفض تمامًا فكرة أن يتنازل عن جزء من الأرباح للعمال.

"إحنا بقينا دلوقتي بنكسب أقل عشان السوق نايم بعد الثورة، ومش معقول نكسب أقل كمان عشان ندي العمال اللي مش عايزة تشتغل!" ثم تساءل متعجبًا "واشمعنى دلوقتي بس افتكرو إنهم مش عايشين كويس؟"

ولا يفوته طبعًا التأكيد على أن "الإضرابات ضد الإسلام، الإسلام بيأمر بالاجتهاد في العمل وطاعة أولي الأمر، مش الطمع"

كان سيادة الباشا معجبًا جدًا بقانون منع الإضرابات الذي أصدره المجلس العسكري وقتها، وتعجب من عدم تطبيقه "مفروض الجيش يلم العيال اللي بتتظاهر على العمال اللي بتضرب، مش فاهم سايبهم ليه؟!"

سيادة الباشا يرى أن الإضرابات جريمة غير مبررة، وقمعها فعل قانوني!

كيف تنظر أنت إلى ثورتك؟

بعد 3 أعوام من الثورة هل مازلت تذكر لماذا خرجت أصلا؟ هل مازلت تذكر أن هتافك كان "عيش حرية عدالة اجتماعية"؟

حين قال الأبنودي "إحنا شعبين شعبين" كان يقصد شعب العامة وشعب "الباشاوات"، وهو نفس ما قصده أحمد فؤاد نجم في قصيدة "هما مين واحنا مين". لم يكونا يعرفان أنه ستأتي لحظة ينقسم فيها شعبهم إلى بدوره إلى شعبين يتبادلان كلمات الأغنية المقيتة "إنتو شعب واحنا شعب"، بينما يحالف شعب سيادة الباشا أحدهما ضد الآخر، مرة تلو المرة مع تغير المواقع.

نظرة سيادة الباشا مفهومة جدًا، فهو يدافع عن مكتسبات طبقية واقتصادية ذاتية جدًا، ولكن لأنه يحتاج لإيجاد مبرر آخر أمام نفسه قبل غيره، فهو يقول ويصدق قبل غيره كل تلك الديباجات الوطنية والدينية.

مفهوم جدًا أن يقول وزير الداخلية "ما فيش خرطوش"، لكن غير مفهوم أن يقولها سعد الكتاتني فيصفق له مجلسه، ثم يكررها المناضل العظيم حسام عيسى!


مفهوم جدًا أن يبرر سيادة الباشا التعذيب، لكن غير مفهوم أن أجد الإخوان يفعلون ذلك في عهد مرسي، ثم يتكرر نفس الكلام ضدهم الآن. حين نشرت تحقيقالتعذيب داخل معسكرات الأمن المركزي، كانت تعليقاتهم تتراوح بين شتيمة الإعلام الكاذب وبين "يستاهلو دول بلطجية"، ثم الآن تتكرر نفس التعليقات حرفيًا على الجانب الآخر.

مفهوم جدًا أن يرفض سيادة الباشا المظاهرات، لكن غير مفهوم أن يحاول الإخوان إصدار قانون التظاهر، ثم يصدره بالفعل نفس من كانوا يعارضوه في عهدهم، ويسكتوا عن قمع وقتل أكثر فداحة بكثير مما كانوا يعارضونه حتى في عهد مبارك!

ما الذي يجعل أحدًا غير "شعب الباشاوات" يتبنى نفس رؤيتهم للعالم؟

يبدو أن إجابة سؤال "هما بيعملو معانا كده ليه؟" أقل صعوبة من سؤال"احنا بنعمل في بعض كده ليه؟".
محمد أبو الغيط

 
 
   Bookmark and Share      
  
  كيف ينظر سيادة الباشا إلى ثورتك؟

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7