الثلاثاء 10 ديسمبر 2013

إن طاقات الشباب المعارض للانقلاب بفئاته المتنوعة من شعب مصر من رجال وسيدات ظلوا مستنفرين ومستمرين فى احتجاجهم وفى مواجهة الانقلاب ليعبروا بذلك عن طاقة حقيقية تستمر للآن منذ الثالث من يوليو، كما لا يمكن أيضا أن نغفل جهود العديد من الحركات والتحالفات الشبابية سواء حركة أحرار أو الميدان الثالث أو غيرها بما يعبرون به عن غضبهم حيال المشهد السياسى الاستقطابى الذى أوصل هذا الانقلاب إلى بنيات المجتمع ذاته وإلى حركة واسعة من تفكيك المجتمع وتماسك جماعته الوطنية بما يهدد بحق أمن مصر القومى والسلم الأهلى فى المجتمع المصرى؛ كل هذه الفاعليات إنما تعبر عن طاقات فاعلة فى هذا الشباب لا يمكن أن تخطئها عين، فمن جوف محنة الانقلاب تولد منحة وطاقة وفاعلية الطلاب والشباب.

ومن هنا فإن مستقبل مصر السياسى الذى لا يمكن أن يبنى على قاعدة انقلابية ولا فى ظل أجواء منظومة عسكرية فاشية، ولا دولة بوليسية قمعية، كل هذا لا يمكن إلا أن يؤشر على قاعدة الاستبداد وعلى القيام بمصادرة إرادة هذا الشعب المتمثلة فى تصويته خمس مرات، فهل يمكن أن نؤمن مستقبلنا فى هذا المناخ الذى يصدر فيه دستور انقلابى، وانقلاب لا يحترم صوت الشعب، إن دستور الانقلاب لا يصلح للتوافق، قلتم من قبل «إحنا شعب وانتو شعب» ومن هنا فإن دستور يعكس تلك المقولة ويصاغ فى مناخ استئصالى لا يمكن أن يشكل دستورا تعاقديا يرضى عنه الناس ويحقق طموحات ثورة 25 يناير التى طُمس ذكرها فى مسودة دستور الانقلاب.


نريد لمصرنا أن تكون دولة المسئولية والمساءلة، الدولة التى تعبر عن ثابت تاريخى يتعلق بفاعلية هذه الدولة، ليست هذه الفاعلية فى القتل والخنق والحرق ولكنها دولة المسئولية عن كل فرد وعن كل تكوين اجتماعى ومجتمعى، والمحافظة على كل الفاعليات الاجتماعية فيها لأنها مسئولة مسئولية مباشرة عن شبكة العلاقات الاجتماعية فى الدولة وعن تماسك الجماعة الوطنية وعن السلم الأهلى فيها، أى مقام مسئولية فيما ترونه أنتم فى دولتكم الافتراضية القائمة على «تنين هوبز» الذى إذا لم يستطع أن يسيطر ويتحكم فى المواطنين فإنه مفترسهم وقاتلهم.


إن من أهم النتائج التي تتعلق بهذه المرحلة الانتقالية الانقلابية الثالثة إنما شكلت في حقيقتها بلورة في غاية الأهمية للمطالب الحقيقية لثورة الخامس والعشرين من يناير وشكلت بحق دافعا لاستعادة هذه الثورة في جوهرها ومطالبها ومكاسبها، ومحاولة التأكيد على أن هذه الثورة هي المستهدفة من هذه الحالة الانقلابية في إطار عملية تطويقها ومحاصرتها والقدرة على الالتفاف على مبادئها ومطالبها الأساسية والتأسيسية، إن ذلك يدل ومن كل طريق على معنى الملحمة الثورية الممتدة التي لا تعرف الكلل ولا الملل وتشهد تطورات ومنعطفات ومنعرجات وأزمات ولكنها في كل الأحوال كما تكشف النقاب عن وجوه الثورة المضادة ومفاصل التمكين لها فإنها كذلك تقوم بدورها الكاشف والفارق في بيان قوى الثورة الحقيقية والقدرة على إدارة هذه الملجمة الثورية في تصاعد احتجاجاتها لتعبر بذلك عن حالة ثورية لا يمكن الانقضاض عليها وبما تمثله من قدرات حقيقية لحماية هذه الثورة والحفاظ عليها واستعادة روحها وجوهرها في الحفاظ على كرامة المواطن التي تنتهك بعودة الدولة البوليسية ومكانة الوطن التي تقزم بأفعال المنظومة الانقلابية وبما يمتهن أهم الأهداف الحقيقية لثورة 25 يناير.


كذلك فإنه من المنح الثورية في إطار هذه الملحمة الثورية من ضرورة فتح باب العلاقات المدنية العسكرية والتعامل مع هذه الحالة بما تستحقه من اهتمام والذي كشف النقاب عن أن تشوه هذه الصفحة هو وحده المسئول عن إفراز مواقف وسياسات شائهة تمثلت في الحالة الانقلابية الأخيرة، كان ذلك بمثابة كشف النقاب عن المعركة الحقيقية على ما يحيط هذه الصفحة من قضايا متعددة شديدة التعقيد والتشابك وشديدة الالتباس مما يجعل التعامل الاستراتيجي معها أمر شديد الدقة والأهمية والخطورة.


كذلك من أهم تلك الشواهد والمؤشرات على هذه المنحة الثورية ما يتمثل في التأشير على خطة واستراتيجية الإصلاح الجذري التي أثبتت أرض الوقع ضمن هذه المراحل الانتقالية من ضرورة التخطيط لها والعمل لها على رسم سياساتها في إطار استراتيجية كلية لإصلاح وتغيير جذريين بما يستحقه ذلك من أدوات وآليات وترتيب وأولويات وتسخير قدرات وإمكانات وتحقيق أهداف ومقاصد وغايات، ذلك أن المنحة الثورية قد كشفت خريطة الحالة الانقلابية التي يراد التمكين لها واستعادة كافة شبكات الاستبداد والفساد وهو ما يكشف عن حال العوار الحاد في مسار خريطة الطريق التي تقطع الطريق في حقيقتها على المسار الديمقراطي ومتطلباته الأساسية لتحقيق أهداف الثورة الحقيقية.


كذلك فإن هذه المنحة الثورية قد كشفت ذلك النفاق الرهيب في التعامل مع الحالة الشبابية وشعار تمكين الشباب الذي لم يكن إلا غطاء لمحاولة تفريغ هذا التمكين من حقيقته وسياسته التي تسهم في عملية تمكين حقيقية وصار الأمر الذي يتعلق بتمكين الشباب مجرد شعار تستخدمه القوى السياسية المختلفة والنخب السياسية المحنطة كقنابل دخان لمحاولة فرض سيطرتها وتوظيف بعض الشباب كأدوات لمآربها ومصالحا الأنانية المؤقتة، ولم تبرز حالة التمكين تلك في إطارها المجتمعي ولا على قاعدة من النهوض التنموي أو التمكين في مجالات العمل المدني والمحلي وفي إطار من ضرورات العمل لبناء مستقبل مصر السياسي والاجتماعي.


ومن جوف هذه المنحة الثورية انكشفت عن مفاصل المطالب الأساسية والتأسيسية التي تؤصل لمعنى الكرامة للمواطن والمكانة للوطن وبما تمثله حقوق الإنسان وحريات التعبير والقصاص وحقوق الشهداء واستراتيجيات التنمية التي يجب أن تنهض بالأوطان في ظل سياقات تحافظ على العدالة المجتمعية والعدالة الاجتماعية بكل صورها ومساراتها، إنها لم تكن إلا التعبير عن شعار ثورة الخامس والعشرين من يناير: العيش الكريم، والحرية الأساسية، والكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية.


وأيضا فإن ن أهم المنح الثورية في هذا المقام بروز حركات شبابية جديدة ومتجددة في سياق مواجهة الانقلاب والسياسات القمعية لتعبر بذلك عن الطاقة الشبابية الحقيقية لمواجهة الحالة الانقلابية والدولة القمعية على حد سواء وفي إطار كاشف عن حس سياسي عميق يظل الشباب يحمله بوعيه، وفي ذات الوقت مثل ذلك حالة كاشفة للنخب المدعاة من سياسية ومجتمعية وثقافية وفكرية والتي كانت أهم أسباب محنة هذه الثورة في مراحلها الانتقالية والتي تحولت فيها من نخبة محنطة إلى نخبة منحطة في أهدافها وفي وسائلها وكذلك أفرزت هذه المحنة الانقلابية وهذه المنحة الثورية حالة كاشفة وفارقة لأزمة التيار المدني في مصر وكذلك أزمة التيار الإسلامي على حد سواء؛ إلا أن أزمة التيار المدني التي تمثلت في الدفع بالحالة الانقلابية ومساندة رموزها ليشكل ذلك سقوطا مدويا ومروعا لقيمها المدنية وإطار استدعائها المستمر للعسكر إلى الحياة السياسية أما أزمة التيار الإسلامي فقد تمثلت في خطابه وممارساته التي لم ترتقي إلى المستوى القادر للتعبير عن مفردات هذا المشروع إلى مشروع وطني جامع، وهو أمر يشير ومن كل طريق إلى خطورة الاسنقطاب المجتمعي وتهديد مشروع الجماعة الوطنية في إطار ممارسات هذه النخبة من جهة والحالة الانقلابية التي زادت الطين بله، والسياسات الاستئصالية العنصرية التي تأسست على خلق حالة من صناعة الكراهية.


ومن المهم في هذا المقام أن نشير إلى أن التراكم الاحتجاجي قد كشف عن حالة من الابداعات الثورية وتطوير الهتافات والشعارات في إطار يفعل الوظيفة الرمزية وقدراتها وحرك ذلك عمل مهم في ابتكار عناصر احتجاج ضد الانقلاب كان لها تأثير في مواجهة المنظومة الانقلابية والسياسات القمعية .


في ظل هذا الاطار فإنه من الواجب أن نتعلم الدروس الحقيقية من مراحل انتقالية يجب الوقوف على أهم سماتها أن تخرجنا من حالة الاستقطاب المجتمعي وتهديد مشروع الجماعة الوطنية والانزلاق إلى احتراب أهلي وتهديد السلم الاجتماعي من خلال الوعي بضرورات النقد الذاتي كحالة مجتمعية ضرورية وتدريبية وممارسة حقيقية في المجتمع والسياسة والثقافة وكذلك ضرورة التعرف على المبادئ الكلية لإدارة التعددية والاختلاف والحوار والتوافق في إطار من الشفافية التي تحمل عمليات المصارحة والمكاشفة والمصالحة والمسامحة، وكذلك فإن من أهم الاصول التي يجب ان تراعى في مراحل الانتقال هو عدم التفريط بضرورات التفكير الاستراتيجي والعمل على إدارة الأزمات في سياق ان تكون الشعوب والأطراف المختلفة جزءا من الحل لا طريقا إلى افتعال الأزمات والتمييز، كل ذلك يحيلنا إلى الضرورة الكبرى إلى الاهتمام بعلم إدارة المرحلة الانتقالية استمساكا بالرؤية الاستراتيجية وخروجا على الممارسات العشوائية لأن ذلك كفيل بحق أن تنتهي هذه المراحل الانتقالية بما يحقق أهداف ومكتسبات الثورة المصرية.


نحن في أشد الحاجة إلي علم جديد اسمه علم إدارة المرحلة الانتقالية.. لأن هذه المرحلة ربما تكون أخطر من الثورة ذاتها.ففي المرحلة الانتقالية تسرق الثورات وتنحرف عن مسارها .. ويتم الالتفاف حولها وحول مبادئها وأهدافها ومكتسباتها.. ولذلك يجب أن نكون على يقظة كاملة في إدارة هذه المرحلة.


فالمجتمع كله يحتاج إلى عملية انتقال في إطار ما يمكن تسميته بالانتقال المجتمعي. وما يحدث من سلبيات بعد الثورة ترجع إلى عجز إدارة المرحلة الانتقالية، والسبب الحقيقى فى شيوع حالة الاضطراب والارتباك فى المجتمع المصرى مثلا في المرحلة الانتقالية ترجع إلى عدم وجود تصور كامل لمتطلبات المرحلة الراهنة، إضافة إلى تمسك الناس بنفس السلوك وطريقة التفكير التى اعتادوا عليها قبل قيام الثورة، وهذا ما يؤكد أن روح الميادين لم تتنقل للناس بعد.


لذلك تحتاج البلاد العربية إلى تأصيل علم إدارة المرحلة الانتقالية بعد حدوث الثورات بها، فهذه المرحلة تنقسم إلى ثلاثة أجزاء، أولها انتقال الحال، ثم الانتقال السياسى والمؤسسى، وأخيراً الانتقال المجتمعى، والفترة الانتقالية لها تحدياتها الأساسية الت تقدمت الإشارة إليها.


علي أن قاعدة نجاح المرحلة الانتقالية مرتبطة بنجاح الثورة ليس فى الإطاحة برأس النظام ولكن بالقضاء على المنتفعين طيلة سنوات حكم الأنظمة الفاسدة، ثم تأسيس أنظمة ديموقراطية بديلة مع التمكين للثورة، باستعادة الإجماع الوطنى ونبذ كل استقطاب أيديولوجى لمواجهة مؤامرات للثورة المضادة.


صورة المستقبل تحتاج إلى تصور هادئ لما يجب أن تكون عليه الدولة ، رؤى تتحسب لما يمكن أن يقع من السلبيات كالانهيار الاقتصادي، والتفكك الأيديولوجي، أو استمرار بعض الاتجاهات الفاسدة في أركان الدولة، واستمرار الفوضى الأمنية، .. وفيها أن كل جهة سترسم صورة المستقبل المنشود من وجهة نظرها، ثم تلتئم هذه الرؤى على أرضية واحدة؛ هي أرضية الوطن: روحه ومصالحه ، هنا فقط يمكن ان تنتهى الحلقة المفرغة من مراحل الانتقال.
سيف عبد الفتاح

 
 
   Bookmark and Share      
  
  المنحة الثورية في مواجهة المحنة الانقلابية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7