الجمعة 13 ديسمبر 2013

مارس القضاء فى مصر أخطر الأدوار فى الثورة المضادة، وكان من أخطر وأهم آلياتها، حيث اعتمد عليه النظام السابق الفاسد والدولة العميقة ومجموعة الفساد والفاسدين الذين أنتجهم حكم العسكر منذ انقلاب 1952م حتى الآن، بل أكثر من ذلك تآمر مع الخارج والداخل على الشعب المصرى، وما زال يلعب نفس الدور التآمرى الخطير، وتمثله دوره فى إضفاء شرعية على فساد الفاسدين فضلا عن حماية الفاسدين من أن تمتد إليهم يد العدالة، وكان القضاء فى مصر من أهم أركان النظام الفاسد السابق، هو يعد من أهم وأخطر أسلحة الانقلاب العسكرى الدموى فى مصر، يستخدم فضلا عن تقنين الباطل فى التكيل بمؤيدى الشرعية معارضى الانقلاب العسكرى.

باستقراء الأحكام التى صدرت عن القضاء فى مصر منذ قيام ثورة 25 يناير وحتى تاريخه تجدها تصب فى خانة الثورة المضادة وحماية الدولة العميقة، فالمحاكم على اختلاف درجاتها وأنواعها أصدرت أحكام ضد الثورة والثوار، ولم يقتصر الأمر على نوع معين بل كل مؤسسات القضاء كانت معول هدم لأى مؤسسة تنتخب من الشعب ووقف القضاء فى مصر بالمرصاد لأى إنجاز ديمقراطى بالبطلان والإلغاء، فقد كان القضاء الجنائى أبرز عنوان على ذلك بمهرجان البراءة للجميع لقتلة الثوار فى كافة محافظات مصر، وأسهمت النيابة العامة بالإفراج الفورى على كل بلطجى يلقى القبض عليه، وجعلت الحبس الاحتياطى عقوبة ووسيلة للتنكيل بالثوار وليس تدبيرا احترازيا لكل الثوار الحقيقيين.

ووقفت المحكمة السياسية العليا الدستورية سابقا بالمرصاد أيضا لكل ما تنتجه إرادة الشعب المصرى فحلت مجلس الشعب المنتخب بعدم منعدم مخالف ومصادم لأبجديات القانون الدستورى، وتربصت بمجلس الشورى المنتخب أيضا لولا الإعلان الدستورى الذى حصنه هو والجمعية التأسيسية لأطاحت به فى حكم منعدم أيضا، والقضاء الإدارى مارس دورا فى تقنين الباطل، وإبطال كل إجراء صحيح وخالف القانون والثابت والمستقر فى أحكامه السابقة، وخاصة فى أعمال السيادة التى تخرج عن سلطة القضاء.

ولم تكن محاكم الجنح ببعيد عن تقنيين الباطل وشرعنته وحمايته، بل أصدرت أحكاما لا تمت للقانون بصلة، أحكاما سياسية انتقامية للتنكيل بمؤيدى الشرعية، حيث أصدرت محكمة جنح الجمالية حكما بمعاقبة عدد من طلاب الأزهر كل طالب (17) عاما سجنا لمجرد التظاهر السلمى، مخالفا بذلك نص المادة (32) من قانون العقوبات التى نصت على معاقبة المتهم بعقوبة الجريمة الأشد إذا تعددت الجرائم عن نشاط إجرامى واحد، فقد خالفت المحكمة أبجديات القانون وأعطت كل طالب الحد الأقصى لجرائم لا توجد أى دلائل عليها فى أوراق القضية، وتم تحديد جلسة استئناف لهم فى شهر فبراير القادم إمعانا فى التنكيل بهم، كما أن هذا الحكم يخالف المادة (375) من قانون العقوبات المصرى بشأن البلطجة حيث لا تنطبق هذه المادة عليهم.

وحكم محكمة جنح سيدى بشر القاضى بحبس (14) من فتيات الإسكندرية (11) سنة لكل منهن، ومع ضغط المظاهرات تم تحديد جلسة بالاستئناف فى أسبوع وتم تخفيض الحكم إلى سنة مع الإيقاف، وذلك له دلالات كثيرة؛ المحكمة بهذا الحكم جرمت التظاهر السلمى، وهذا مخالف للقانون والدساتير واتفاقيات ومواثيق وإعلانات حقوق الإنسان التى أكدت الحق فى التظاهر السلمى، كما أن النزول بالعقوبة من (11) سنة إلى سنة مع الإيقاف يؤكد أن حكم محكمة الجنح كان مصابا بخطأ مهنى جسيم يستوجب احالة القاضى الذى أصدره للجنة صلاحية، لأن الفارق بين الحكمين كبير، الحكم يحمل فى مجمله عقوبة وهذا يخالف الحقيقة مما يبيح الطعن عليه بالنقض، ويشكل سابقة لو تظاهرن مرة أخرى خلال خمس سنوات يحكم عليهن بالحد الأقصى للعقوبة طبقا للمادتين (49/ثانيا و50) من قانون العقوبات بشأن العود، والإيقاف للتنفيذ مشروط بعدم اشتراكهن أو اتهامهن فى أى قضية خلال عام، فضلا عن أن وضع الفتيات القاصرات تحت الاختبار القضائى لمدة 3 شهور، ويترتب عليه كتابة تقرير أمنى عن نشاطهن، وهذا الحكم ينفذ حالة ارتكابهن أى تهمة، ويمكن للداخلية أن تقبض عليهن وتلفق لهن اى تهمة ويحكم عليهن بالحد الأقصى للعقوبة أو على الأقل بالسنة، كما أن الفعل الذى ارتكب لا يشكل جريمة طبقاً لأسباب الإباحة فى قانون العقوبات المواد من 60 إلى 63 والقاعدة المستقرة (لا مقاومة لفعل مباح) إذًا لا مقاومة ولمحاكمة ولا تجريم للفعل المباح وهو هنا حق التظاهر السلمى، وهذا الحكم جرم فعلا مباحا وشرعن بذلك للباطل.

والحكم يبعث برسالة للشعب المصرى مفادها أن قانون التظاهر تم تنفيذه وطبق وانتهى الأمر، ويتضمن أيضا رسالة تحذير للمتظاهرين أن من يتظاهر فإن السجن فى انتظاره، كما أن أحكام محكمة جنح الجمالية (17) سنة سارية حتى الآن مما يشكل تهديدا وتحذيرا للطلاب المصرين على التظاهر حتى الآن فى كافة جامعات مصر، وتنحى محكمة جنايات القاهرة عن نظر قضية الدكتور محمد البلتاجى والدكتور صفوت حجازى ليس لأن القاضى ضميره استيقظ لو كان الأمر كذلك لأفرج عنهما، ولكنها محاولة لتهدئة الأوضاع لتمرير دستور لجنة الفاسدين الفاشلين.

أقدم القضاء على الوقوف بجانب الانقلاب العسكرى وأضفى عليه شرعية مقابل تعيين الفاشلين من أبناء القضاة بالنيابة العامة خاصة والدفعة الأخيرة استأثر أبناء القضاة على ربع المعينين بها، وبالهيئات القضائية الأخرى عامة، ومقابل مرتبات خرافية ولا تخضع للضرائب، فضلا عن امتيازات كثيرة مالية وعينية، فضلا عن مد الخدمة لسن السبعين من العمر، وفتحت لهم الوزرات للعمل كمستشارين لهذه الوزرات بمرتبات خرافية.

_________________

أستاذ القانون الدولى

د. السيد مصطفى أبو الخير

 
 
   Bookmark and Share      
  
  القضاء فى مصر وتقنين الباطل

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7