الإثنين 16 ديسمبر 2013

دعا ياسر برهامى، نائب رئيس الدعوة السلفية بالإسكندرية، إلى التصويت بـ"نعم" على الدستور، وبرر دعواه -فقها- بما يعتبره من باب النظر إلى المآلات والبدائل، والمضطر الذى يأكل الميتة، وأحيانًا لا يكون أكل الميتة للمضطر مباحًا، بل واجبًا إذا غلب على ظنه الهلاك إذا لم يأكل. وعلل لذلك بأن: مستقبل البلاد "إذا لم تكن المشاركة قوية وبالقبول" فسيكون فى خطر.

وأقول:

ماذا تريد بفتواك يا برهامى؟ أتريد إنقاذ الانقلابيين واستكمال مسيرة التأييد للظالم المتغلب وتمكين الانقلابيين من البلاد؟ أم تريد إنقاذ نفسك وحزبك بعد أن لفظتكم كل أرض وطئتها أقدام الأحرار؟

ألست القائل: إن الدستور موافق للشريعة؟ فإذا كان كما قلت، فلماذا تعتبر الموافقة عليه والتصويت عليه بنعممن باب الضرورة وأكل لحم الميتة؟ هذا تناقض صارخ، أوقعك فيه عدم لزومك الحق، وعدم اعترافك بالخطأ الذى ارتكبته يداك -أنت وكل من وافقك فى حزب النور حين أيدتم الانقلاب- فاتبعت التبرير تلو التبرير. وهذا كذلك ضعف فى الاحتجاج والاستدلال لا يرجع إلى ضعفك ولا إلى قوة من يخالفك، وإنما يرجع إلى ضعف الباطل الذى نصبت نفسك مفتيا له ومدافعا عنه، وإلى قوة الحق الذى ناصره من خالفوك واعترضوا عليك.لأن القضية اليوم تجاه الانقلاب ليست قضية اختلاف فى وجهات النظر يقبل فيها تعدد الرؤى أو يقال فيها: بالصواب والخطأ، ولكنها قضية حق وباطل.

ألم تقرأ فى القرآن الكريم والسيرة النبوية، وأخبار الصحب الكرام، وسير أعلام النبلاء وتراجم الرجال من الفقهاء والمحدثين أمثال أبى حنيفة ومالك والشافعى والبويطى وابن حنبل وابن تيمية وابن القيم وغيرهم عن التضحية وجهاد الظالمين، وتحمل الأذى فى سبيل الله تعالى، والبذل، والعطاء والشهادة فى سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، بدل الحديث عن أكل لحم الميتة وفقه المآلات والبدائل الذى تتكئ عليه؟.

ألا تعرف من الفقه الإسلامى إلا فقه الضرورة والبدائل؟ وهل الموافقة على الدستور بنعم هى البديل الوحيد الذى اهتديت إليه؟.

أما درست من الفقه الإسلامى إلا فقه الضرورة، أما فقه الجهاد والسير فقد حذف من المقرر؟.

ألا تجيد من الفقه الإسلامى إلا فقه تقسيم الفىء –هو ما أخذ من العدو بدون قتال-أما فقه توزيع الغنائم –ما أخذ من العدو بعد قتال-فلا نجد له فى كلامك ولا حياتك أثرا؟.

ألا تحسن من الفقه الإسلامى إلا الرخص، أما فقه العزائم فبينك وبينه بعد المشرقين لأنه بئس القرين؟ إن جاز أن نوصف الأمر على المستوى الفردى بالرخصة والعزيمة، مع أن المتبوعين والمتصدرين لا يليق بهم أن يأخذوا بالرخص لمكانتهم فى الأمة كما علمنا سلفنا –لا سلفكم- الإمام أحمد وابن تيمية وابن القيم.

أما تعرف من الفقه الإسلامى إلا الفتاوى الشاذة التى تأتينا بها ومعها الغرائب والعجائب؟. يارجل.. كم فتنت وضللت من المتدينين بهيئتك وسمتك ولحيتك وجلبابك وحديثك وفتاواك؟!.

أما عن استدلالك بالنظر إلى المآلات فأقول:

هل يعنى النظر فى المآلات الانبطاح والاستسلام للظالم، والسير فى ركاب المتغلب، والتبرير له، ومساندة عرشه لأنك تخاف من ظلمه وبطشه وسطوته؟ وبطبيعة الحال أنت لا تخاف من أصحاب المشروع الإسلامى مهما تجنيت عليهم، وأعنت عليهم الظالم، وكنت ظهرا لمن عاداهم.

 وهل لم يظهر لك فى الأفق شىء من فقه المآلات حول قرب نهاية الانقلاب وسقوطه؟ أم أنك لاتعرف من فقه المآلات إلا ما يطلعك عليه العسكر من تهديد ووعيد بمجازر جديدة يخيفونك بها؟وماذا يقول فقه المآلات الذى تتبناه عن مستقبل الملايين الصامدة التى تخرج يوميا فى شتى بقاع مصر رافضة للانقلاب؟

وأما عن استدلالك بأن المضطر أحيانًا لا يكون أكل الميتة له مباحًا، بل واجبًا إذا غلب على ظنه الهلاك إذا لم يأكل.. أقول:

نعم يكون ذلك واجبا للمضطر من أمثالك لأنه يغلب عليه الهلاك إذا لم ينتصر العسكر.أما الأحرار فقد أبوا من أول يوم للانقلاب أن يأكلوا من لحم الميتة لأنهم ليسوا مضطرين مثلك، واعترضوا على الانقلاب -ومازالوا- مؤملين النصر القريب والفرج الكبير بإذن الله، متمثلين قول القائل:

سأحمل روحى على راحتى  وألقى بها فى مهاوى الردى

فإما حياة تسر الصديــــــق    وإما ممــات يغيــظ العــــدا

وماذا سيحدث يا ترى إذا لم يصوت الناس بالقبول والموافقة على دستور الانقلابيين اللقيط أكثر مما حدث؟ استشهد الآلاف، وجرح الآلاف، واعتقل الآلاف، وانتهكت الحرمات، وديست الكرامات، واقتحمت الجامعات، وانتهكت حرمة الحرائر العفيفات.

بل على العكس إذا قاطع الناس الاستفتاء على الدستور اللقيط، سيصعب على الانقلاب وأهله الاستمرار، وسيزيد من عزلتهم الدولية، وسيسقطون حتما.

فأى هلاك توهمنا بوقوعه؟ هل هلاكك أنت؟ أم هلاك الانقلابيين؟ أم هلاككما معا؟

وأما تعليلك بأن مستقبل البلاد "إذا لم تكن المشاركة قوية وبالقبول" فسيكون فى خطر، فأقول:

لا تقل: مستقبل البلاد فى خطر، فأنت أول من لا يعرف للأوطان حقا عليه، ولكن قل: مستقبلك أنت ومن معك من رفاق المؤامرة وشهداء الزور، من حزب النور هو الذى فى خطر، بعد أن انفضحت عمالتكم، واتضحت خيانتكم، وانكشفت عورتكم، وتبينت خطتكم الماكرة بالاتفاق مع العسكر وأمن الدولة على محاربة التيار الإسلامى.

وأما عن خوفك على أصحاب "السمت الإسلامى" بأنهم سيدفعون أعظم فاتورة لأخطاء غيرهم من بغض الناس وكراهيتهم للعمل الإسلامى، ولربما للدين نفسه، فأقول:

لم يكن هناك خطأ لدى أصحاب السمت الإسلامى -كما تسميهم- أعظم من انتسابكم زورا إليهم حينا من الدهر، حين غررتم الناس بطول لحاكم، وقصر جلبابكم، وعلامة الصلاة فى جباهكم، وادعائكم –كذبا- مناصرة المشروع الإسلامى والعمل على تطبيق الشريعة، وتصديع رءوسنا بالحديث عن الولاء والبراء.

 وحين نصرتم رجال نظام مبارك على الثوار الأحرار فى الدوائر الانتخابية التى كان لكم فيها نفوذ، وحين ضيقتم الواسع على الرئيس الصالح المنتخب، ووسعتم الضيق على الظالم المستبد المنقلب.

وحين وقفتم للرئيس المنتخب بالمرصاد تعرقلون مسيرته فى الإصلاح والتغيير باسم الإصلاح والتغيير، ووقفتم فى صفوف أعداء المشروع الإسلامى باسم الخوف على المشروع الإسلامى كذبا وزورا.

أما أصحاب السمت الإسلامى فقد دفعوا من دمائهم وأعراضهم وأموالهم أعظم فاتورة عرفتها مصر فى تاريخها نتيجة خيانتكم مع غيركم، وشاء الله تعالى أن تكون هذه الفاتورة هى نقطة التمييز ووضوح الرؤية واتضاح المعالم وكشف المستور، ومعرفة المحق من المبطل، والصادق من الدعى الكاذب، وأخذ الناس يعرفون الحقيقة -الحقيقة المرة التى كنت أنت تشكل حجابا وحاجزا دون رؤيتها- يوما بعد يوم على وقع صمود أنصار الشرعية وتضحياتهم فى الميادين والشوارع.

أما أنت ورفاق دربك من عملاء السلطة وأذناب الشرطة، فقد أصبحتم عنوانا للّحى المغشوشة، والعمائم الملوثة، والجلباب الأبيض القصير الذى تخشون إطالته حتى لا يختلطبدماء الشهداء الذين مشيتم على أشلائهم، ودماء الجرحى الذين صعدتم على أكتافهم، وعرق المعتقلين الذين تاجرتم بحريتهم.

________________________

مدير مكتب الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين بالقاهرة

د. فتحى أبو الورد

 
 
   Bookmark and Share      
  
  فتوى برهامى.. بين الحقيقة والتضليل

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7