الثلاثاء 17 ديسمبر 2013

يعتبر قيام الرئيس "المؤقت" الذي عيَّنه وزير الدفاع بعد عملية انقلابية بالدعوة إلى الاستفتاء على "مسودة الدستور" تعبيرًا عن أقصى درجات "العبث السياسي" و"الدجل الدستوري" معًا، ذلك أن من يقوم بهذه الأدوار ضمن هذا المشهد الانقلابي والذي سمى رئيسًا مؤقتًا هو المنوط به وفقًا لوظيفته ودوره حماية الدستور وإعمال نصوصه ومعايرة القوانين عليه إن التزامًا أو خرقًا، ونرى رئيس المحكمة الدستورية يقوم بأخطر الأدوار باعتباره أحد أهم أركان المنظومة الانقلابية حينما يعطِّل الدستور، ويحل مجلس الشورى القائم بالتشريع وفق قرار وتوصية من المحكمة الدستورية ذاتها ليغتصب هو التشريع وسلطة إصدار القوانين والقرارات من غير قيد وبدون أي حد.

الرئيس المعين ممن هو أدنى منه هو الذي يحمل السلطات الثلاث في شخصه وفي ممارساته، ضمن أخطر عملية تدليس على شعب اُستدعى إلى خمسة استحقاقات استفتائية وانتخابية؛ إلا أن هذه جميعًا ديست بالأقدام وانتهكت بحالة انقلابية فجة، يلعب الدور الأكبر في هذا التدليس من هو منوط به حماية الدستور وصوابية التشريعات على المقتضى المطلوب من مؤسسات حقيقية منتخبة تقوم كل منها بأدوارها المخصوصة، في إطار ضبط للعلاقات فيما بينها، حينما تشارك أكبر شخصية في السلم القضائي باعتباره رئيسًا للمحكمة الدستورية في هذا المشهد الانقلابي ويلعب دور الغطاء لهذا الانقلاب يقوم فيه المؤقت الحاكم الفعلي بحكم البلاد من وراء ستار مقدمًا ما يمكن اعبتاره نموذجًا لـ "الرئيس الطرطور" في إطار القاعدة "افعل ما يملى عليك".

وغاية الأمر في ذلك أننا نشير إلى أن هذا الشخص وللأسف الشديد هو المنوط به إصدار قرارات لخارطة طريق وهي في حقيقتها "قاطعة طريق" على مسار ديمقراطي وعلى رئيس مدني منتخب وعلى مؤسسات نشأت على قاعدة من استحقاقات انتخابية، حينما يقوم بهذا الدور المدلس والزائف فإنه يعبر عن منظومة متكاملة من التزوير الانقلابي بحكم أن الانقلاب في ذاته ليس إلا تزويرًا للحقيقة ومحاولة قلب الحقائق بالدس فيها والتلبيس عليها، وفي هذا المقام قام هذا الرئيس المؤقت وفق الدور المرسوم له الذي يعبر عن أكبر الخطايا التي يمكن أن ترتكب في حق شعب بعد ثورة مباركة في الخامس والعشرين من يناير تحاول أن تمكن لأهم أهدافها في بناء مستقبل وطن وشعب وثورة؛ قام بما يمكن أن نسميه "مطلق ومروج الأوهام والأساطير" بما يمثله من تمويه على الحقيقة وتزوير على التاريخ:

أولى هذه الأساطير تكمن في تكوين لجنة الخمسين التي قيل إنها تمثل تنوعات هذا الشعب ويحقق خرائط التمثيل المتنوعة وهي في الحقيقة ليست إلا تمثيلاً لتوجه واحد جمعته المصالح الآنية والأنانية في إطار تأييد الانقلاب والقيام به تحت دعوى أن ذلك قد تم بإرادة شعبية في إطار سياسة "عد الرءوس" وادعاء الحشود التي تمثل الشعب وتعبر عن إرادته، هكذا بالتزوير الفاضح وبمعايير لم تكن في يوم من الأيام إلا تدليسًا على العملية السياسية والحقائق الدستورية وأصول المسار الديمقراطي الذي يتعلق ببناء منظومة الحكم الراشد للسلطات والتكوينات والمؤسسات، وبدت هذه اللجنة بمكوناتها تعبر عن أطياف متنوعة في ظاهرها لكنها تمتلك من الرؤى العلمانية الفجة والمستترة والتي تحاول ترويجها في كل نشاطاتها وفعاليتها وأدوارها، وبدت هذه اللجنة مسبوقة بلجنة أخرى هي "لجنة الخبراء" أو "لجنة العشرة" والتي أرادت أن تلتزم بالمسار الذي يتعلق بإدخال تعديلات على الدستور المعطَّل إلا أن بعض هذه القوى أبقت على هذا الشعار ولكنها في حقيقة الأمر قامت بصياغة وثيقة دستورية أخرى وفق أهوائها وآرائها في جو من الاستبعاد والتنافي والاستئصال العنصري لفصيل يمثل المشروع الإسلامي بكل تنوعاته، إلا من ساند انقلابهم، وبدت هذه اللجنة فيما قدمته حتى تقوم بعمل محدد فإذا بلجنة الخمسين تنسف ما قامت به لجنة الخبراء وأصدرت مسودة للدستور مليئة بالأخطاء الفنية خاصة فيما يتعلق بالمواد المتعلقة بالاقتصاد والدخل القومي وغير ذلك مما يستحق معه هذا الدستور اسم "دستور العوار".

وفي هذا المقام تولد أسطورة أخرى عبَّر عنها الرئيس المؤقت في دعوته للاستفتاء على الدستور تتعلق بـ"وهم الإنجاز والفاعلية" في إطار لا تحكمه المصلحة الوطنية ولكن يحكمه تصفية الحسابات والترضيات لقوى سياسية تحاول كل منها أن تحصل على ما يحقق مصالحها الفئوية وإنتاج مؤسسات الشعوبية، ومن هنا نؤكد أن المزايدة على ذلك بكلمة الإنجاز إنما تعبر عن تهويم عن الحقيقة وتدليس على واقع الحال فيما اشتملت عليه هذه الوثيقة من عوار يشير إلى استهانة واضعيها بكثير من الأمور خاصة فيما يتعلق بالمحاكمات العسكرية للمدنيين وكذلك بتحصين المؤسسة العسكرية وقيادتها لتصير بذلك دولة فوق الدولة.

ومن المؤسف حقا أن تلد هذه الأوهام أساطير أخرى أهمها فيما يتعلق بأسطورة "المسار الديمقراطي وبناء دستور عصري، ومؤسسات حكم وطني رشيدة تعبر عن إرادته" أي الشعب، وفق ما ذكر الرئيس المؤقت وأمارات الواقع تدل على كم الزيف والتدليس الذي يتعلق بأن هذه الوثيقة لم تكن إلا بداية لمسار ديمقراطي وتمكينًا لحرية الرأي وأسميت ضمن كلامه "خارطة المستقبل" (خريطة الطريق سابقا) التي لم تكن في حقيقتها إلا قاطعة طريق لمسار ديمقراطي بدأ في خطوات تتعلق بمؤسسات منتخبة وكذلك بتنصيب رئيس مدني منتخب إلا أن هذه الاستحقاقات قام الانقلاب بنقضها ضمن حركة انقلابية لتحقق قيادات المجلس العسكري الهدف الذي يتعلق بهذه المؤسسة بكونها "دولة فوق الدولة".

ومن أخطر الأساطير والأوهام التي روجها ذلك الخطاب هو ما يتعلق بأسطورة "التوافق"؛ حيث أشار "المؤقت" إلى أن هذه الوثيقة لم تكن إلا ترجمة لتحقيق التوافق المطلوب، وهو أمر يكذِّبه واقع الأمور وسياسات المنظومة الانقلابية التي اختطت مسارًا أمنيًا عنصريًا واستئصاليًا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يمت بصلة إلى مقولة التوافق وحقيقتها؛ إن هذه الوثيقة ومن كل طريق لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تمثل حالة توافقية أو يمكن اعتبارها بمثابة عقد سياسي ومجتمعي يترجم لمستقبل وطن وأهداف ثورة، وكل تزيد يرد في هذا الخطاب على لسان الرئيس المؤقت في هذا الشأن ليس إلا فائض كلام لا يغني ولا يسمن من جوع، إن ذلك الواقع الذي يكذب أسطورة "ادعاء التوافق" إنما نجدها في سياسات تتعلق بالقتل والخنق والحرق وكذلك الاعتقالات والقبض والقنص والتي تعبر في حقيقتها عن أقصى درجات الاستباحة لكل ما يتعلق بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية والتأسيسية، وهو أمر يجعل من تباهي البعض ممن وضعوا هذا الدستور بكلمات هنا أو هناك ضمتها تلك المسودة عن الحقوق والحريات وبكونها الأفضل على الإطلاق وبمقارنة هذه الكلمات بما يحدث على أرض الواقع، فإن واقع الأمر والأمر الواقع يقول له: "كذبت" حينما لا نجد لهذه الحريات أثرًا، ولا نجد لتلك الحقوق معنى أو مبنى، الدساتير ليست كلمات تصاغ أو نصوصًا تضمن في وثيقة ولكنها في حقيقة الأمر تهيئة مناخ وإعداد وطن لأن تكون هذه الحقوق والحريات واقعًا ملموسًا يحقق كل ما من شأنه يبلغ فيه الوطن مكانته ويتمتع المواطن فيه بكرامته.

وفي هذا المقام فإن ميلاد أسطورة أخرى ضمن فائض الكلام وزيفه بالحديث عن المشاركة المجتمعية والحوار المجتمعي حينما يشير "المؤقت" إلى اشتراك الآلاف بل الملايين في صياغة هذه الوثيقة إنما يعبر في حقيقة الأمر عن مسودة لم تكن إلا نتاج عملية تعتيم كبرى وغرف مغلقة ومساومات رخيصة لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تحقق التوافق الرصين والتراضي المكين، ونتساءل بحق أين تلك المشاركة المجتمعية والحوار المجتمعي الذي دار واقتصر على فئات بعينها، وفي غرف مغلقة تعبر عن آراء منظومة من شايعوا الانقلاب وكانوا ضمن مخططاته وأهدافه وسياساته حتى إنه بحق يستحق اسم "الدستور المسروق" الذي صيغ في الغرف المعتمة بعدما كانوا يتندرون على دستور 2012 بتسميته بالدستور المسلوق.

وتأتي الأسطورة الأخيرة لتؤكد أخطر المعاني في صناعة الكراهية وفي ترسيخ مقولة "انتوا شعب وإحنا شعب" التي قسمت الوطن وفرقت الملتئم وزرعت الاستقطاب وصنعت الكراهية ضمن مقولة تشكل أقصى درجات الزيف والتغطية هي مقولة "محاربة الإرهاب والعنف" مدعية أنها تقوم بذلك لمواجهة قوى متوهمة ومصطنعة تبرر فيها سلوك الدولة القمعية البوليسية ومسار الفاشية العسكرية وتمكينها.

أساطير وأوهام بعضها من بعض ومن ثم سنجد هذه الكلمات التي تستخدم كغطاء الزيف حينما يؤكد "المؤقت": "صبرنا وقاسينا وثورنا من أجل مستقبل نحيا فيه كلنا أحرارًا في كنف دولة ترعى حقوق ومصالح مواطنيها ولن نتنازل عن حريتنا اعتقادًا وتعبيرًا وإبداعًا"؛ هذا ما يقول من طرف لسانه ولكن كلام الانقلاب بمقلوبه وعكسه ففي حقيقة الأمر كأنه يقول: "انتهزنا وتربصنا وتمردنا من أجل أن نقطع الطريق على مستقبل نحيا فيه أحرارًا دون غيرنا لنفعل ما نشاء، أما البقية فليسوا إلا عبيدًا نفعل فيهم ما نشاء في كنف دولة بوليسية قمعية لا ترعى الحقوق ولا مصالح المواطنين بل هي تنتهكها كل يوم وتكمم الأفواه وتكتم الأنفاس وتزهق الأرواح، لن نتنازل عن استبدادنا"، هذا ما يقوله بلسان الحال والواقع الذي يعبر كل يوم عن كل ذلك بأفعال لا أقوال تنقض فائض الكلام وتكشف زخرف القول وزيف المعاني وخبث الطوايا والمغازي، وحينما يقول "ولنعلم جميعًا أن مصر وطن لا يتحمل فرقة ومستقبله لا يقبل الانقسام هذا هو قدره قبل أن يكون اختياره" فيكذبه الواقع ويرد عليه من كل طريق "أنتم من تصنعون الفرقة، أنتم من تصنعون الانقسام، أنتم من تصادرون المستقبل، أنتم من تقومون بالانقلاب ولن يكون هذا قدرنا، ولن يكون هذا خيارنا"، وإن القول من بعد ذلك بإهانة شعب والاستهانة به في ثوب كلام فخيم لا يغادر الحناجر لأثر واضح لفعل على الأرض، حينما ينادي على "شعب مصر العظيم"، وهو يستهين به وأصواته التي عبر فيها عن إرادته باستحقاقات انتخابية، يتكلم عن إرادة شعب، وهو يزهق إرادته وروحه في حالة انقلابية عقيمة، وبمصادرة كل إرادة شعبية حقيقية، يلفظ "المؤقت" ومن طرف لسانه "ها قد حان دوركم لكي تبهروا العالم مرة أخرى ولكي تجعلوا من الخروج للاستفتاء يوم تعبير عن إرادتكم الحرة، يوم عزة لشعب جدير بالديمقراطية وباحترام الدنيا كلها" فائض أوصاف لا يريد منه "المؤقت" إلا أن يكون هذا الشعب خانعًا لمنظومة انقلابية، وليس كما يقول إن شعب مصر "منبع السلطات وأصل الشرعية" أسأله ماذا فعلتم بشعب مصر إلا أنكم فرقتموه؟!، وماذا فعلتم بمنبع السلطات سوى أنكم هدمتموها وأردتم أن تجعلوا من بعض مؤسسات القوة مؤسسات دولة فوق الدولة؟، وأين هو أصل الشرعية التي كررتم عليها بالنقض والنسخ من غير مسوغ فى حالة انقلابية فجة في هذا المقام، نقول لكم إن دستور الانقلاب لن يعيش، لأنه في حقيقة الأمر تمت صياغته على قاعدة من الأوهام وفي مناخ من الأساطير، والدستور إن كنتم تعقلون: تعاقد أمين وعمل رصين وتأسيس مكين.
سيف عبد الفتاح

 
 
   Bookmark and Share      
  
 أوهام وأساطير في خطاب الدعوة للاستفتاء على مشروع الدستور

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7