الأربعاء 18 ديسمبر 2013


تعيش المنطقة العربية أضخم تحولات لها في تاريخها منذ اتفاقية التقسيم (سايكس - بيكو) ، فالدولة القومية التي أنشأها الاستعمار في مناطق الخلافة العثمانية المنهارة و التي تم تصنيع هويات جزئية لها وصلت إلى أوج قوتها في الخمسينات والستينات من القرن العشرين و هزمت الحركات الاسلامية فيها أمام طوفان "القومية" و "الوطنية" و أمام هجمة ثقافية و سياسية وقمعية لترسيخ مفهوم "الهوية" الجديدة بدلا من الهويات الدينية التي كانت تقاوم موجات القومية والعلمنة منذ سقوط الخلافة .

ومنذ ذلك الحين تم ترسيخ مفهوم الدولة "القومية" القائمة على أساس الهوية "الوطنية" و تقديس "العلم -الراية" الوطنية و أجبرت الكيانات الإسلامية الكبرى على التي تأسست في مجملها لمواجهة تحدي غياب "دار الاسلام" ، و مواجهة الهويات الجزئية التي صعدها "الاستعمار" .. أجبرت تلك الكيانات للاعتراف واقعيا بتلك الحدود الجغرافية و تلك الدولة الوطنية وان لم تعترف بها نظريا ، و بالأخص بعد قبول الشعوب لتلك الهوية الجديدة "جزئيا" ومع ابتعاد ذاكرة الشعوب عن ذاكرة دولة الخلافة وترسخ دولة "القطر" و خفوت الحس الديني الجمعي وتحوله لحس "فردي" واحلال الحس الوطني الجامع بدلا منه .. كل ذلك أجبر الإسلامين على القبول بلعبة الواقع كما هي.

في السبعينات تصاعد الحس الديني أمام القومية العربية بعد انكسارها ، لكن سرعان ما استطاعت الدول القومية احتواء تلك الصيغة الدينية داخل كيان الدولة أو توجيهها لمواجهة الشيوعية داخليا وخارجيا ، وبذلك تم توجيه كل تلك الطاقة الدينية والتحكم بها من قبل الدولة الوطنية وتصاعدت في تلك الفترة وما تلاها "القومية" التجزيئية الضيقة وتم هجر حتى القومية العربية الاوسع بعد معاهدة السلام المصرية ، و إلى ذلك الحين لم يكن من شيء يهدد صيغة الدولة الوطنية مطلقا حتى برغم الخروج المسلح الذي حدث في التسعينات ، إلا أن ذلك في مجمله دعم صيغة الدولة و أخرج من الجعبة الدينية صيغ فقهية تحرم الخروج على الحاكم وتؤكد على مفاسدة وهي في الحقيقة تمنح الشرعية الدينية المطلقة للسلطة القائمة كسلطة لها مشروعية دينية يحرم الخروج عليها ومنحها ماكان يمنح من مشروعية للموقع الخلافة والامارة في الاسلام ، واضحى كل الخلاف معها لاحقا في الثمانينات والتسعينات ومرحلة الالفية هو خلاف سياسي و تشريعي.

كانت نظرة الإسلاميين لمشروعهم -وبالأخص في مصر - تقزمت جدا بحيث وصلت إلى توصيف الخصومة مع الدولة في محورين لا ثالث لهما وهذا من وحي سلوكهم معها ، الشق الأول هو الشق الخاص بالاستبداد و الشق الثاني الخاص بالملف التشريعي ، لم تصبح صيغة الدولة الحالية تسبب مشكلة "أيديولوجية" للإسلاميين و أصبح بإمكانهم أن يلعبوا كأحزاب يمينية داخل كيان الدولة ليواجهوا الاستبداد و ليحلوا الاشكال التشريعي فقط بأن تكون الشريعو مصدر التشريع فعليا ، مع الحفاظ على صيغة الدولة الوطنية ومنظومة ولائاتها ومفهوم المواطنة فيها وانتهت التجربة باندماجهم بالدولة ثم انقلاب الدولة عليهم في مصر مثلا و الكويت والجزائر مسبقا و فلسطين.

انفجر الوضع الإقليمي بسوريا والعراق ومصر وانتج الربيع العربي صراعا جديدا بين الاسلاميين والانظمة القومية في صيغة أكثر وضوحا ، و اصبح النظام الإقليمي كله مهدد بالنسف والانفجار وأصبح الحديث في كل دوائر السياسة تقريبا يتحدث عن مستقبل سايكس بيكو من جديد مع مشروع أمريكي شرق اوسطي لإعادة تعريف الهويات والجغرافيا والاعراق من جديد في المنطقة عبر مشروع تقسيم جديد لا يرى في سايكس بيكو القديمة قدرة على الصمود في مشروع النظام العالمي الجديد القائم على طغيان الشركة على الدولة وانهيار مستقبل الدولة القائمة على الهويات المتخيلة وبالاخص أن اغلب دول المنطقة تعاني من صراعات اثنية داخلية ولم تستطع أن ترسخ صيغة دولة حقيقة وانما مازالت تعاني اغلبها من هشاشة داخلية وصيغة قمعية للسلطة المحتكرة من نخب أقليات سواء كانت اقليات طائفية أو اقتصادية او فكرية وشعوب مازالت تبحث عن سؤال الواقع وسؤال المستقبل !

وعليه ومع دخول الدولة القومية ذاتها مع الإسلاميين تحت مسمى "الحرب على الإرهاب" وقرب حدوث اتفاق في سوريا يضع العلمانيين في كفة مقابل الاسلاميين وبدء مواجهة من نوع جديد أيضا هناك وتحول صيغ "الثورات" لصيغ حروب داخلية والحشد على اساس عناوين الارهاب وتصدير الجيوش لتلك المواجهات في مصر وغيرها نكون أمام واقع جديد يتشكل في صيغة الاسلاميين للدولة نفسها واستعادة صيغة التأسيس مرة أخرى عبر اعلان الهوية الاسلامية الجامعة في مقابل الهويات الضيقة المنهارة او الهويات الضيقة التي يتم تصعيدها حاليا من قبل الكردية والجهوية (جنوبية وشمالية مثلا) وعربية وامازيغية وخلافها ونوبية و كردفانية و دارفورية وقبلية .

كل هذه الهويات كان الاسلام صيغة جامعة لها منذ الخلافة وايقظها الاستعمار ، ومع حسم المشروع الامريكي مستقبل الدولة القومية في المنطقة واعلان البدء في تقسيمها لابد ان يستعد الاسلاميون بمشروعهم ويتجاوزوا فكرة الدولة القومية للابد التي لم يعد يعول عليها لا مستقبل العالم السياسي ولا الاقتصادي ولا العسكري ، والتبشير بصيغتهم الاممية الجامعة التي كانت موجودة على مر تاريخهم .
أنس حسن

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الشام ومصر .. مستقبل الدولة القومية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7