الخميس 19 ديسمبر 2013

فيما تخوض الثورة المصرية معركتها العصيبة ضد الانقلاب تظهر لنا عدة بشريات دالّة على اتساع مساحة الزخم الشعبى المناهض لحكم العسكر، فتحت قصف أشرس حملة للدعاية السوداء ضد جماعة الإخوان المسلمين وأنصار الشرعية عبر كافة وسائل الإعلام الحكومية والخاصة تحت شعار الحرب على الإرهاب!

وبالرغم من آلاف الساعات الفضائية والصفحات المطبوعة التى تقطر سما زعافا، هادفة لتشويه وعى المصريين تجاه الإسلاميين، تأتى نتائج انتخابات التجديد النصفى لنقابات الأطباء الفرعية لتمثل لطمة قوية على وجه عرَّابى البهتان، فبالرغم من خسارتها لمعظم مقاعد النقابة العامة فقد حازت قوائم (أطباء من أجل مصر) على عدد لا بأس به من مقاعد النقابات الفرعية منها الفوز بجميع مقاعد نقابات الفيوم والقليوبية والدقهلية والغربية، و75% من مقاعد الوادى الجديد والمنوفية وكفر الشيخ، و50% من مقاعد الأقصر والشرقية وسوهاج والبحر الأحمر.

ربما تكون تلك النتائج هى الأدنى توفيقا لهم منذ عدة سنوات، لكن مقارنتها بحجم حملة الشيطنة الرسمية لكل مناهضى الانقلاب، وبالتوازى مع اعتقال العديد من الأطباء دون جريرة سوى رفضهم للانقلاب العسكرى، يعد هذا التصويت كاشفا عن قدرة قطاع مهنى مهم يتعاطى مع مختلف طبقات المجتمع على النجاة من عمليات غسل الأدمغة ووعيهم بالحقائق الكاشفة التى تدين الانقلابيين وتبرئ ساحة المعتقلين، لذا تم انتخاب عدة أطباء فى (الوادى الجديد– البحر الأحمر– الغربية) رغم كونهم رهن الاعتقال! وبالطبع ليس هناك ثمة تناقض بين المشاركة فى انتخابات النقابات المهنية وبين مقاطعة استفتاء العسكر، لكونها منظمات أهلية ليس لسلطات الانقلاب الغاشمة أى ولاية عليها.

على الجانب الآخر، تظهر لنا عدة تحديات أهمها إصرار الانقلابيين على المضى فى "قاطعة" الطريق إلى آخر الشوط لشرعنة وضع العسكر كدولة داخل الدولة، ولتكوين واجهة مدنية تنفيذية وتشريعية تتعاطى مع الخارج بصفتها هيئات منتخبة بينما نعود القهقرى لتأميم جميع السلطات حصريا لمن يثبتون ولاءهم لجنرالات الانقلاب.

إن حشد الجماهير نحو مقاطعة ااستفتاء العسكر يعد هدفا تكتيكيا مهما فى إطار استراتيجية كسر الانقلاب بنزع المشروعية عن كل ممارساته وآلياته واعتبارها باطلة من الأساس تبعا للقاعدة الشهيرة (ما بُنى على باطل فهو باطل)، والهدف الأكثر عمقا وتأثيرا هو خروج مظاهرات حاشدة لرفض وثيقة الانقلاب يومى 14 و15 يناير مما سيكشف للداخل والخارج تهافت مسرحية الاستفتاء وحجم الزخم الشعبى الرافض للاعتراف من الأساس بكل الإجراءات التى تمت منذ نكسة 3 يوليو.

وبالتزامن مع الأعداد للحشد ضد مسرحية الاستفتاء الهزلى يبرز لنا تحدٍّ مهم وهو االتخطيط لتطوير نوعى فى النضال ضد الانقلاب بالتزامن مع الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير المغدورة على يد العسكر، وهو ما يتطلب تفاهما بين التحالف الوطنى لدعم الشرعية وبين القوى الثورية والنشطاء الذين باتوا يطالبون بإنهاء النظام الغاصب.

وذلك عبر خريطة طريق يتم تسويقها لجماهير الشعب كمسار واضح يتم تنفيذه فى اليوم التالى لكسر الانقلاب.

إذا تأملنا أخطاء ثوار 25 يناير فسيبدو أن الخطأ الاستراتيجى للإسلاميين أنهم وثقوا بقادة العسكر وتناسوا أن السيسى نفسه كان مدير المخابرات الحربية المسئول عن تأمين نظام مبارك. واتخذوا مسارا إصلاحيا تجاه دولة الفساد العميقة ولم يصارحوا الشعب بحقيقة المعضلات التى واجهتهم وأهمها تحرير القرار المدنى من سيطرة العسكر، وهو ما أكده الوزير يحيى حامد على شاشة الجزيرة حول عرقلتهم لمشروع محور قناة السويس ولمشروع تنمية سيناء كى يتم هذا تحت سلطتهم المباشرة بعيدا عن سيطرة أو رقابة المؤسسات المنتخبة.

أما عن الثوار فقد استخدمتهم مخابرات السيسى فى 30 يونيو كغطاء للانقلاب، قبل أن ينقسموا إلى 4 فرق، الفريق الأول تم احتواؤه وتدجينه منذ زمن وهؤلاء شركاء للانقلاب حتى نفسه الأخير، والفريق الثانى ظنوا أنهم يستطيعون تطويع الدولة العميقة وقدموا عداءهم للإخوان على حبهم لمصر وولائهم للثورة، فامتطاهم الفلول والعسكر، وهؤلاء يحاولون إمساك العصا من المنتصف بإدانة بعض جرائم الانقلاب دون أى جهد فعلى لكسره أو جهاد لاستعادة مكتسبات الثورة الضائعة، والفريق الثالث الأقل حجما وهم من خرجوا فى 30 يونيو لكنهم رفضوا انقلاب 3 يوليو، ومنهم من بادر إلى النزول فى رابعة والنهضة، أما الفريق الرابع فهم من أفاقوا الآن بعد أن مسهم بطش العسكر لكنهم ما زالوا يفرضون الشروط المجحفة على أنصار الشرعية كى يشاركوا فى الحراك الثورى.

ويبدو واضحا الآن ضرورة اندماج الفريقين الثالث والرابع من الثوار مع الحراك المتصاعد فى الشارع والذى يشكل أنصار التيار الإسلامى مكونه الأساسى، والأكيد أن خريطة الطريق المطلوبة لتوحيد جهود القوى المناهضة للانقلاب ستستلزم حوارا عميقا واستعدادا متبادلا للتنازل عن بعض المطالب فى سبيل الوصول لمسار موحد يجمع كل القوى الوطنية الحرة ويجتذب بعض الكتل الجماهيرية غير المسيسة التى تم خداعها فى 30 يونيو وأفاقت الآن على مرارة البطش والتعسف والاستبداد.

 لكن الثابت أيضا أن أى حل توافقى لابد أن يتم فى إطار عودة الشرعية، أى عودة الرئيس الصامد ومجلس الشورى ودستور الشعب كمقدمة أساسية لخريطة طريق الثورة على العسكر.

إن واجب الوقت هو توحيد كل الجهود الممكنة لانتشال مصر من قاع الانحطاط السحيق الذى هوى بنا فيه الانقلابيون حتى اعترف منير فخرى عبدالنور بأن مصر أوشكت على الإفلاس، بينما نعانى من الإفلاس الحقيقى فى العدل والحرية فى ظل حكم سفك دماء الآلاف ومازال يطارد الشرفاء ويعتقل الأطفال والفتيات، بل يقتل الطلاب داخل جامعاتهم، وكأن الشاعر كان يصف حالنا حين قال:

لمن نشكو مآسينا؟ ومن يصغى لشكوانا، ويجدينا؟

أنشكو موتنا ذلا لوالينا؟ وهل موت سيحيينا؟

قطيع نحن والجزار راعينا ومنفيون نمشى فى أراضينا

ونحمل نعشنا قسرا بأيدينا ونعرب عن تعازينا لنا فينا

فوالينا، أدام الله والينا، رآنا أمة وسطا

فما أبقى لنا دنيا ولا أبقى لنا دينا

شاهين فوزى

 
 
   Bookmark and Share      
  
 كسر الانقلاب بين البشريات والتحديات

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7