الأربعاء 25 ديسمبر 2013

فى البلاد التى يحترم الناس فيها وجود بعضهم بعضًا، يتعالى الفُرقاء السياسيون فوق خصوماتهم فيتجاوزون خلافاتهم ويتجاورون كُلٌّ بِحَسَبِ موقعه على خريطة العمل السياسى.. تلك الخريطة التى رسمها النظام الديمقراطى التقليدى الذى يجب التسليم به والتجاوب مع مقتضياته السياسية والأخلاقية الوطنية.. لأنَّه ببساطة لا حَلَّ سواه.

وعلى هذه الوتيرة التداولية تسير الدول وتعمل الحكومات- حكومة ومعارضة.. مؤيدين ومخالفين، اليومَ حاكمٌ وغدًا محكوم. هكذا اللعبة السياسية لدى أى أقوامٍ يتمتعون بأدنى قدرٍ من العقلانية والاتزان السياسى، وإنَّ أية معارضة لا يمكن تصورها دون وجود نظام تخالفه، ولا يمكن تصور حكومة دون معارضة لها، اليوم تكون الحكومة فى السلطة وغدًا المعارضة بلا غضاضة.

أقول هذا بمناسبة وصف المحللين لما يحدث فى بلادنا بأنه ليس خلافًا سياسيًّا.. ولا معارضة.. هذه فوضى خَلاقّة ومنظّمة لكى لا يبقى فى مصر نظام ديمقراطى حُرٌّ، ولكى لا تنهض الدولة فتبقى ضعيفة منهكة متعبة.

وقبل أن نسأل عن السبب نسأل عن صاحب المصلحة فى أن تبقى مصر بلا مصالحة، وتبقى عُرضةً للاختطاف الحضارى فتهوى فى حضيض التخلف وتتخبط فى متاهات الانحطاط والضياع! وتبقى الحقيقة أنّ القوى الثورية الممالئة للانقلاب قد أصبحت جُزءًا من المشكلة بدلاً من أن تكون جُزءًا من الحل!.

فكُلّما جأرَ أحَدٌ مِمّن أصابتهم نيران الانقلاب بعد أنْ أيدوه وساندوه وَعَضَّدُوه وظاهروه فيما وُصِفَ بأنها أبشع عملية رِدّةٍ ليبرالية ليس فى تاريخ مصر فحسب وإنما فى تاريخ الديمقراطيات الحديثة فى العالم الحُرّ!.. قبل أنْ يُنحى باللائمة على الظالم يقطع من بياناته زمنًا طويلاً لسب الإخوان والنيل منهم حتى إذا أوشك على النهاية اكتفى ببعض عبارات الشجب والإدانة لمن طاله أذى الانقلاب من فصيله هو فحسب، دون إشارة لِمَنْ لحقه القتل وتناولته يَدُ الغدر والإبادة الانقلابية الظالمة لأنه من معارضى الانقلاب.. ومن العجيب أن يحظى الرئيس محمد مرسى المنتخب من الشعب بنصيب غير قليل من هذا السباب وبلا أى مُناسبة أو سبب!.

والحقيقة، أنَّنى مَرَرْتُ فى حياتى بأُناسٍ لا يستريحون كثيرًا لفكر الإخوان المسلمين إذْ تتملكهم مشاعر التحسس والكراهية التى تجاوزت الفكرة لتصل بالبعض إلى درجة العداوة التى لا نجد لها مُبَرِّرًا معقولاً ولا منطقيًّا.. والحقيقة أنه قد يكون البعض مُحِقًّا فى بعض مشاعره هذه بالنظر لحالات فردية التقاها فاختلف معها ونَفَرَ منها لأى سَبَبٍ شخصى أو مصلحى لا علاقة له بمنهج الإخوان ولا بدعوتهم ورسالتهم ولا بمشروعهم. وقد يختلف البعض معهم سياسيًّا أو مع وجهة نظرهم لِلأمور.. وقد تكون الكراهية والحساسية نتيجة الدعاية السوداء التى كَثّفتها وسائل الإعلام المضادة لِلإخوان ومَنْ على شاكلتهم.

ولكن هل يليق، من الناحية الأخلاقية، بمن يختلف معهم سياسيًّا أو لا يستريح لبعضهم أو لا يعجبه بعضهم الآخر أن يجدها فرصة للتنفيس عن شعوره السلبى تجاه الإخوان والتماهى مع نغمة الحرب عليهم بالسكوت عن ظالميهم ومساندة الانقلاب عليهم والتنكيل بهم، بل يرضى بالباطل والظلم والضيم حتى ينسدّ كُلُّ بابٍ دون الاعتراف بالإسلاميين والإخوان فيهم من القلب؟!.. أعتقد أنَّ هذا يتنافى مع أبسط قواعد وأعراف العدل والإنصاف والمواطنة الشريفة.

لم يعد الوقت يحتمل رفاهية الانتظار كى يراجع كُلٌّ منا موقفه من الإخوان كدعوة شريفة ورسالة سامية وحركة إصلاحية تتعرض لأبشع أنواع التشوية والافتراء الظالم، والجور والإقصاء والتهميش، والشطب والحذف والمصادرة؛ لأنَّ ذلك من شأنه أن يعقد الأمور خصمًا من رصيدنا النضالى لحساب المتاجرين ببلادنا واللاعبين على أوتار الفتنة والخراب. ينبغى أن نكون أكثر وعيًا ونتجاوز عُقَدَنا النفسية لصالح بلادنا.. فمنطق العقل هو الحل حتى لو عاداه الذين لا يعقلون!.

كيف نغفر لِمَنْ أخطأ فقَتَلَ ونَكَّلَ وارتكب جرائم حرب وإبادة جماعية لا علاقة لها بالسياسة، ولا نريد أن ننصف مَنْ أخطئوا سياسيًّا فنتجاوزَ عقدة الاختلاف معهم ونصالحهم على المصالح المشتركة فى رفع الظلم عن هذا الشعب المنكوب؟!. إنها خِسّةُ الهوى التى أذهبت بمروءة الناس، بل إنه التعصب ضِدَّ الإخوان والإسلاميين.. ذلك التعصب المقيت الذى أخرس ألسنةَ خصومهم عن منطق الحق، وأعماهم عن الإنصاف، وحال بينهم وبين التحلِّى بالشرف والنزاهة والموضوعية!.

عطية الويشى

 
 
   Bookmark and Share      
  
 منطق العقل هو الحل ولو كره الذين لا يعقلون

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7