الأحد 29 ديسمبر 2013

العمل الخيرى من أشرف الأعمال وأقدسها، فهو يفتح أبواب الخير للناس، ولا يقتصر نفعه فى عالم الحياة الدنيا بل يمتد أثره لما بعد موت الإنسان، والنبى - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم. ويقول:"إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علمه نشره وولدًا صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله فى صحته وحياته تلحقه بعد موته"رواه ابن ماجه.

وقد ارتبط بزوغ نجم الحضارة الإسلامية وانتشارها فى ربوع الدنيا بقيمة العمل الخيرى فى المجتمع، أو ما يسمى القطاع الثالث الذى كان له الدور الأعظم فى حل مشاكل الناس اليومية والمستقبلية، وتخفيف العبء على الموازنة العامة للدولة، والانتشار فى كافة مجالات الحياة فى النواحى الدينية والعلمية والثقافية والصحية والإنسانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية.

وقد عرفت مصر قيمة العمل الخيرى وانتشر هذا القطاع من خلال الجمعيات الخيرية فى كافة مجالات الحياة ليسهم فى عالج مشاكل الفقر والجهل والمرض والتخلف ويعمر النفوس والقلوب وأماكن الوجود، فى وقت تعدت فيه نسبة الفقر أكثر من 50% من الشعب المصرى وباتت الحكومة عاجزة إلا عن شىء واحد هو التفنن فى سرقة أموال الشعب المغلوب على أمره بقوة السلاح وبدا هذا واضحا فى حكومة الانقلاب التى أعلنت الحرب على العمل الخيرى الإسلامى وامتدت يداها بكل إثم لتجميد الأرصدة المالية لعدد 1055 جمعية خيرية إسلامية بحجة حكم قضائى سياسى صادر من أول درجة بحل جمعية الإخوان المسلمين.

إن صاحب هذا القرار فاقد الوعى عديم الضمير يتخبطه الشيطان من المس فلا لآخرة يعمل ولا لدنيا يعيش فيها الناس بكرامة يسعى، ولا يعرف سوى لغة التدمير لا التعمير. فهذا القرار يحمل من الغباء السياسى والاقتصادى والاجتماعى ما لا يصدقه عقل. اللهم إلا محاربة كل أمر يمس الدين ممن لا عقل لهم ولا نظرة لمصلحة البلد أمامهم، ودائما المفلس يبحث فى دفاتره القديمة ويحمل سلوكه مزيج من المتناقضات.

إن هذا القرار الذى يهدف لضرب العمل الخيرى فى مقتل لا تحسبوه شرا للعمل الخيرى وأهله، فهو فى الوقت نفسه يمثل ضربا على الوتر الحساس للإنقلاب وسيعجل –بإذن الله تعالى- بنهاية الانقلابيين، وسيكون وبالا عليهم سواء من الناحية الدنيية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.

فمن الناحية الدينية لن يفلح قوم خزائنهم مفلسة واحتياطهم النقدى فى خبر كان من الفساد والسرقة ثم تمتد أيديهم لسرقة أموال اليتامى والفقراء والمساكين والعوزة بالزور والبهتان فهؤلاء حسم الله أمرهم فى قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (النساء:10)، فمن يأكل النار سيكتوى بها وستمزقه تمزيقا فلا خير فى خطواته ولا سداد فى قرارته وستحيط به نار ظلمه من كل مكان حتى تهوى به وبانقلابه فى مكان سحيق لينفذ فيه قصاص رب العالمين فى الدنيا قبل أن يرى عاقبة ظلمه يوم الدين.

ومن الناحية الاقتصادية فإن الجمعيات الخيرية تقدم مساعداتها للمحتاجين الذين يحتاجون ضروريات الحياة ولا يجدونها فى ظل إسراف وترف الانقلابيين، ولا شك أن توقف منح المساعدات لهؤلاء يخل بإنتاجيتهم فى المجتمع ويؤثر سلبا على الميل الحدى للاستهلاك فيقل الطلب على السلع والخدمات مما يؤثر سلبا على الإنتاج وهو ما يؤدى إلى هوة سحيقة فى نفق الكساد، كما أن هذا القرار الجائر سيخل بالتوزيع فى المجتمع ويزيد من كون المال دولة بين الأغنياء وهو ما يعزز الطبقة العائمة ويزيد من مأساة الطبقة الغارقة التى لا تجد قوت يومها ولا من يمد لها يد العون.

ومن الناحية الاجتماعية فإن للقرار مصائبه وحدث ولا حرج، فالفقر سيجد فرصته فى الانتشار، والمرض سيجد مبتغاه فى الفتك بالمحتاجين، والجهل ستزداد ربوعه فى جنبات المجتمع، وهو ما يؤدى بالطبع إلى ارتفاع نسبة المنحرفين، وازدياد نسبة الجرائم، حتى تصبح السرقة حقا مشروعا، والغصب والنهب كلا مستباحا، مما يزيد من تفسخ المجتمع، وانهيار مزيد من القيم، التى يحاربها الانقلابيون أصلا، حتى أنهم فى وثيقتهم التى سموها دستورا حذفوا كل ما يتعلق بالقيم، وجعلوا بينها وبينهم حجابا مستورا.

إن هذا القرار يحارب حياة المعوزين والمحتاجين والمرضى والعجزة، وهو فى الوقت نفسه حرب على الإسلام ذاته، فهو يفتج المجال واسعا لكنسنة الدولة، وأعنى بذلك فتح الجمعيات الأهلية المسيحية على أبوابها، وغلق أبواب الجمعيات الخيرية الإسلامية والاستيلاء على أموالها، مما يفتح باب التبشير بالمسيحية بلا حدود ويصبح تنصير المسلمين تحت ضغط الحاجة أمرا ممنهجا خاصة ونحن نرى بأم أعيننا أن وثيقة الدستور وثيقة كنسية بامتياز.

إنه لا خير فى قوم يأمر ربهم قائلا: (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) (الحج: 77)، وسلوكهم وتفكيرهم المريض لا يعرف سوى لغة الشر والقتل والسرقة والنهب. فسلوك الانقلابيين واضح المعالم وحربهم على الإسلام ظاهرة للعيان، ولن يفلحوا إذا أبدا، فمزيد من الثبات، والدفاع عن الحقوق، وبيان حقيقة الأمور للشعب المخدر أو المغلوب كفيلة بانهيار هذا الانقلاب الذى انهار أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وأوشكت ثورة الجياع أن تفتك به، ودماء الشهداء أن تحيط لعنتها حوله، وآهات اليتامى والثكالى أن تكون حبل المشنقة الذى يشنق به.

د. أشرف محمد دوابه

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الانقلاب يحارب العمل الخيرى الإسلامى

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7