الإثنين 30 ديسمبر 2013

تذكرت هذين البيتين لأبي تمام، اللذين درسناهما في مقرر البلاغة في الأزهر الشريف في الصف الأول الثانوي:

وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت *** أتاح لها لسان حسود

لولا اشتعال النار فيما جاورت *** ما كان يعرف طيب عَرف العود

ومعنى البيتين أن صاحب الفضيلة يكون حريصا على ستر فضائله، وعدم التكلم عن نفسه، وعدم المراءاة بأعماله، ويريد الله أن تظهر مكرمته للناس، فيأتي حاسد لصاحب الفضيلة فيتكلم عنه، ويذمه، ويحاول أن يصور حسناته سيئات، وأعمال خيره شرورا، فينتبه الناس لفضيلة المحسود، ولولا الحاسد ما التفتوا إليها.

ثم يضرب الشاعر لذلك مثلا، بأن العود، أطيب أنواع البخور، ولولا نار أصابت شجرته بمحض الصدفة، ما عرف الناس طيب عَرفه، أي طيب رائحته، ولظل الناس يحسبونه شجرا من الشجر لا فائدة خاصة ترجى من وراءه.

وانتقالا إلى الواقع السياسي، فإنني أصنف قرار حظر ما يزيد على ألف من الجمعيات الخيرية الإسلامية الصادر من الحكومة الانقلابية المصرية، في هذه الخانة، هذا القرار هو الحسود الذي أراد الله أن يظهر فضيلة الجمعيات الخيرية الإسلامية على لسانه، وإن لم يقصد هو بالطبع إلى ذلك، إنه النار التي تحرق العود فينتشر طيبه في الآفاق، فيعرف الناس مقدار نفاسته، وتميزه عن غيره من الأشجار المحيطة به.

قد تكون هذه الجمعيات مقصرة في باب الدعاية والإعلان لما تقدمه من خدمات جليلة للمجتمع المصري، لا تفرق فيه بين المصريين، لا تفرق فيه وهي جمعيات (إسلامية) بين مسلم ومسيحي، لا تهتم أن تصدر كتابا تذكاريا، أو حفلا سنويا، أو منشورا دوريا يعرِّف بها وبقدرها، بل حسبها اطلاع الله سبحانه وتعالى. فجاءتها الدعاية المجانية على كل القنوات الفضائية، وعلى صفحات الجرائد والمجلات، بسبب حمق سلطات الانقلاب ورب ضارة نافعة.

قد لا يعرف البعض عن هذه الجمعيات إلا أنها المساجد التي يجلس حولها كثير من أصحاب اللحى الطويلة، والجلاليب القصيرة، والنساء المنقبات، المتشحات بالسواد، يبيعون السبح والعطور والمساويك، والكتب والتسجيلات الدينية، ويمر عليهم كارهو الدين والتدين فيودون أن تطهر حكومة الانقلاب البلد منهم، فأي مظهر من مظاهر التدين يؤذيهم، لا يحبون اللحى والجلاليب، ولا أصحابها، ولا المساجد ولا روادها، ولا النساء المحترمات، ولا حجابهن أو نقابهن، ولا ينبغي عندهم أن يكون المسجد مركز إشعاع في المجتمع، بل يجب أن يظل ساكنا باردا مهملا.

لا يهمهم كفالة الأيتام والأرامل، ولا مساعدات الفقراء والمحتاجين، ولا المستوصفات الخيرية، ولا القوافل الطبية المجانية، ولا الأطفال المبتسرين، ولا مرضى الفشل الكلوي، ولا زواج اليتيمات، ولا أي شيء من ذلك، فهم يعيشون لأنفسهم فقط.

بل ربما الفقير نفسه المنتفع بخدمات هذه الجمعيات لا ينتبه لعظمة دورها، ولا لجلال خدماتها وسط زحمة الحياة، فقد تعود على هذا الدور، كالإنسان الصحيح الذي لا يدرك نعمة الصحة حتى يصيبه المرض. وهذه هي اللحظة التي ينبغي على الجميع أن يدرك قيمة ما تقوم به هذه الجمعيات. هي بعض النقاط التي لا زالت مضيئة في المجتمع، هي همزة الوصل بين الغني والفقير، هي التي تحافظ على ما بقي في المجتمع من خير وتكثره، هي موضع ثقة الأغنياء الموسرين، وموطن أمل الفقراء المحتاجين. 

ترى كيف يتصور الانقلابيون مجتمعا يعيش (40%) من سكانه تحت خط الفقر، ورغم ذلك يأكلون ويشربون ويعالجون، هل يتصورون حكومتهم – لا بارك الله فيها – تقوم بهذا؟ 

والله، لولا بقية خير في هذا المجتمع، ولولا هذه الجمعيات لتحولت مصر إلى مجتمع لا يأمن فيه ميسور الحال على نفسه، ولارتفعت معدلات الجريمة إلى أضعاف أضعاف ما هي عليه الآن، ربما كنا سننافس شيكاغو وجوهانسبرج في معدلات الجريمة. 

ماذا يفعل إنسان يرى ابنه يموت أمام عينيه وهو لا يملك ثمن دواءه؟

ماذا يفعل مريض سدت في وجهه أبواب المستشفيات الخاصة والحكومية؟

ماذا تفعل أرملة تشاهد أيتامها يتضورون جوعا كل مساء، ويرتجفون بردا في ثياب بالية؟

وماذا ... وماذا؟

كم ستبلغ نسب الانتحار والدعارة والسرقة والسطو المسلح والنصب وقطع الطرق وقتل النفس والاعتداء على الممتلكات؟

يا أيها الانقلابيون شكرا، لقد وصلت رسالتكم بأبلغ عبارة لعموم الشعب المسكين، وزدتم معارضيكم قناعة بصحة موقفهم، فمثل هذا القرار لا يصدر ممن له بقية دين أو مروءة أو وطنية، وقدمتم لهذه الجمعيات دعاية مجانية تقدر بملايين الجنيهات، وذكرتم المجتمع بما يقوم به من ينتسبون إلى الإسلام، لا ينتظرون في مقابله من الناس جزءا ولا شكورا، وأضفتم جريمة جديدة إلى صحائف جرائمكم الممتلئ، وعما قليل ستحاسبون عليه.

نوقن أنكم رجعتم عن هذا القرار أو ستترجعون، كما نوقن أنكم بعد تراجعكم ستنكسرون، وإنا لذلك إن شاء الله لمنتظرون.

وليد أبو النجا

 
 
   Bookmark and Share      
  
  الجمعيات الخيرية جندي مجهول

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7