الجمعة 7 فبراير 2014

لم يتورع الغرب منذ احتلاله لمعظم الدول العربية والإسلامية عن محاربة الإسلام ومحاولة تشويه صورته والتشغيب على مبادئه وثوابته وأحكامه, كما أنه لم يتوان عن فرض الفكر التغريبي العلماني على المسلمين في بلادهم وعقر دارهم.

وبعد جلاء المستعمر الفرنسي عن ربوع تونس, خلف وراءه نخبة من أتباعه ومن تشبعوا بثقافته وأفكاره, ليقوموا بتطبيق الأنماط والأفكار الغربية في تسيير شؤون الدولة والمجتمع في تونس, الأمر الذي أثار ردة فعل قوية من جانب الغيورين على دينهم, فقامت جماعات وحركات لمواجهة هذا التيار الجارف, من بينها حركة الاتجاه الإسلامي بتونس, والذي بات يعرف "بحزب النهضة".

 التعريف

حركة الاتجاه الإسلامي بتونس: حركة إسلامية ظهرت كرد فعل شعبي ضد التطرف العلماني المتمثل في الاستهتار بالإسلام وقيمه وأحكامه، ونتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية واستشراء الاستبداد السياسي.

وقد بدأها راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو، والتف حولهم عدد من الشباب وشكلوا جميعا النواة الأولى لانتشار الفكرة الإسلامية، وأصبحت المساجد والمعاهد والجامعات رافدا أساسيا للحركة الإسلامية، التي واصلت معركتها ضد رموز التبعية والتغريب, وما زالت تنشط في الساحة التونسية حتى الآن.

قامت الحركة أصلا ردا على تجاوزات الحبيب بورقيبة الصارخة على الإسلام, الذي أعلن في سنة 1945م ـ قبل إعلان الاستقلال بسنتين – أنه ينوي إقامة حكم لا ديني في البلد، وبالفعل بدأ بورقيبة وحزبه بتجريد البلد من كل مقوماته الإسلامية.

 ففي سنة 1957م أعلنت قوانين الأحوال الشخصية التي تقطع علاقتها بالشريعة الإسلامية في مجال الأسرة, وفي سنة 1958م ألغيت الأوقاف العامة، وفي عام 1959م منع التعليم الديني, وفي عام 1960م شن بورقيبة حربا ضد الصيام, وفي عام و1962م ألغي التقويم الهجري، و1968م بدأت تعرية المرأة المسلمة من لباسها الإسلامي, و1969م بدأت حملة لغلق المساجد، و1974م بدأ بورقيبة بإلقاء محاضرات ضد القيم الإسلامية، وتهجم على القرآن الكريم والسنة النبوية، والآداب الشرعية والعادات الإسلامية.

التأسيس وأبرز الشخصيات

تعود بدايات الحركة إلى مهد خطوات نشر الفكر الإسلامي وبيان خطورة الثقافة الغربية المادية, من خلال الدروس والحلقات الدينية التي كان يلقيها الشيخ راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في المساجد, حيث عملا على إقناع عدد كبير من النخب المثقفة على أن الإسلام هو البديل الحضاري الحي.

وبدأ راشد الغنوشي بنشر أفكاره من خلال مقالاته في جريدة الصباح ومجلة جوهر الإسلام, ليكثف من هذه المقالات بعد بروز مجلة المعرفة التي كانت المنبر الفعلي للحركة الإسلامية في تونس.

وبعد سنوات من هذا النشاط الفكري المتواصل انعقد اجتماع سري عام 1979م بضاحية منوبة في تونس, والتي قرر خلالها راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو تأسيس "الجماعة الإسلامية", والتي عارضها بعض الحضور من أمثال احميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي وزياد كريشان الذين فضلوا تأسيس جماعة أطلقوا عليها اسم "الإسلاميون التقدميون" حيث تحركوا في الخط الثقافي العام وعارضوا فكرة التنظيم الحزبي.

وعلى إثر إعلان الحزب الدستوري الحاكم بتونس عن مشروع التعددية الحزبية عام 1981م, بادر أعضاء الجماعة التي كان يتزعمها راشد الغنوشي إلى عقد مؤتمر عام أعلنوا فيه عن حل "الجماعة الإسلامية" وتأسيس حركة جديدة باسم "حركة الاتجاه الإسلامي", وانتخب راشد الغنوشي رئيسا لها وعبد الفتاح مورو أمينا عاما, وتقدمت الحركة بطلب لوزارة الداخلية حينها للحصول على اعتماد دون أن تتلق أي جواب.

وفي عام 1981 ألقي القبض على راشد الغنوشي وأحيل إلى المحاكمة في تشرين الأول مع مجموعة من قيادة حركة الاتجاه الإسلامي بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مشروعة, وحكم عليه بالسجن 10 سنوات, وبعد ثلاثة سنوات من الاعتقال أطلق سراحه عام 1984 بعفو رئاسي بعد وساطة رئيس الحكومة آنذاك محمد المزالي.

وفي عام 1985م عقدت حركة الاتجاه الإسلامي مؤتمرا صحفيا كشفت فيه علانية في الذكرى الرابعة لتأسيسها عن وثائق مؤتمرها السري وأسماء أعضاء المكتب السياسي فيها ومن أبرزهم: راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو وصالح كركر وصادق شورو وحمادي الجبالي وعلي العريض وفاضل البلدي.

أعيد اعتقال راشد الغنوشي عام 1987م وحوكم مع مجموعة من رفاقه بتهم ملفقة كتفجير أربعة فنادق سياحية في تونس العاصمة, أوتهديد أمن الدولة والاتصال بدولة أجنبية .., وحكم على راشد الغنوشي بالسجن المؤبد , كما حكم على سبعة رفاقه بالإعدام وتم تنفيذ الحكم في اثنين منهما.

وفي عام 1988 أطلق سراح راشد الغنوشي إثر عفو رئاسي من زين الدين بن علي الذي وصل إلى الحكم بعد انقلابه على الحبيب بورقيبة, حيث قام الغنوشي بعد خروجه من السجن بالإشرف على إحداث تغيير جذري على حركة الاتجاه الإسلامي, وتمثلّ هذا التغيير في تحويل هذه الحركة إلى "حزب النهضة", وصدرت التعليمات إلى مختلف الولايات والمحافظات بأنّ حزب النهضة الجديد هو حزب سياسي يملك استراتيجية جديدة وتكتيكا مختلفا عما كانت عليه حركة الاتجاه الإسلامي, وأصدرت حركة النهضة جريدة الفجر لتكون الناطق الإعلامي والسياسي باسم حركة النهضة.

وبعد اندلاع الثورة التونسية على حكم زين الدين بن علي ومغادرته البلاد أصبحت حركة النهضة من أهم الأحزاب السياسية التي تصدرت المشهد السياسي في تونس, حيث فازت الحركة ب89 مقعدا من أصب 217 من مقاعد المجلس التأسيسي, أي حوالي 42% من المقاعد, وشكلت على إثر ذلك تحالفا حاكما سمي "بالترويكا" مع كل من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية, وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات.

ومؤخرا تمت استقالة هذه الحكومة بناء على خارطة طريق اتفقت عليها الأحزاب السايسية التونسية, بعد اضطرابات واحتجاجات أعقبت اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي, وتم تشكيل حكومة جديدة برئاسة مهدي جمعة.

أبرز المؤسسين:

1- الدكتور راشد الغنوشي: ولد في الحامة بولاية قابس بالجنوب الشرقي لتونس سنة 1939م, درس الابتدائية في بلدته ثم انتقل إلى بلدة "مثليبة" حيث نال الشهادة الأهلية المتوسطة, ثم درس في المدرسة الخلدونية بالعاصمة تونس ونال الثانوية العامة.

عمل في بداية حياته العملية معلما في مدينة قفصة حتى سنة 1964م, وبعدها سافر لدمشق ليدرس الفلسفة وحصل على إجازة فيها سنة 1968م, عاد بعد ذلك إلى تونس وباشر بالتدريس في الثانويات, وفي سنة 1979 ترك التدريس وتفرغ لاستكمال دراساته العليا في الفلسفة والتربية بفرنسا.

2- الشيخ عبد الفتاح مورو: من مواليد سنة 1948مفي تونس, حصل على إجازة الحقوق سنة 1970م وتولى مهنة القضاء حتى سنة 1977م ثم التحق بالمحاماة.

التقى مع راشد الغنوشي سنة 1969م وتعاهدا على العمل والدعوة للإسلام, وشكلا معا "الجماعة الإسلامية" ومن ثم "حركة الاتجاه الإسلامي" وشغل منصب الأمين العام في الحركة, وخلال تعرض الحركة للمحنة في عهد ابن علي (خليفة بورقيبة) في 1412هـ ـ 1992م, اعتقل مورو مرتين وسجن سنتين, كما تعرض عام 1992 إلى حملة تشويه شخصية من قبل نظام زين الدين بن علي, وعلى إثر ذلك أعلن تعليق عضويته في حركة النهضة.

وبعد عودة راشد الغنوشي من المنفى عام 2011م شارك مورو في انتخابات المجلسي التأسيسي في قائمة مستقلة مع مجموعة من المستقلين تحت اسم "التحالف الديمقراطي المستقل" إلا أن هلم يفز, وقد عاد إلى حركة النهضة بعد مؤتمرها عام 2012م, وتم انتخابه في مجلس شورى الحركة ونائب لرئيسها راشد الغنوشي.

أهم أفكار حركة الاتجاه الإسلامي

جاء في البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي أنها تقوم على الأفكار والأهداف التالية:

1- بعث الشخصية الإسلامية لتونس حتى تستعيد مهمتها كقاعدة كبرى للحضارة الإسلامية بأفريقيا، ووضع حد لحالة التبعية والاغتراب والضلال.

2- تجديد الفكر الإسلامي على ضوء أصول الإسلام الثابتة ومقتضيات الحياة المتطورة وتنقيته من رواسب عصور الانحطاط وآثار التغريب.

3- استعادة الجماهير حقها المشروع في تقرير مصيرها بعيداً عن كل وصاية داخلية أو هيمنة خارجية.

4- إعادة بناء الحياة الاقتصادية على أسس إنسانية وتوزيع الثروة بالبلاد توزيعا عادلا على ضوء المبدأ الإسلامي "الرجل وبلاؤه"،"الرجل وحاجته".

5- المساهمة في بعث الكيان السياسي والحضاري للإسلام على المستوى المحلي والمغربي والعربي والعالمي حتى يتم إنقاذ شعوبنا والبشرية جمعاء مما تردت فيه من ضياع نفسي وحيف اجتماعي وتسلط دولي.

وتحقيقا لهذه الأهداف والأفكار تعتمد الحركة – كما جاء في بيانها التأسيسي – على الوسائل التالية:

1- إعادة الحياة إلى المسجد كمركز لتعبد والتعبئة الجماهيرية الشاملة أسوة بالمسجد في العهد النبوي وامتداداً لما كان يقوم به الجامع الأعظم، جامع الزيتونة، من صيانة للشخصية الإسلامية ودعماً لمكانة البلاد كمركز عالمي للإشعاع الحضاري.

2- تنشيط الحركة الفكرية والثقافية، ومن ذلك: إقامة الندوات وتشجيع حركة التأليف والنشر، وتأصيل وبلورة المفاهيم والقيم الإسلامية في مجالات الأدب والثقافة عامة وتشجيع البحث العلمي ودعم الطلاب، واللباس الشرعي للفتيات.

3-   دعم التعريب في مجال التعليم والإدارة مع التفتح على اللغات الأجنبية.

4- رفض العنف كأداة للتغيير، وتركيز الصراع على أسس شورية تكون هي أسلوب الحسم في مجالات الفكر والثقافة.

5- بلورة مفاهيم الإسلام الاجتماعي في صيغ معاصرة وتحليل الواقع الاقتصادي التونسي حتى يتم تحديد مظاهر الحيف وأسبابه والوصول إلى بلورة الحلول البديلة.

6- تحرير الضمير المسلم من الانهزام الحضاري إزاء الغرب.

وبعد أن تحولت حركة الاتجاه الإسلامي إلى "حركة النهضة", نص بيانها التأسيسي أيضا على الأفكار العامة للحركة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, ومن أبرزها:

1- إشاعة روح الوحدة العربية والإسلامية والتوعية بقضايا الأمة الأساسية حتى يوضع حد لحالة التنافر والانفصال والتجزئة وتركز الجهود على قضايانا المصيري.

2- النضال من أجل تحرير فلسطين واعتباره مهمة مركزية وواجبا تقتضيه ضرورة التصدي للهجمة الصهيونية الاستعمارية التي زرعت في قلب الوطن كيانا دخيلا يشكل عائقا دون الوحدة ويعكس صورة للصراع الحضاري بين أمتنا وأعدائها.

3- حفظ كيان الأسرة، قوام المجتمع المعافى والعمل على أن تقوم العلاقات داخلها على المودة والرحمة والتكامل والاحترام، وتقديس الرباط الزوجي، وتوفير الظروف الملائمة لرعاية الطفولة تنشئة وإعدادا.

4- ترسيخ الهوية العربية الإسلامية وتجذيرها باعتبارها شرطا من شروط النهضة وإحلالها المكانة التي تستحقها تجسيدا لمقتضيات دستور البلاد وقوانينها، واعتبارا لكون الإسلام قيما وحضارة منهج حياة واللغة العربية وعاء للثقافة الوطنية.

5- توفير المناخ الملائم لنهضة فكرية وعلمية شاملة مقامة على الثابت من أصول الإسلام وعلى مقتضيات الحياة المتطورة بما يضع حدا لحالة الانحطاط والتخلف والتبعية والاغتراب.

لم تخل الحركة من النقد الموجه لها سواء من خلال نعتها بأنها إخوانية المنشأ والأفكار, رغم كونها لم تذكر تبعيتها للإخوان في بيانها التأسيسي, أو من خلال اعتبار الفكر الذي تنتهجه عصراني متميع مخالف للنصوص الشرعية, بدعوى الاستجابة للواقع المنحرف.

إلا أن أحدا لا يستطيع أن ينكر جهود الحركة في وقف زحف المد العلماني أو إضعافه والحد منه على أقل تقدير, إضافة لجهودها في بعث الشخصية الإسلامية وتجديد الفكر الإسلامي التونسي، و مناداتها بإعادة بناء الحياة الاقتصادية على أسس إنسانية، وبعث الكيان السياسي والحضاري للإسلام داخل البلاد وخارجها في ظل إعلام إسلامي ملتزم، ورفض كامل للعنف كأداة للتغيير، وتكريس السلطة الإسلامية الشورية الجماعية.

ولعل ما حصل بتونس في السنوات الثلاثة الأخيرة يؤكد أن ثمار هذه الحركة وأمثالها قد آتت بعض ثمارها, وأنه بمتابعة الجهود المخلصة والملتزمة بالكتاب والسنة, يمكن إعادة الحضارة الإسلامية إلى سالف عزها و مجدها.

ــــــــــ

 من أهم مراجع التقرير

الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة

كتاب : الحركة الإسلامية في تونس بقلم الكاتب الصحفي يحيى أبو زكريا

البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي وحركة النهضة

الموقع الرسمي لحركة النهضة على شبكة الانترنت

 
 
   Bookmark and Share      
  
 حركة الاتجاه الإسلامي بتونس "حركة النهضة"

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7