الجمعة 7 مارس 2014

كثيرة هي المسائل العقدية التي شذ فيها المعتزلة وخالفوا فيها منهج أهل السنة والجماعة, ومن أهم هذه المسائل: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أصحاب الكبائر من المسلمين الذين ماتوا ولم يتوبوا من ذنوبهم، فبينما اتفق أهل السنة والجماعة على إثباتها, أنكرها المعتزلة متأولين الشفاعة المذكورة في الكتاب والسنة بأنها ليست سوى رفع الدرجات وزيادة ثواب المشفوع فيهم ممن تابوا عن ذنوبهم من المؤمنين، أما أصحاب الكبائر ممن ماتوا قبل أن يتوبوا فهم كفار في نار جهنم خالدون فيها أبدا كما هي عقيدتهم الباطلة في هذا الأمر.

وسأحاول في هذا التقرير تسليط الضوء على هذه المسألة العقدية المهمة, من خلال ذكر موقف أهل السنة والجماعة من شفاعته صلى الله عليه وسلم بالمذنبين من أمته, ذاكرا أدلتهم بالتفصيل على ذلك من الكتاب والسنة الصحيحة, ليطمئن قلب المؤمن إلى صحة عقيدته, وليعود الغافل والتائه عن ذلك إلى سواء السبيل.

وفي تقرير لاحق بإذن الله سأتناول موقف المعتزلة من هذه المسألة, مستعرضا أدلتهم وشبهاتهم حول خلود مرتكب الكبيرة من المسلمين في النار, مع المناقشة والرد عليهم من أقوال علمائنا الأفذاذ رحمهم الله, لنخلص إلى الحقيقة المطلوبة في النهاية بإذن الله تعالى.

التعريف

الشفاعة في اللغة: كلام الشَّفِيعِ لِلْمَلِكِ في حاجة يسأَلُها لغيره، وشَفَعَ إِليه في معنى طَلَبَ إِليه، والشَّافِعُ الطالب لغيره يَتَشَفَّعُ به إِلى المطلوب يقال تَشَفَّعْتُ بفلان إِلى فلان فَشَفّعَني فيه. (1)  

والشفاعة اصطلاحا: سؤال الغير أن ينفع غيره، أو أن يدفع عنه مضرة، ولا بد من شافع ومشفوع له، ومشفوع فيه، ومشفوع إليه, أو هي: السؤال في التجاوز عن الذنوب من الذي وقع الجناية في حقه, أي هي التوسط في جلب الخير أو دفع الضر، فتكون الشفاعة دائرة على أمرين : جلب المنفعة ودفع البلاء. (2)

مذهب أهل السنة في الشفاعة

يثبت أهل السنة والجماعة الشفاعة بأنواعها، ومنها الشفاعة لأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن ماتوا قبل أن يتوبوا منها.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، والقول بأنَّه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان, وكذلك مذهب الصحابة والتابعين أنَّه صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الكبائر، وأنه لا يخلد في النار من أهل الإيمان أحد. (3)

ويقول الإمام أبو حنيفة: شفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حق، وشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم للمؤمنين المذنبين، ولأهل الكبائر منهم المستوجبين للعقاب حق ثابت. (4)

ويقول ابن قدامة المقدسي: ويشفع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر فيخرجون بشفاعته بعد ما احترقوا وصاروا فحما وحمما فيدخلون الجنة بشفاعته, ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات, قال تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون) ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين. (5)  

أدلة الشفاعة من القرآن الكريم

استدل أهل السنة والجماعة على ثبوت الشفاعة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, أما أدلتهم من القرآن فكثيرة نذكر منها:

1- قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ:مَذْهَبُ أَهْلِ السَّنَةِ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ عَقْلًا وَوُجُوبُهَا سَمْعًا بِصَرِيحِ قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) طه/109, وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) الأنبياء/28 وَأَمْثَالُهُمَا . (6)

2- وذكر فخر الدين الرازي عدة أدلة من القرآن الكريم في إثبات الشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم في إخراج عصاة الموحدين من النار, ومن هذه الأدلة قوله الله سبحانه وتعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: {إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} المائدة/11

ووجه الدلالة بهذه الآية على شفاعة محمد صلى الله عليه وسلّم في حق العصاة من أمته, أن قول عيسى عليه السلام (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ) ليس في حق أهل الثواب، لأن التعذيب لا يليق بهم، وليس أيضاً في حق الكفار لأن قوله (وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لا يليق بهم, فدل على أن ذلك ليس إلا في حق الفساق من أهل الايمان، وإذا ثبت شفاعة الفساق في حق عيسى عليه السلام ثبت في حق محمد صلى الله عليه وسلّم بطريق الأولى, لأنه لا قائل بالفصل. (7)

3- قول الله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} إبراهيم/36.

فقوله تعالى: (وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) لا يجوز حمله على الكافر لأنه ليس أهلاً للمغفرة بالإجماع، ولا حمله على صاحب الصغيرة ولا على صاحب الكبيرة بعد التوبة، لأن غفرانه لهم واجب عقلاً عند المعتزلة فلا حاجة له إلى الشفاعة، فلم يبق إلا حمله على صاحب الكبيرة قبل التوبة. (8)

4- قول الله تعالى: (يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً) مريم/85-87.

ليس في ظاهر الآية ما يدل على أن المجرمين لا يملكون الشفاعة لغيرهم, أو أنهم لا يملكون شفاعة غيرهم لهم، لأن المصدر كما يجوز ويحسن إضافته إلى الفاعل يجوز ويحسن إضافته إلى المفعول، إلا أنا نقول: حمل الآية على الوجه الثاني أولى، لأن حملها على الوجه الأول يجري مجرى إيضاح الواضحات، فإن كل أحد يعلم أن المجرمين الذين يساقون إلى جهنم وردا لا يملكون الشفاعة لغيرهم، فتعين حملها على الوجه الثانيوالذي يعني إثبات الشفاعة.

5- قول الله تعالى في صفة الملائكة: (وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى) الأنبياء/28.

يقول فخر الدين الرازي في الاستدلال بهذه الآية: واعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر: وتقريره هو أن من قال لا إله إلا الله فقد ارتضاه تعالى في ذلك، ومتى صدق عليه أنه ارتضاه الله تعالى في ذلك فقد صدق عليه أنه ارتضاه الله، لأن المركب متى صدق فقد صدق لا محالة كل واحد من أجزائه، وإذا ثبت أن الله قد ارتضاه وجب اندراجه تحت هذه الآية، فثبت بالتقرير الذي ذكرناه أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا. (9)

6-   قوله تعالى: (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) المدثر/48.

لقد ذكر الله تعالى أوصاف الكافرين ثم أعقب بقوله: (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)،أي أن الكفار محرومون من الشفاعة، فدل هذا على أن الشفاعة تنفع غيرهم وهم المؤمنون، يقول ابن جرير الطبري في تفسيره للآية الكريمة: فما يشفع لهم الذين شفعهم الله في أهل الذنوب من أهل التوحيد، فتنفعهم شفاعتهم، وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن الله تعالى ذكره مشفع بعض خلقه في بعض. (10)

أدلة الشفاعة من السنة النبوية

وأما أدلة ثبوت الشفاعة من السنة النبوية فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ثبوتها قد تواترت على أنه يخرج أقوام من النار بعدما دخلوها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أقوام دخلوا النار، وهذه الأحاديث حجة على الوعيدية الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم بخرج منها. (11)

ويقول في موضع آخر: قد ثبت بالنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم إخراج قوم من النار بعد ما امتحشوا، وثبت أيضا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من العصاة، والآثار بذلك متواترة عند أهل العلم بالحديث أعظم من تواتر الآثار بنصابالسرقة ورجم الزاني المحصن ونصب الزكاة ووجوب الشفعة وميراث الجدة وأمثال ذلك. (12)

ويقول ابن الوزير اليماني: وأحاديث الشفاعة المصرحة بخروج الموحدين من النار قاطعة في معناها بالإجماع، وهي قاطعة في ألفاظها لورودها عن عشرين صحابيا أو تزيد في الصحاح والسنن والمسانيد، وأما شواهدها بغير لفظها فقاربت خمسمائة حديث, كما أن أحاديث الشفاعة متواترة وفيها التصريح بدخول عصاة الموحدين النار ثم بخروجهم منها بالشفاعة. (13)

ومن أشهر هذه الأحدايث:

1- حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا) صحيح مسلم برقم 199، ولا شك أن من زنى أو سرق أو شرب الخمر لم يشرك بالله فهو ممن تناله الشفاعة إن شاء الله كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2- حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال– بخطاياهم، فأماتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل:يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل) سنن الترمذي برقم 2435 وصححه الألباني.

3- حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتدرون ما خيرني ربي الليلة ، قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنه خيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة ، وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة ، قلنا يا رسول الله ادع الله أن يجعلنا من أهلها ، قال : هي لكل مسلم) سنن ابن ماجة برقم 4393 وصححه الألباني.

4- حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (شفاعتي يوم القيامة لأهل الكبائر من أمتي) رواه أحمد في المسند، رقم 13245 وصحح إسناده الشيخ الأرنؤوط و رواه الترمذي رقم 2436 وصححه الألباني.

5- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا كان يوم القيامة شفعت فقلت يا رب أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة فيدخلون , ثم أقول أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء)، فقال أنس: كأني أنظر إلى أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم. صحيح البخاري برقم6509.

رغم كثرة هذه الأدلة من القرآن والسنة, ورغم وضوح دلالتها على  ثبوت الشفاعة النبوية لعصاة المسلمين الموحدين, إلا أن المعتزلة أنكروا ذلك, بل وزعموا أن مرتكب الكبيرة دون أن يحدث لها توبة في الدنيا خالدا مخلدا في نار جهنم والعياذ بالله, شأنه في ذلك شأن الكفار والعتاة, إلا أن عذابه أدنى من عذابهم, وهو ما سننقضه وندحضه في التقرير القادم بإذن الله تعالى.

ـــــــــــ

الفهارس

(1) لسان العرب:ابن منظور 8/183

(2) التعريفات للجرجاني ص 211، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير 2/485 و شرح العقيدة الواسطية 2/168.

(3) مجموع الفتاوى 1/116/318

(4) الفقه الأكبر/أبو حنيفة ص 41

(5) لمعة الاعتقاد/عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي 1/134

(6) شرح مسلم 3/35

(7) التفسير الكبير/ فخر الدين الرازي  12/145

(8) التفسير الكبير/  12/145

(9) التفسير الكبير/  22/160

(10) تفسير الطبري/ 24/37 .

(11) مجموع الفتاوى 7/486

(12) منهاج السنة النبوية 6/204

(13) إيثار الحق على الخلق 1/359/374

 
 
   Bookmark and Share      
  
  الشفاعة عند أهل السنة والجماعة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7