الخميس 10 أبريل 2014

التفسير العلمي بين القبول والرد – عرض ودراسة

د. عبد السلام حمدان اللوح - أستاذ مشارك بقسم التفسير وعلوم القرآن - كلية أصول الدين - الجامعة الإسلامية – غزة

=========================

يكثر من حين لآخر وخاصة في الآونة الأخيرة ظهور تفسيرات للقران الكريم تدخل فيه الحقائق العلمية بالآيات القرآنية ويحاولوا أن يكون ذلك دليلا قاطعا على أن القرآن كلام الله ومن عنده ويستخدمون ذلك في الدعوة إلى الله لهداية الناس وخاصة الذين لا يتكلمون العربية.

وللعلماء في هذا التفسير آراء من حيث قبوله بالكلية ورفضه بالكلية فاختار الباحث هذا الموضوع ليطرح أربعة نماذج لآراء كل من المعارضين والمسرفين والمعتدلين ثم قام بمناقشة آراء المعارضين والمسرفين ثم اجتهد في وضع بعض القواعد والأسس والضوابط التي يمكن أن ينضبط بها القول بالتفسير العلمي.

وجعل الباحث بحثه هذا في مقدمة وثلاثة مباحث ثم خاتمة جمع فيها أهم النتائج التي توصل إليها من هذا البحث.

وفي المقدمة التي يفترض دوما أن تكون مقدمة نمطية روتينية تكلم الباحث عن فضل تفسير القران الكريم وأهميته وجهود الكثير من العلماء فيه ثم عرف بعض المصطلحات التي سيدور حولها البحث مثل النظرية العلمية و الحقيقة العلمية والتفسير العلمي.

ثم تحدث عن التفسير العلمي للقران الكريم وأهميته وضرورة وجوده فهم فرع من فروع تفسير آيات من القران الكريم امتثالا للآية الكريمة "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ... " فصلت:53, ولكن معظم الآفات العلمية تتجه دوما إلى الوقوع في أحد خطأين, ألا وهما الإفراط أو التفريط, فنجد إفراطا من مسرفين في التفسير العلمي تجاوزوا به الحد المعقول, فصاحبه تفريط كردة فعل معاكسة تمثلت في موقف المنكرين للتفسير العلمي بالكلية.

المبحث الأول: المعارضون للتفسير العلمي

ذهب جمع غفير من العلماء القدامى والمحدثين إلى إنكار واستبعاد لهذا اللون من التفسير القرآني وتفاوتوا فيما بينهم في الإنكار الكامل أو المعارضة لجزئياته.

وكان من ابرز المعارضين القدامى أبو إسحاق الشاطبي الذي ذكر في كتابه "الموافقات في أصول الشريعة" مسألة أميّة الرسالة فقال مستنكرا لادراج هذه العلوم في التفاسير "إن كثيراً من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحدَّ، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين، من علوم الرياضيات، والتعاليم، والمنطق، وعلم الحروف، وجميع ما نَظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها، وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح"[1].

فناقش الباحث رأي الإمام الشاطبي بأن الاستدلال على أُمية الرسالة بأُمية الرسول صلى الله عليه وسلم غير مُسلَّم به وأن الاستدلال بأُميّة العرب يوم نزول القرآن على أُميّة الرسالة قولٌ مردود لأن القرآن لم ينزل لأمة واحدة ولا لقرن واحد, ثم ذكر رد ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير" وهو كما وصفه الباحث بأنه "ردٌ حاسمٌ وشافٍ".

ثم ذكر الباحث رأي بعض العلماء المحدثين المنكرين لمسالة التفسير العلمي مثل شيخ الأزهر الراحل محمود شلتوت والدكتور محمد حسين الذهبي والدكتور شوقي ضيف الذين زادوا على أدلة الشاطبي أدلة أخرى من الناحية اللغوية والناحية البلاغية والناحية الاعتقادية, فاستعرض هذه الأدلة ثم ناقشها ثم استند إلى أقوال كثيرة لعدد من العلماء منهم الدكتور منصور محمد حسب النبي: "فإذا كانت الحقيقة العلمية تتفق مع نص الآية القرآنية، فما الذي يمنع عقلاً وشرعاً من تفسير الآية طبقاً لتلك الحقيقة العلمية الثابتة القاطعة، ولا سيما أن العصر الذي نعيش فيه الآن عصر مادي لا يؤمن بغير لغة العلم وسيلة للتخاطب فضلاً عن الإقناع.. لذلك فإن علينا نحن المشتغلين بالعلم أن نبرز التفسير العلمي للقرآن تيسيراً للدعوة إلى الإسلام في هذا العصر"[2].

المبحث الثاني: المسرفون في التفسير العلمي

وفيه استعرض آراء المؤيدين المسرفين فعرض آراءهم وأدلتهم وناقشهم فيها, فاستعرض من آراء القدامى رأي الإمام الغزالي والفخر الرازي والسيوطي فعرض لأقوالهم كلا على حدة ثم استعرض من آراء المحدثين رأي الشيخ طنطاوي جوهري وهو من المعاصرين فافرد له وقفة مستقلة ومناقشة خاصة لأنه –كما وصفه- أكثرهم إسرافا وإفراطا وتوسعا في مباحث العلوم وجزئياته من خلال علم التفسير.

ففي الفصل الخامس من كتابه "جواهر القرآن" يقول الغزالي عن كيفية انشعاب سائر العلوم مطلقاً من القرآن: "ولعلك تقول إن العلوم وراء هذه كثيرة كعلم الطب والنجوم وهيئة العالم وهيئة بدن الحيوان، وتشريح أعضائه، وعلم السحر، والطلسمات وغير ذلك.. فهذه العلوم ما عددناها، وما لم نعدها ليست أوائلها خارجة عن القرآن، فإن جميعها مغترفة من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى، وهو بحر الأفعال، وقد ذكرنا أنه بحر لا ساحل له"[3].

وأما الفخر الرازي في كتابه "مفاتح الغيب" المشتهر بالتفسير الكبير الذي قال عنه محمد رشيد رضا: "وقد زاد الفخر الرازي صارفاً آخر عن القرآن، هو ما يورده في تفسيره من العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها من العلوم الحادثة في الملة على ما كانت عليه في عهده، كالهيئة الفلكية اليونانية وغيرها".

ولم يختلف السيوطي عنهما حيث قال "وأنا أقول قد اشتمل كتاب الله العزيز على كل شيء، أما أنواع العلوم فليس منها باب ولا مسألة هي أصل إلاّ وفي القرآن ما يدل عليها، وفيه عجائب المخلوقات، وملكوت السماوات والأرض، وما في الأفق الأعلى وتحت الثرى.. إلى غير ذلك مما يحتاج شرحه إلى مجلدات"[4].

وناقش الباحث أقوال العلماء الثلاثة حيث أنهم قد بالغوا جدا في استنباط العلوم من القرآن فحمّلوه كل صغيرة وكبيرة, ولهذا فإن هذه الأدلة والأقوال تفتح الباب على مصراعيه لكل من يريد أن يقول في تفسير القران ما يشاء.

ولا شك أن هذا الإسراف هو ما دفع العلماء لردة الفعل العكسية بالإنكار تماما, وهذا ما يقوله الدكتور عماد الدين خليل: "إن الفعل الخاطئ -كما هو معروف- يولد رد فعل خاطئ يساويه في القوة، ويخالفه في الاتجاه، وهكذا فإن مبالغة طائفة من المفكرين في تحويل القرآن الكريم إلى كتاب رياضيات وفلك وطب وتشريع، دفع طائفة أخرى إلى وضع جدار عازل بين القرآن والمعطيات العلمية".

أما رأي الشيخ طنطاوي جوهري ومصنفه في التفسير يحمل اسم "الجواهر في تفسير القرآن الكريم، المشتمل على عجائب المكنونات وغرائب الآيات الباهرات" وجمع فيه من العلوم والمعارف ما أخرجه عن كونه كتاب تفسير فجمع فيه كل غريب ورسم فيه صورا متنوعة عن النباتات والأعشاب والحيوانات والطيور إلى غير ذلك من الكائنات.

ولا ينكر أن هدف الشيخ إصلاحي ويظهر فيه حرصه على رقي الأمة الإسلامية لكن ليس بهذا الإفراط فتسبب بهذا الإفراط في ظهور عدد من المثقفين المعاصرين كالأستاذ عبد الرزاق نوفل وكذلك الدكتور مصطفى محمود في عدة كتب لهما.

المبحث الثالث: المعتدلون في القول بالتفسير العلمي

وهؤلاء الذين كانت لهم مواقف معتدلة في القول بالتفسير العلمي فلم يميلوا إلى الإفراط أو التفريط وهم جمع يصعب حصرهم ويغلب عليهم أنهم معاصرون على الرغم أن لبعضهم زلات تفسيرية فكان رأيهم –كما رجح الباحث- أقرب إلى الحق والعدل وكان فيه من المعقولية ما يدعو إلى قبوله والتسليم به.

الخاتمة

وفي خاتمة البحث ذكر الباحث عرضا عاما لأصحاب الآراء الثلاثة ثم حاول تأصيل وتقعيد القول بالتفسير العلمي للقرآن الكريم بعيداً عن الإفراط والتفريط وذلك في عدة نقاط منها:

-      القرآن لم ينزل للعرب وحدهم، وإنما لكل العصور والأجيال.

-      القرآن كتاب هداية وإعجاز معا لا ينفصلان إلى قيام الساعة.

-      يجب على المسلمين في كل عصر أن يفهموا النص القرآني حسب قدرتهم وثقافتهم العلمية.

-      النظريات العلمية بمنهجيتها لا يلغي بعضها بعضا وإنما يدعم اللاحق منها السابق.

-      الحقيقة العلمية الحالية قد يعتريها شيء من التطور حسب إمكانات العصر وما يجِدُّ من معارف وعلوم.

-      لا يُجزم بأن مراد الله من آياته هو هذه النظرية أو تلك الحقيقة، وإنما نستأنس بهما فقط إن توافقتا مع ظاهر الآية القرآنية.

-      يجب عدم إخضاع الآيات القرآنية وإرغامها لتوافق حقيقة علمية فهذا تكلف لا يقبله الله لكتابه.

-      توافق ظاهر آية قرآنية مع حقيقة علمية مع تمام المطابقة بينهما فهذا دليل علمي يثبت أن القرآن كلام الله قطعا.

-      التفسير العلمي ليس مصاحباً لزمن النزول.

-      الوسطية والاعتدال في القول بالتفسير العلمي هو خير الأمور وأكثرها قبولا.

جزى الله الباحث الكريم خير الجزاء على هذا البحث الذي يحتاج لمزيد بسط لأهمية موضوعه وخاصة في هذه الفترة التي تكثر فيها الكتابات الأحاديث في مثل هذا الموضوع

 

 


 

[1] ) الموافقات في أصول الشريعة ج2 ص 79-80 .

[2] الكون والإعجاز العلمي للقرآن – منصور محمد حسن النبي.أستاذ ورئيس قسم الطبيعة بكلية البنات بجامعة عين شمس .

[3] جواهر القرآن – لأبي حامد محمد الغزالي – ص 25

[4] ) الإتقان في علوم القرآن – جلال الدين السيوطي - ج2 ص125،

126

 

لتحميل الدراسة انقر هنا:

 
 
   Bookmark and Share      
  
  التفسير العلمي بين القبول والرد

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7