الإثنين 14 أبريل 2014

لم تكن ظاهرة الغلو في الدين وليدة العصر الحديث كما يظن البعض, بل هي قديمة قدم وجود الأديان, فقد غالى اليهود في عزير عليه السلام, تماما كما غالت النصارى في المسيح عيسى بن مريم عليه السلام, قال تعالى : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} التوبة/30.

والغلو في أصل اللغة العربية هو الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء, وهو في الشرع مجاوزة حدود ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالزيادة اعتقادا أو فعلا, ومن  خلال التعريف يتبين أن الغلو نوعان: غلو في الاعتقاد وغلو عملي في العبادات, ومع أن الغلو الاعتقادي هو الأخطر  بلا شك, إلا أن ذلك لا يقلل من خطر الغلو العلمي نظرا لكونه قد يجر المسلم شيئا فشيئا  للغلو الاعتقادي.

العلاج النبوي لمظاهر الغلو الاعتقادي

على الرغم من عدم ظهور  الغلو الاعتقادي إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بفترة لم تكن قصيرة, حيث كانت بدايات ظهوره في افتراءات عبد الله بن سبأ اليهودي على الإسلام, حيث زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يمت بل رفع وسيرجع كما رفع وسيرجع عيسى بن مريم عليه السلام, إضافة لظهور فكر الخوارج الذي يعتبر النموذج الأبرز لظاهرة  الغلو الاعتقادي في الإسلام, والذي وصل إلى حد تكفير كبار الصحابة الكرام وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

على الرغم من  هذا التأخر في ظهور الغلو الاعتقادي عن زمن حياة النبي صلى الله, إلا أن ذلك لم يمنع معالجة النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الداء العضال معالجة وقائية تحذيرية وتوجيهية أثناء حياته, فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ظهور فئة الغلاة هذه في حياة المسلمين, فقال صلى  الله عليه وسلم عنهم كما جاء في حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: (بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ ذَاتَ يَوْمٍ قِسْمًا فَقَالَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ !! قَالَ : وَيْلَكَ مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ !! فَقَالَ عُمَرُ : ائْذَنْ لِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ . قَالَ : ( لَا إِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمُرُوقِ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ...) صحيح البخاري برقم/6163

وفي رواية أخرى: (إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا أَوْ فِي عَقِبِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ)صحيح البخاري/3344.

فقد تمثلت المعالجة النبوية في التحذير من هذه الفئة, من خلال ذكر أوصافها وسماتها للابتعاد عنها وأهمها:

1- الجهل وقلة العلم في شرع الله , ولذلك فهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم, ولا تنفعهم كثرة عباداتهم من صلاة وصيام لكونها غير مضبوطة بضابط شرع الله ودينه, وهو توجيه نبوي واضح للإقبال على تعلم شرع الله وحدوده, والالتزام به للوقاية من الوقوع في الغلو الاعتقادي الخطير.

2- الانجرار إلى استباحة دماء المسلمين بعد الوقوع في آفة تكفيرهم, وهي سمة بارزة في هذه الفئة في كل زمان ومكان, فهم يقتلون المسلمين بعد تكفيرهم ويدعون أعداء الإسلام من اليهود والمشركين.

ولم  تقتصر المعالجة النبوية لمظاهر الغلو الاعتقادي على التحذير من فئة بعينها ستخرج في أمته صلى الله عليه وسلم مستقبلا, والتي يجمع العلماء بأنها فئة الخوارج التي ظهرت في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه, بل اشتملت كذلك على أقواله صلى الله عليه وسلم التي تحذر الأمة من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم السابقة من الغلو المذموم, فقال (يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) صحيح ابن ماجه للألباني برقم/3020.

ورغم أن الحديث ورد بخصوص التقاط حصيات رمي الجمار بالحج والتأكيد على أن تكون صغيرة لا كبيرة كما يغالي بعض الناس, إلا أن القاعدة الأصولية تقول: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب", وبالتالي فإن النهي عن الغلو يشمل كل شيء في هذا الدين.

والمقصود بالأمة التي أهلكها الغلو في الدين هم النصارى , فقد ذكر الله غلوهم في القرآن الكريم بقوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} النساء/171.

جاء في تفسير ابن كثير: ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا حد التصديق بعيسى، حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه، ممن زعم أنه على دينه، فادَّعوْا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقًا أو باطلا أو ضلالا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا؛ ولهذا قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} التوبة/ 31.

وحذرا من وقوع المسلمين فيما وقعت فيه النصارى من الغلو في نبي الله عيسى ابن مريم, ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه أيضا: (لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) صحيح البخاري برقم/3445, وهو نوع من المعالجة النبوية التحذيرية من الغلو في الدين.

العلاج النبوي لمظاهر الغلو العملي

رغم أن الرغبة في المزيد من التقرب إلى الله تعالى كانت الدافع الحقيقي وراء وقوع بعض الصحابة في مظاهر الغلو التي سنذكرها تحت هذا العنوان, مما يبعدهم تماما عن أي تهمة أو نقيصة رضوان الله عليهم أجمعين, إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتبر ذلك مسوغا شرعيا للاستمرار في ذلك أو المداومة عليه, بل بادر لمعالجة تلك المظاهر معالجة مباشرة, معتبرا أنها غلوا عمليا في الدين منهي عنه, ولا يمكن السكوت عنها مطلقا. ومن أهم هذه الحالات:

1- حادثة الثلاثة الذين سألوا عن عبادته صلى الله عليه وسلم: فقد ورد في الحديث الصحيح عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا. فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ أَحَدُهُمْ : أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: (أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) صحيح البخاري/5063

ويبدو واضحا وقوع الثلاثة في الغلو في العبادة المنهي عنه في الإسلام, كما تبدو المعالجة النبوية الحكيمة لهذا الغلو من خلال عدة توجيهات:

· المواجهة النبوية المباشرة لهذه الحادثة فور وقوعها وعدم تركها دون معالجة نظرا لخطورتها على المجتمع الإسلامي, مما يشير إلى أهمية المبادرة إلى معالجة جميع مظاهر الغلو في مهدها وبدايتها.

· التأكد من صدور هذا الغلو منهم, ثم بيان خطئهم في ذلك, والتأكيد على أن ما يفعله صلى الله عليه وسلم هو التدين الصحيح, وأنه أكثر الناس خشية لله, وأن الزيادة عليه في العبادة بهذا الشكل ليست محمودة, بل هي مذمومة إلى حد تخرج صاحبها عن انتمائه لأمته صلى الله عليه وسلم.

2- حادثة الحبل الممدود بين ساريتين: فقد ورد في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فرأى حبلا ممدودا بين ساريتين فقال: ما هذا الحبل ؟؟ قالوا: لزينب تصلي فيه فإذا فترت تعلقت به. فقال: (حلوه حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد) صحيح ابن ماجه للألباني برقم/1129

وتظهر المعالجة النبوية هنا في الأمر بحل الحبل فورا وإنهاء حالة الغلو في العبادة, ومن ثم بالنهي العام عن تكرار وقوع هذا الأمر مستقبلا, وبيان أن العبادة الصحيحة في الإسلام هي ما كانت في حالة النشاط واليقظة والقوة, لا بإنهاك الجسد وحمله كرها على العبادة.

3- حديث سلمان وأبو الدرداء: فقد ورد في صحيح البخاري عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ , فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا : مَا شَأْنُكِ ؟؟ قَالَتْ : أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا , فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ : كُلْ , قَالَ : فَإِنِّي صَائِمٌ . قَالَ : مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ قَالَ : فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ قَالَ : نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ : قُمْ الْآنَ فَصَلَّيَا , فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ . فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (صَدَقَ سَلْمَانُ) .

وهو ما يشير أن ما قام به سلمان من معالجة مظهر الغلو الذي وقع فيه أبو الدرداء في العبادة التي جعلته يهجر زوجته ويتعب جسده كان تعلما من رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويؤكد ذلك ما ورد في الحديث حين علم النبي صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يصوم الدهر ويقرأ القرآن كل ليلة: (أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ ) قُلْتُ : بَلَى يَا نَبِىَّ اللَّهِ وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلاَّ الْخَيْرَ. قَالَ ( فَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ). قُلْتُ يَا نَبِىَّ اللَّهِ إِنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ (فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا - قَالَ - فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ نَبِىِّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ ). قَالَ قُلْتُ : يَا نَبِىَّ اللَّهِ وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ قَالَ ( كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا ) . قَالَ ( وَاقْرَإِ الْقُرْآنَ فِى كُلِّ شَهْرٍ ). قَالَ قُلْتُ : يَا نَبِىَّ اللَّهِ إِنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ ( فَاقْرَأْهُ فِى كُلِّ عِشْرِينَ ). قَالَ قُلْتُ : يَا نَبِىَّ اللَّهِ إِنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ ( فَاقْرَأْهُ فِى كُلِّ عَشْرٍ ). قَالَ قُلْتُ يَا نَبِىَّ اللَّهِ إِنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ ( فَاقْرَأْهُ فِى كُلِّ سَبْعٍ وَلاَ تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ) صحيح مسلم برقم/2787 .

إنها المعالجة النبوية الحكيمة التي تدعو المسلمين إلى التوسط في العبادة وعدم المغالاة فيها, دفعا للمشقة عنهم ورأفة ورحمة بهم, فقد جاء الإسلام بالحنيفية السمحة ونهى عن الرهبانية التي تعتبر شكلا من أشكال المغالاة في العبادة, سواء من حيث الانقطاع الكامل للعبادة وترك عمارة الأرض, أو من خلال الامتناع عن الزواج نهائيا وتحريم طيبات ما أحل الله تعالى لعباده.

ولا شك أن المتلبس بمظهر من مظاهر الغلو سيندم في النهاية لا محالة نظرا لأن ما يقوم بها مخالف للطبيعة البشرية التي جبل الله الناس عليها, وقد عبر عبد الله بن عمرو بن العاص عن هذا الندم حين قال في ختام الحديث الأخير: قَالَ فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَىَّ قَالَ وَقَالَ لِىَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّكَ لاَ تَدْرِى لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمْرٌ». قَالَ فَصِرْتُ إِلَى الَّذِى قَالَ لِىَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنِّى كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِىِّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 المعالجة النبوية لمظاهر الغلو في الدين

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7