الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2014
 
الثلاثاء 20 مايو 2014

الأخبار القادمة من الهند لا تسر كثيرا. فقد اكتسح الانتخابات البرلمانية حزب هندوسى أصولى، له تاريخ طويل فى كراهية المسلمين وقمعهم. إذ طبقا للنتائج التى أعلنت يوم الجمعة الماضى 15/5 فإن حزب الشعب الهندى (بهاراتيا جاناتا) حصل على الأغلبية فى البرلمان (280 عضوا من 543)، ملحقا هزيمة قاسية بحزب المؤتمر الذى يحكم البلاد منذ عشر سنوات، وبهذه الأغلبية فقد أصبح بمقدور حزب الشعب ان يشكل حكومة غير ائتلافية فى البلاد، لأول مرة منذ ثلاثين عاما.

صوتت الأغلبية لصالح بهاراتيا جاناتا، وهو ما يتعين القبول به واحترامه لا ريب. إلا أن الفوز الذى حققه يثير مخاوف 180 مليون مسلم، يعيشون «كأقلية» فى البلد الذى يتجاوز سكانه مليار شخص. وهم يمثلون ثانى أكبر تجمع للمسلمين فى العالم (إندونيسيا تحتل المرتبة الأولى إذ يبلغ عدد المسلمين فيها أكثر من 200 مليون) وتلك المخاوف لها ما يبررها. ذلك أن الحزب الفائز الذى تأسس فى عام 1980، خرج من رحم الحركة الأصولية التى اعتبرت غير الهندوس (المسلمين والمسيحيين) أجانب وتعتبر الهند دولة هندوسية، وكل من ليس كذلك اما ان يعود إلى الهندوسية أو لا مكان له فى البلاد. ليس ذلك فحسب، وإنما الثابت ان رئيس الحزب ناريندرا مودى (63 سنة) الذى سيتولى رئاسة الحكومة من خريجى أكثر أجنحة الحركة الأصولية تعصبا وكراهية للمسلمين، فضلا عن ان الرجل الذى رأس حكومة و لاية غوجارات لمدة 13 سنة تحسب له انجازاته الاقتصادية التى حققها فى ولايته، لكن سجله فى قمع المسلمين واضطهادهم لا ينسى.

بين يدى دراسة حول الأصولية الهندوسية أعدها الدكتور ظفر الإسلام خان، الباحث المتخصص فى تاريخ مسلمى الهند، ذكر فيها ان الحركة الهندوسية عمرها أكثر من قرن، إلا أن صحوتها الحقيقية برزت عام 1981 عقب اعتناق مئات من المنبوذين (الهاريجان) للإسلام فى قرية ميناكشى بوم فى جنوب الهند، وقتذاك ارتفعت أصوات القوميين محذرة من غزو الإسلام للهند مجددا بعدما حكمه طوال ثمانية قرون.

فى سيرة رئيس الوزراء الجديد انه تربى وتشكل فى منظمة أصولية فاشية باسم راشتريا سيواك سانغ (منظمة الخدمة الوطنية). وهى تنظيم شبه عسكرى أسسه فى سنة 1929 الطبيب ك.ب. هيد غيوار مع حفنة من البراهمة فى غرب الهند. واستهدف بذلك التنظيم احياء الأمة الهندوسية التى يعتبرونها «الها حيا»، ولجأت إلى تجنيد الشباب وإعدادهم روحيا وبدنيا وعسكريا لأداء تلك المهمة المقدسة.

من عباءة راشتريا سيواك سانغ خرجت تنظيمات عدة كان أولها حزب الجان سانغ الذى أنشئ فى عام 1951 بعد الضربة التى تلقتها الحركة الأم فى عام 1948، حين قام أحد أعضائها البارزين (اسمه ناتورام غورسيه) باغتيال المهاتما غاندى. ورفع الحزب الجديد شعار (هندى. هندو. هندوستان) أى أن لغتنا هى الهندية ونحن شعب هندوسى، وبلادنا بلاد الهندوس. وبسبب الخلافات الداخلية بين أجنحة الحزب، فإن قيادته طورت موقفها وتخيرت اسما جديدا بديلا عن الجان سانغ. وكان الاسم الجديد هو «بهاراتيا جاناتا» الذى فاز بأغلبية الأصوات فى الانتخابات النيابية الأخيرة.

بهاراتيا جاناتا ليس متعصبا للقومية فقط ولكنه متعصب للديانة الهندوسية أيضا، وذلك هو السبب فى رفضه للمسلمين والمسيحيين والعلمانيين أيضا. رغم ان معركته الأساسية ضد الوجود الإسلامى ليس فقط بسبب العدد الكبير للمسلمين، ولكن أيضا لأن لهم وجودهم وآثارهم التى بقيت على الأرض، بعدما ظل المسلمون يحكمون الهند طيلة 800 عام. لذلك فإنهم لا يتطلعون إلى القضاء على المسلمين أو إدخالهم إلى الهندوسية فحسب، ولكنهم يحاولون محو آثار الوجود الإسلامى فى البلاد. ومشهورة قصتهم مع المسجد البابرى (نسبة إلى الامبراطور بابرو أول أباطرة المغول الذى بناه فى مدينة ايوديا عام 1528م) ــ ولكن الهندوس ادعوا أن المسجد بنى على أنقاض معبد ولد فيه الإله «راما» وقد قام أعضاء حزب بهاراتيا جاناتا بهدمه فى عام 1992، الأمر الذى صدم المسلمين وأثار غضبهم، خصوصا أن الهدم تم ضمن خطة موضوعة لإزالة آثار الوجود الإسلامى فى البلاد.

عديدة هى الصدامات الطائفية والمذابح التى تعرض لها المسلمون على أيدى المتعصبين الهندوس. ولم تستثن من ذلك ولاية غوجارات التى رأس حكومتها ناريندرا مودى فى عام 2001. ذلك ان الولاية شهدت هجمات على بيوت المسلمين فى عام 2002 أدت إلى مقتل ألف شخص منهم، واتهم مودى آنذاك بأنه شجع أعمال العنف ولم يبذل جهدا لحماية المسلمين، وذهب فى تحديه لهم انه عين فى حكومته امرأة أدينت فى الهجوم على بيوت المسلمين، وبسبب موقفه ذلك والشبهات التى أثيرت حوله، فإنه منع من دخول الولايات المتحدة. وقد رفع عنه الحظر مؤخرا لأن القضاء لم يوجه إدانة إليه، بعدما بدا أنه فى الطريق لأن يرأس حكومة الهند كلها.

إن كثيرين يتحدثون عن آمال الانعاش الاقتصادى المعلقة على توليه للسلطة. وهم محقون فى ذلك، لكننا نعذر أيضا إذا أقلقنا وجوده على رأس السلطة، لأن تاريخه مع المسلمين لا يسمح لنا بالتفاؤل أو إحسان الظن به ــ أدعو الله أن يخيِّب ذلك الظن.. غدا بإذن الله لنا كلام آخر فى الموضوع.
فهمى هويدى

 
 
   Bookmark and Share      
  
 فوز لا يسرنا كثيرًا

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7