الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2014
 
الأربعاء 4 يونيو 2014

 بقاء الانقلاب.. هل صار واقعا لا يمكن تغييره؟

بقلم: د. نبيل فولي

أنفاس الإحباط وروائح اليأس تتسرب إلى الناس في ميادين مصر هذه الأيام تسربا خبيثا، وتزحف من جحورها الخفية على معنوياتهم زحفا خطيرا، ويرعى هذه الزحوف والأنفاس والروائح البغيضة نوعان من الناس:

الأول: شياطين الانقلاب وعملاؤه وأجهزته الإعلامية بفروعها في الدول العربية والغربية، وتعتمد في إشاعة روح القنوط واليأس في صفوف الناس على أن الواقع الثقيل تجاوز مطالب الثوار، وأنه قد صار ينطق بلسان غير لسانهم، وأن رحى الحقيقة القائمة قد طحنت حقيقة الأمس (رئيس شرعي ودستور شرعي ومجلس نواب شرعي اختارهم الشعب بحريته)، وإن كان الأمس ما زال له ظل قائم، فإن المواجهة بينه وبين خصومه غير متكافئة، فالشعب - مهما يكن - أعزل يواجه قوات مدربة ومدججة بالسلاح، ودولةً بكامل هيلمانها، ومجتمعا عربيا ودوليا خائنا متواطئا، فأنى للجماهير العزلاء أن يغلب صبرها البندقية؟ وكيف لأصواتها أن تعلو على هدير الدبابة والطيارة؟!

النوع الثاني: أناس عرفوا الحق بعقولهم ولم تعرفه قلوبهم، فانتظروا مكافأته ولم يقدّموا ضريبته، وتوقعوا حلاواته دون أن يذوقوا شيئا من مرارته، فجبنوا لما رأوا النصر يبتعد ويقترب دون أن يأتي، فخشوا أن يتمكن الانقلاب فيُحسَبوا ممن عارضه، فيصيبهم ضرر، أو يلحق بلقمة عيشهم تضييق. وما مثلهم إلا كمن قال الله تعالى فيهم: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ...}. ومن هؤلاء - للأسف - أناس لهم سابقة خير، ومواقف زأروا فيها ضد الباطل، وصولات وجولات مع الاستبداد والديكتاتورية، إلا أنهم قرأوا المسألة خطأ، أو خشوا وطأة السجان، والله تعالى المستعان!!

فهل لنا الحق في أن نيأس؟ وكيف نغلب بأحلامنا يأسنا؟ وكيف ننتصر في معركة النفوس الحائرة قبل أن ننتصر في معركة الميادين والصولة والجولة مع الانقلاب وعملائه هنا وهناك وهنالك؟

أحلامنا حقائق

ثمة نوعان من الأحلام: أحلام مستحيلة لا يمكن أن تتحقق فلا تضعها في اعتبارك، وأحلام ممكنة. وللأخيرة درجات ثلاث: سهلة، وصعبة، وصعبة جدا. السهلة لا يختلف الناس معك حين تدور في خيالك، وتداعب آمالك، فلن يجادل أبٌ موسر طفلَه في إمكان أن تكون في حوزته كرة أو دراجة.

فإذا جئت إلى الأحلام الصعبة، وجدتها ترتبط في أكثر الأحيان بالأحلام الشخصية التي تحتاج من صاحبها إلى جهد كبير، وعمل متواصل. والعمل على التغيير والإنجاز في نطاق الشخص مع التدريب والصبر يمكن أن يحقق آيات في حياة البشر لعبور المصاعب، وتجاوز العقبات، وتحقيق أشياء مدهشة، فيخرج من أحد الأحياء الفقيرة في ساوباولو (بيليه) أعظم لاعب كرة قدم في التاريخ، ويصبح الأيرلندي ستيفن هوكينج المقعد العاجز عن الكلام وحتى عن تحريك يديه من أعظم العقول الفيزيائية في التاريخ، وهكذا.

أما الأحلام الصعبة جدا، فدعنا نلصقها بالمجتمعات والدول؛ لأنها أولى بها من الأفراد، فهي تحتاج إلى جهود خارقة في نطاقات متعددة، ومجالات كثيرة، فلكي تغير المجتمع فأنت في حاجة إلى خطة عمل محكمة، ومجموعات عمل متناغمة تعرف ماذا تريد، وتبذل الجهد المكافئ لتحقيق ما تريد.

وسل عن ذلك دولا كثيرة في هذا الزمان هدّت أركانَها الحروب، أو نقض بنيانَها الاحتلال الأجنبي، أو هدمها الاستبداد والديكتاتورية، ثم خرجت من تحت الرماد تتمسك بأهداب البقاء، وليس أي بقاء، بل البقاء في المقدمة وفي الذروة من الأمم والمجتمعات، سل عن هذا اليابان وألمانيا، وسل عنه الصين وكوريا الجنوبية، واستفسر عنه تركيا وماليزيا والبرازيل – يخبروك جميعا أن كل ما فعلوه هي أحلام داعبت الخيال، ثم صارت بالعمل والصبر والاحتساب والتخطيط واقعا يخبر عن نفسه وبنفسه!

سيخرج من يقول: إن حالتنا غير حالتهم، وأوضاعنا غير أوضاعهم! وهذا أول الإحباط، وموت محقق قبل الموت المتوقع. والذي يفكر بهذه الطريقة عليه – إن كان صادقا في طلب الحق - أن يدرس كيف كانت أحوال هذه الدول قبل أن تتغير، وقبل أن تقفز من الذيل إلى المقدمة والصدارة، فبعضها كان ينازع الموت، ويكاد يسلم الروح، لكن الروح انتفضت، وعلمت أن الموت الشريف يوجب أن تحاول البقاء، أن تعاكس الموجات المعاكسة، بل أن تكسر موج البحر العاتي، حتى تعبر بسفينتها بحر الحياة، وإلا نم أنت منتظرا الموت، ودع غيرك يحلم، ويعمل لأحلامه!

أكثر هذه الدول المذكورة – كما ترى – لا تدين بالإسلام، بل كثير منها ليس له كتاب ولا شبهة كتاب، مما يعني أن الأحلام والإنجاز وتحقيق الأحلام الصعبة جدا لغة عالمية، فهل من حق كل الأمم أن تعرف هذه اللغة العظيمة إلا المسلمين؟!

كان الإسلام في أوّله رجلا واحدا، هو الشريف العظيم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم، ثم صار الأمةَ الأولى في العالم طوال عشرة قرون، وعبر دون ذلك أودية صعبة وسككا جائرة، وتجاوز آلافا وآلافا من محاولات إطفاء نور الله، ولكن الرجال الذين كانوا هناك – رفاق محمد النبي وتلاميذه - كانوا رجالا {...صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}، فكافأهم الله بالحسنيين، وصاروا سادة الدنيا، ورجال الآخرة المقدَّمين: "إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة" (رواه مسلم).

وهل كان رسول الله هو الوحيد في هذه الأمة الذي حقق الله على يديه أصعب ما يمكن من تغيير النفوس، وتحويل مسار الواقع المخالف ليعمل في صالح الحق والحقيقة الخالدة؟

لا، وإن كان الأعظم في هذا، فمنذ توفي نبي الله الخاتم صلى الله عليه وسلم والأمة تتعرض للمحن، وتمر بها الشدائد من زمن إلى آخر، فلا تعبر واحدة إلا تبعتها أختها، وفي كل حال يخرج منها رجال حق رجال يئدون الفتن، ويدرءون الأخطار. وهل نسيت صرخة أبي بكر في الناس لما قامت الردة الكلية والجزئية (منع الزكاة) في بلاد العرب حتى ملأت الوادي جندا مستعدين لقتال المسلمين – هل نسيت صرخة أبي بكر الصديق يومها: والله لا يُنتَقص الإسلام وأنا حي.. فلم يُنتقَص الإسلام وهو حي؛ لأنه كان رجلا حوله رجال لا يغلبهم الإحباط!

إننا أمة لا تقول حين يطلبها الواجب: لن يجدي فعلي شيئا، بل أمة تقول: سأفعل ما في وسعي حتى أُعذِر إلى ربي.. أمة تؤمن بأن النتائج بيد الله، لكنه لابد لها أن تخطط وترسم طريقها، وتبذل جهدها، فإن أدركت النجاح جمعت في جعبتها الحسنيين، وإلا أكمل الطريق أبناء وأحفاد في الطريق الطويل الممتد في قلب تاريخ البشرية يدعو إلى الله، ويسعى إلى نصرة دينه.

ووالله ما هذه كلمات محلِّقة ندغدغ بها مشاعر الناس، ونسيطر على عقولهم، ونوجه أفعالهم، بل حقائق التاريخ ومبادئ الدين الذين نؤمن به، فتُحسَب الأمور بحساب القلب وحساب العقل وحساب الجسد، فتخرج من ذلك الخلطةُ السحرية التي ليس مثلها خلطة؛ إنها مزاج ثقافتنا وحضارتنا العظيمة، التي إن لم تكن قد اكتشفت الطائرة والصاروخ والغواصة، فقد هدت البشرية إلى مناهج العلوم الدقيقة لأول مرة، وإن لم تكن قد أسكنت الإنسان العادي في بيوت أشبه بقصور قدامى الملوك والأباطرة – كما يقول ألكسيس كاريل – فقد جمعت في منظومة مفاهيمها الروح والجسد، والدنيا والآخرة، والمادي والمعنوي، وكل ما دون ذلك يمكن تداركه!

إنها ثقافتنا التي يريد الانقلابيون وأضرابهم وأنصارهم هدمها بل محو آثارها من العالم؛ زيت القلب فيها الإيمان، وغذاء العقل العلم والفقه والفكر، وعلاج الواقع حسن التخطيط ودقة التدبير، ومن الله تعالى يأتي العون للعاملين دون الخاملين.

ماذا حققنا؟ وماذا خسروا؟

حين كان الناس مجتمعين في أيام رابعة الأولى، بل ربما قبل أن يقرأ قائد الانقلاب بيانه اللعين في 3 يوليو 2013، سمعت الشيخ الصابر الدكتور جمال عبد الهادي من فوق المنصة الشهيرة يقرأ قول الله تعالى من سورة الأحزاب بنبرة عميقة لها معنى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا. إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا}، فعجبت للرجل عجب أمير المؤمنين عمر الفاروق لما سمع في مكة قبل الهجرة قول الله تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}، فكان عمر يتساءل: أي جمع؟! نعم، أي جمع وقريش متكالبة على الإسلام تكاد تخنقه، والعذاب يتنزل على أبدان المؤمنين قاسيا لا يراعي ضعف ضعيف ولا قرابة قريب ولا رحم ذي رحم؟! أي جمع والمسلمون لا دولة لهم ولا جيش، بل لا حرية في أن يعبدوا ربهم آمنين؟! فلما وقعت غزوة بدر، ولحق بالمشركين عار الدهر على يد عصبة من صفوة المؤمنين، علم عمر بشهادة عينيه؛ أي جمع وأي هزيمة أرادت الآية!

فوقر في نفسي أن قراءة الآيات من سورة الأحزاب مما وُفِّق إليه الشيخ الفاضل، وأنه يحكي واقعا سيكون، وأنه بعد محن وعذابات سيأتي الله بالفرج من باب لطف خفي يعلمه وحده. ولعلي لست وحدي الذي شعر مع هذه الآيات بهذا الشعور الذي تسرب حتى غزا كل خلية في بدني، وملأ علي جوانب نفسي.

وقد قطع الناس مراحل في هذا الطريق، فواجهوا طغيان الانقلابيين وجبروتهم الذي لطخ وجه مصر بدماء أبنائها، وهي التي اعتادت في مراحل كثيرة من تاريخها أن تلطخ وجوه المعتدين بهذا السائل القاني.. نعم قطع الثوار – بشهدائهم ومصابيهم ومعتقليهم ومطارديهم ومالئي الميادين صراخا في وجه الناهبين - مراحل طويلة أثبتت للإجرام الانقلابي أن هؤلاء – بإذن من يثبّت عباده وأهل طاعته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة - لن يردهم العنف، ولن يردعهم القتل. فلتلعب بعقولهم حيل المنافقين إذن؛ تقول لهم: أنتم منذ متى تملئون الشوارع بلا جدوى؟ وماذا حققتم خلال هذه الأشهر الطويلة إلا قتل شبابكم واعتقال رجالكم ونسائكم، وخصمكم ماض في طريقه ويكاد ينصب اللص الكبير رئيسا؟ لقد جربتم مواجهة البندقية بأجسادكم، وهي بطولة تحسب وتُحمد لكم، فهلا جربتم الحوار والنزول على رأي من بيده القوة؟! وهكذا تُباع المبادئ، ويُتنازَل عن الثوابت والأعراض والأديان حين تلبس الثعالب لباس الواعظين!

نعم – أخي الثائر الصابر الرافض لنصيحة الثعالب - هناك صعوبات جمة في طريقك، وآلام عظيمة تقابلك، ولكن متى كان تحقيق الأحلام العظيمة بلا آلام عظيمة ولا تضحيات عظيمة من أناس عظماء؟! لقد نزل القرآن يواسي المؤمنين في آلامهم التي أنتجها سعار العداوة التي واجهتهم بها الوثنية، نزل يذكّر المؤمنين بالحقائق الثابتة التالية: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}، وقال تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}.

نعم، قد أصاب عدوَّكم من القرح والجرح والألم الكثير والكثير؛ لأن طبيعة المواجهة بين أي طرفين تفترض أن يؤثر كل منهما في الآخر بقدر. ويمكن تحديد هذا القدر بقراءة واقع كل طرف وتحولاته ومواقفه وخططه التي رسمها، وكذلك الأطراف المؤازرة له ومواقفها وردود أفعالها.

ونبدأ بالأطراف الخارجية المؤازرة للانقلاب من العرب والعجم:

1- أنصار الانقلاب في الخارج في شك قاتل من نجاح الانقلاب، ويكاد الشك يعصف بهم، ويتجدد الأمل لديهم من وقت إلى آخر، لكن أوراه يخبو سريعا تحت وطأة الحقيقة الصعبة، فقد أمّلوا بعد تمرير دستور الانقلاب المرقَّع المزوَّر أن يخلص الأمر لحلفائهم الانقلابيين، لكن الله خيب فريقيهم في الداخل والخارج، فزاد احتشاد الجماهير وزئيرها في شوارع مصر العظيمة ضد الظلم والطغيان.

2- ثم وجدوا في إذاعة فيلم "المندس" الشهير فرصة لاتهام الإخوان المسلمين بأنهم هم الذين ضيعوا الثورة؛ إذ كانوا يرونها تسرق أمامهم ولم يحركوا ساكنا. لكن هؤلاء تناسوا عامدين أن الإخوان لم يتخلوا عن ثورتهم وشعبهم كذلك، فإن صدقت التهمة فرضًا، فإنهم في الميدان مع شعبهم المجاهد ما زالوا يتحملون أشد الآلام لله تعالى، ثم لأجل أمتهم وأوطانهم.

3- ينتظر أنصار الانقلاب في الخارج تنصيب اللص الكبير رئيسا؛ لعل المشاهد المبهرة والصور البراقة وضجيج الاحتفال العالي التي ستصاحب التنصيب تسرق من المصريين حلمهم بالحرية، أو تخطف الأمل من عيني الشهيد، أو تكتم الزئير في حنجرة الثوار. وسيخيب رجاء أصحاب المكر السيئ إن شاء الله القدير كما عوّدنا ربنا الكريم في مرات كثيرة سابقة.

4- أنفق أنصار الانقلاب من العرب كثيرا من أموال المسلمين وثرواتهم لمساندة الظلم، فقد دفعوا للانقلاب أكثر من عشرين مليار دولار، وهم الآن يتساءلون: إذا كنا أنفقنا كل هذا لإسكات الأصوات المعارضة للانقلاب دون أن تتوقف الحناجر عن الزئير، فكم سنحتاج لكي نقنع الشعب الذي انهار اقتصاده بالنظام العميل الذي يقود البلاد إلى الخراب؟! خاصة أن الشعوب في البلاد الداعمة بدأت تتساءل، وتريد أن تحاسب حكامها على أموالهم التي ينفقونها لقتل إخوانهم في شوارع القاهرة والمحافظات المصرية.

5- أخيرا، رتب أنصار الانقلاب من العرب أوضاعا قُطرية وعربية بلا ربيع عربي، وبذلوا في سبيل حلمهم هذا كل غال ونفيس؛ فقد سخروا له مساعداتهم ومخابراتهم وإعلامهم ودبلوماسيتهم.. ووالله باعوا أمتهم ودينهم لأجل هذا الهدف اللعين، فهل تراهم الآن إلا أسرى حماقتهم، فالشعوب تتململ منهم، والقاهرة ودمشق وأخواتها الصارخات في أنحاء بلاد العرب في وجه الفجرة والظلمة تمثل آمال المسلمين والعرب في كل مكان، وعدوى الانتفاض في وجوه المستبدين تسري خلال الأثير مع الأخبار، وتعد الظالمين بأيام سود على رءوسهم.

وأما الجراح التي أصابت الانقلابيين أنفسهم، فهي كثيرة كذلك:

- فيكفي أن نفاق المجتمع الدولي لم يستطع أن يغمض عينيه عن الملايين الرافضة للانقلاب، وهو أمر ضروري له لكي يستقر. وإلا كم انقلابا اضطر المجتمع الدولي أن يعترف به بعد أن هدأت الأصوات المعارضة له؟! إنها كثيرة جدا، بل ما من انقلاب إلا واعترف به المجتمع الدولي بعد أن ذابت المقاومة الداخلية الواقفة في سبيله، إلا أن تكون لقادة الانقلاب أيديولوجية تمثل خطرا على طرف دولي نافذ، فيكتفي الانقلاب بحصاد تأييد جزئي من الدول المتوافقة معه أو التي ترى في وجوده مصلحتها، تشهد بهذا انقلابات كثيرة وقعت في تشيلي والأرجنتين والبرازيل وغيرها.

- وإذا كان عدم اعتراف المجتمع الدولي ليس هو الأمر الحاسم للأوضاع في مصر – في نظر بعض الناس على الأقل – فإن الاعتراف يبقى مقياسا مهما نعرف به أوضاع كفتي الميزان في الداخل، وأن المسألة وإن لم تُحسَم لصالح الثوار الأحرار إلى الآن، فإنها كذلك لم تُحسَم لصالح الانقلاب بقده وقديده ودولته وحديده واحتفالاته باللص الذي سيعلو منصة التتويج رئيسا بالتزوير.

- ومن الجراح العميقة التي أصابت الانقلاب: أنه برغم جهده ومكره الكبير بالليل والنهار لتزوير وعي الجماهير وتغييبهم عن ساحة العمل ضده، عجز عن حشد الناس في انتخاباته الهزيلة لاختيار رئيس للدولة، وبدا الأمر فضيحةً مدوية سمع العالم صوتها إلا من به صمم!! حاولوا بانتخاباتهم هذه أمرا خطيرا جدا، وهو أن يصنعوا لأنفسهم شرعية متجاوزة تُنسي الناس أنهم أطاحوا بالشرعية الحقيقية، حتى يبدو الأمر وكأنها شرعية أطاحت بشرعية، ولكن فضيحتهم جاءت جلاجلَ، فبدلا من أن تقدم لهم انتخابات الدم ثوبا يغطون به سوءتهم، زادتهم فضيحة وعارا.

وفي الجعبة من الكلام حول هذا الموضوع كثير وكثير، وفي جسم الانقلاب جراح وجراح يشعر ببعضها الآن، وستفاجئه آلام بعضها الآخر عقب تنصيب اللص (مثل المشكلة الاقتصادية لشعب يبلغ تعداده حوالي 90 مليونا، والفئات الحليفة للانقلاب التي لم تحظ منه إلى الآن إلا بالتسفيه والسب، والعداوات التي زرعها زعماء الانقلاب بسبب شكوكهم فيمن حولهم... إلخ).

غير أني أهمس في أذن أخي الثائر الصابر وأختي الثائرة البطلة العفيفة: لقد جلستم الآن من الانقلاب مجلس عبد الله بن مسعود على صدر أبي جهل، حين استعد لحز رقبته بعد أن أطاح به الفتيانِ معاذ ومعوذ ابنا عفراء عن صهوة جواده مصابا.. أنتم معاذ ومعوذ وعبد الله بن مسعود في يده سيفه يستعد لنحر الفرعون المتجبر أبي جهل، والانقلاب المتكبر يقول لكم: لقد ارتقيتم مرتقى صعبا.. فهل من العقل أن تفقدوا الأمل في هذه اللحظة الحاسمة؟!

 
 
   Bookmark and Share      
  
  بقاء الانقلاب.. هل صار واقعا لا يمكن تغييره؟

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7