الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2014
 
الثلاثاء 10 يونيو 2014

 ظواهر كاذبة!
أسامة عبد الرحيم

الانقلاب المتسلط متخصص في فبركة الظواهر الكاذبة؛ مثل تعليق أعلام مصر في الشوارع، وحفلات الـ”دي جي” الشيطانية على أنغام “بشرة خير”، فهو الذي ينتجها عبر وكلائه ويكون أول المصدقين لزيفها، بالرغم من فضائحها العلنية، كما حدث ليلة أمس من تعرية فتاة كما ولدتها أمها واغتصابها مكافأة للمؤيدين في ميدان التحرير.

لكن وحتى إن استطاع الانقلاب مصادرة إرادات الرافضين لشرعيته، فسوف يعجز عن اغتصاب عقولهم، لأن العقول التي تستعصي على الاستلاب تستعصي كذلك على الاغتصاب!

وقد تُساق شرائح كثيرة من الجماهير طوعاً أو كرهاً إلى تأييد الانقلاب، بتعليق علم على سيارة اتقاء شر زبانية الانقلاب في كمائن الطرق، او تشغيل تسلم الأيادي وبشرة خير في التكاتك -مفردها توك توك- أو الإغراق في تعليق صورة قائد الانقلاب ذاته على الشبابيك والبلكونات، مع علّمهم أن ذلك لن يحدث فرقاً فيما هو قائم ومفروض بقوة الأمر الواقع وحده.!

فالانقلاب حسم أمره منذ التخطيط له، ولن تتوقف قراراته على ما يقبله الآخر، الوطن، أو يرفضه منها، وفي وعي الانقلاب يتقلّص هذا الوطن، حتى أنه لم يعد يتسع إلا لبضعة قصور وقلاع لقادة الانقلاب العسكري وأسرهم، وسجونهم ومقابرهم.

فماذا فعلت إذن دماء الشهداء وأحزان بيوت المعتقلين وعَبَرات المهاجرين خارج حدود الوطن، ربما لم تغير شيئاً من دموية الانقلاب، بل على العكس أظهرت كل وحوشه المنضوية تحت عباءته السوداء.

برهنت على الأقل أن الانقلاب ليس رغبة وشبق في السلطة فقط، لكنه آلة جهنمية لإعادة انبعاث فظائع التاريخ الإنساني في أظلم عصوره، مُجتمعةً وموجَّهة نحو شعب قوامه 90 مليون، أغلبه أدمن لحس وشم البيادة منذ محمد علي باشا.

والانقلاب الحالي ما هو إلا فرع شوك من جذر “سعدان” متعفن وقديم، نشب مخالبه في لحم الوطن، عبر سنوات القحط الأخلاقي منذ ثورة يوليو الأمريكية عام 1952، وأصبح الشعب حكراً ومستعبداً للفئة الحاكمة الطاغية، بتعدد أجهزتها المتسلطة.

وبالبحث عن نصف الكوب المملوء، فقد وحدّت شرائعَ الشر المطلق للانقلاب ما بين الكثير من الحدود المتعارضة للمعسكرات المتباينة، فانسحب من المعسكر العلماني والليبرالي واليساري والكنسي الكثيرين نحو معسكر الشرعية، فأصبحت ترى وائل قنديل بجوار آيات عرابي مع نيفين ملك ورامي جان ووجدي غنيم ومحمد عبد المقصود وزوبع وعزوز والقدوسي ونجلاء صالح وغيرهم.

كما انسحب بالمقابل المحسوبين على المعسكر الإسلامي إلى المعسكر الانقلابي العسكري الكنسي، منهم شيخ الأزهر وأتباعه وجمعة وأشكاله وحزب النور وما يسمى بالدعوة السلفية.

وأصبحت ترى بوضوح ضياع أو خطف كلُّ الفروق المترسخة بين الجماعات الإسلامية التي تترست في معسكر الشرعية، وأصبح هناك خليط متجانس بين الإخوان المسلمون والشرفاء في الجماعة الإسلامية والعقلاء في جماعة الجهاد، فضلا عن السلفيين المستقلين عن حزب النور أو المستقيلين منه.

ومن بداية الانقلاب، وهناك فرز قدري محموم بين فئتيْ الجلادين والضحايا، وبات من المستحيل تبادل الأدوار والمهمات بينهما، فالحرّ حرّ ومكانه الشرعية وأنصارها، والعبد عبد ومكانه قنوات الفلول والرقص امام لجان الانتخابات وميدان التحرير واغتصاب البنات.

هذا الانقلاب، في نسخته “السيساوية” المتعفنة فجر “الفرز” القدري في السياسة ما بين الموالين والمعارضين في المعسكرات، وفي الإنسانية ما بين العبيد والأحرار، وصنع خندقاً فاصلاً في كل متحد اجتماعي أو ثقافي أو تربوي؛ كأنما الوطن، كل الوطن، أعلن التطهر من رجس انقلاب قديم سكت عنه الأجداد، حتى تعجب من سكوتهم التاريخ.!

 
 
   Bookmark and Share      
  
  ظواهر كاذبة!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7