الأربعاء 11 يونيو 2014

قد تكون مخالفة الحق في بداية نشوء فرقة أو مذهب أو رأي ليس كبيرا ولا خطيرا, إلا أن مرور الأيام والأعوام, وتأثر الأتباع ببعض الأفكار من بعض المذاهب أو الآراء غير السوية, يجعل من هذه المخالفة أكبر اتساعا وحجما, وربما تنتقل من الفروع إلى الأصول والجذور, بل ربما تنحرف عن الحق بشكل خطير وعظيم.

ويمكن أن يوصف أتباع الزيدية بهذا الوصف, فقد كانت بداية هذه الفرقة بداية اجتهادية لا تختلف كثيرا عن بعض الفرق والمذاهب التي تختلف مع مذهب أهل السنة والجماعة اختلافا ليس كبيرا, كالاختلاف معهم في بعض المسائل الفقهية, إضافة لقولهم بصحة ولاية المفضول مع وجود الأفضل, وميلهم إلى رأي المعتزلة فيما يتعلق بذات الله، والاختيار في الأعمال, ومرتكب الكبيرة.

فمن هم الزيدية؟ ومن هو مؤسس هذه الفرقة؟ وما هي أبرز الأفكار والآراء الإعتقادية لهذه الفرقة؟ وما مدى تأثير الرافضة فيهم في الوقت الراهن؟

التعريف

الزيدية: إحدى فرق الشيعة التي في الأصل هي الأقرب إلى الاعتدال, ترجع نسبتها إلى مؤسسها زيد بن علي زين العابدين, الذي صاغ نظرية شيعية في السياسة والحكم، وقد جاهد من أجلها وقتل في سبيلها، وكان يرى صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جميعا، ولم يقل أحد منهم بتكفير أحد من الصحابة, ومن مذهبهم جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل.

ومع كون الزيدية فرقة شيعية إلا أن أتباع زيد بن علي الذين بايعوه في البداية, خذلوه كما خذلوا جده الحسين بن علي رضي الله عنهما في النهاية, فقد حاولوا أخذ رأي واضح منه بتكفير ولعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فأبى وقال: (إن أشد ما أقول فيمن ذكرتم أنا كنا أحق الناس هذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا ودفعونا عنه ولم يبلغ ذلك عندنا كفرًا، قد ولوا وعدلوا وعملوا بالكتاب والسنة).

فلم يكتفوا بهذا الرد الشافي بل عادوا يسألونه : (لم تقاتل إذا؟) فأجابهم برأيه الصريح في الاختلاف البين بين الصحابة الأولين، وحليمة بني أمية هشام بن عبد الملك الذي يدعوهم معه لمحاربته, ولكنهم أبوا مناصرته وكأنهم يتعللون بهذه المناقشة للقعود عنه فرفضوه وأصبح يطلق عليهم: (الرافضة ). (1)

أبرز الشخصيات

1- زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله عنهما (80ـ122هـ/698ـ740م): مؤسس هذه الفرقة, نشأ في أحضان والده الإمام زين العابدين وأخيه الأكبر محمد الباقر ودرس على يديهما.

ترك منهاج والده وأخيه وابن أخته الذين أقاموا بالمدينة المنورة وجعلوها مقرا لهم للعلم, وتركوا المعترك السياسي بعد الذي حصل مع الحسين رضي الله عنه, فتنقل زيد بن علي في البلاد الشامية والعراقية باحثاً عن العلم أولاً وعن حق أهل البيت في الإمامة ثانيا.

تلقى العلم والرواية عن أخيه الأكبر محمد الباقر الذي يعد أحد الأئمة الاثني عشر عند الشيعة الإمامية, كما اتصل بواصل بن عطاء رأس المعتزلة وتدارس معه العلوم، فتأثر به وبأفكاره التي نقل بعضها إلى الفكر الزيدي، وإن كان هناك من ينكر وقوع هذا التتلمذ، وهناك من يؤكد وقوع الاتصال دون التأثر.

يُنسب إليه كتاب المجموع في الحديث، و كتاب المجموع في الفقه، وهما كتاب واحد اسمه المجموع الكبير، رواهما عنه تلميذه أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي الهاشمي الذي مات في الربع الثالث من القرن الثاني للهجرة.

قاد زيد بن علي الخروج على حكم هشام بن عبد الملك، فقد دفعه أهل الكوفة لهذا الخروج, ثم ما لبثوا أن تخلوا عنه وخذلوه عندما علموا بأنه لا يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر ولا يلعنهما، بل يترضى عنهما، فاضطر لمقابلة جيش الأمويين وما معه سوى 500 فارس أو أقل, حيث أصيب بسهم في جبهته أدى إلى وفاته عام 122هـ. (2)

 

2- يحيى بن زيد بن علي (ت 125هجري): خاض المعارك مع والده، لكنه تمكن من الفرار إلى خراسان حيث لاحقته سيوف الأمويين فقتل هناك سنة 125هـ, وقد فُوِّض الأمر بعد ذلك إلى محمد وإبراهيم.

3- محمد بن عبد الله الحسن بن علي (المعروف بالنفس الزكية) خرج بالمدينة على العباسيين فقتله عاملها عيسى بن ماهان, كما خرج من بعده أخوه إبراهيم بالبصرة فكان مقتله فيها بأمر من المنصور.

4- أحمد بن عيسى بن زيد ـ حفيد مؤسس الزيدية ـ: أقام بالعراق، وأخذ عن تلاميذ أبي حنيفة فكان ممن أثرى هذا المذهب وعمل على تطويره.

5- الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم (245ـ298هـ) الذي عقدت له الإمامة باليمن فكان ممن حارب القرامطة فيها، كما تشكلت له فرقة زيدية عرفت باسم الهادوية منتشرة في اليمن والحجاز وما والاها.

6- أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن بن زيد بن عمر بن الحسين بن علي رضي الله عنهما والملقب بالناصر الكبير (230 ـ 304هـ): عرف باسم الأطروش، ظهر للزيدية في بلاد الديلم وجيلان, وقد هاجر هذا الإمام إلى هناك داعياً إلى الإسلام على مقتضى المذهب الزيدي فدخل فيه خلق كثير صاروا زيديين ابتداء.

7- محمد بن إبراهيم بن طباطبا: بعث بدعاته إلى الحجاز ومصر واليمن والبصرة, ومن شخصياتهم البارزة كذلك مقاتل بن سليمان، ومحمد بن نصر, و أبو الفضل بن العميد والصاحب بن عباد وبعض أمراء بني بويه.

استطاع الزيدية في اليمن استرداد السلطة من الأتراك إذ قاد الإمام يحيى بن منصور بن حميد الدين ثورة ضد الأتراك عام 1322هـ وأسس دولة زيدية استمرت حتى سبتمبر عام 1962م حيث قامت الثورة اليمنية وانتهى بذلك حكم الزيود ولكن لا زال اليمن معقل الزيود ومركز ثقلهم. (3)

أهم الأفكار

1- ولاية المفضول مع وجود الأفضل: تعتبر هذه الفكرة من أهم أفكار الإمام زيد بن علي, حيث نادى بها وقد أعلنها وهو في طريقه إلى الحرب مع الأمويين دون مواربة كما أورد الشهرستاني: (إن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها , وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة ... وكانت المصلحة أن يكون القيام بهذا الشأن ممن عرفوه باللين والتودد والتقدم بالسن والسبق في الإسلام, والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم) (4)

ومن هنا علق الشيخ محمد أبو زهرة قائلا: "فلا نص هناك ولا وصية, وإلا لنادى بها وأعلنها في نزاعه ضد هشام بن الحكم, وهو الفقيه المحدث لحديث آل البيت" (5)

2- الإمام فاطمي وغير معصوم: فقد اشترط الزيدية أن يكون الإمام فاطمي من سواء من أولاد الحسن أو الحسين, مع توفر العلم والزهد و الشجاعة والمناداة بالإمامة, دون أن تكون الوراثة شرطا, بل مصلحة المسلمين وإقامة عمود الدين.

كما نفى زيد بن علي العصمة عن الأئمة معتبرا أن الخلافة أمر مصلحي, فليس الإمام هو المرجع في الدين, فإذا وقع اختيار المسلمين على الشخص الأصلح للخلافة تم لهم ما أرادوا, وإن استكمل الشروط فكان من أولاد فاطمة أصبح هو الأفضل, ويجوز على كليهما الخطأ. (6), لكن بعض المنتسبين للزيدية قرروا فيما بعد العصمة لأربعة فقط من أهل البيت هم: علي وفاطمة والحسن والحسين ـ رضي الله عنهم جميعا-.

3- الخروج: وهو رأي واتجاه انفرد به زيد بن علي عن الشيعة, وقد جاء في سياق المناظرة التي كانت بينه وبين أخيه محمد الباقر كما نقلها الشهرستاني أن الباقر قال له تعليقًا على هذا الشرط: (على قضية مذهبك فوالدك ليس بإمام فإنه لم يخرج قط ولا تعرض للخروج).

وبوضع الإمام لشرط الخروج لم يكتف برفضه نظرية انتقال الخلافة بالإيصاء أو بالوراثة؛ بل وضع مبدأ جديدًا يحتم على الفاضل من آل فاطمة أن يدعو لنفسه - على الملأ - أي يتقدم لترشيح نفسه للانتخاب بأسلوبنا السياسي المعاصر ليظهر فضائله ومزاياه ومقدرته: (لينظر الناس في مدى المصلحة في توليه، وللموازنة بينه وبين غيره في أيهما أصلح). (7)

4- يجوز لديهم وجود أكثر من إمام واحد في وقت واحد في قطرين مختلفين.

5- يميلون إلى الاعتزال فيما يتعلق بذات الله، والاختيار في الأعمال, ومرتكب الكبيرة و يعتبرونه في منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة, كما أنهم يرفضون التصوف رفضاً قاطعاً, ويخالفون الشيعة في زواج المتعة ويستنكرونه, ولا يوجد عندهم مهدي منتظر.

6- يتفقون مع أهل السنة بشكل شبه كامل في العبادات والفرائض ومعظم الفروع الفقهية سوى بعض الاختلافات في:

· قولهم "حي على خير العمل" في الأذان على الطريقة الشيعية.

· صلاة الجنازة لديهم خمس تكبيرات.

· يرسلون أيديهم في الصلاة.

· صلاة العيد تصح فرادى وجماعة.

· يعدون صلاة التروايح جماعة بدعة.                                                                

· يرفضون الصلاة خلف الفاجر.

· فروض الوضوء عشرة بدلاً من أربعة عند أهل السنة.

· باب الاجتهاد مفتوح لكل من يريد الاجتهاد، ومن عجز عن ذلك قلد، وتقليد أهل البيت أولى من تقليد غيرهم.

· يقولون بوجوب الخروج على الإمام الظالم الجائر ولا تجب طاعته. (8)

الجذور الفكرية وأماكن الانتشار

المظهر الشيعي باد على المذهب الزيدي رغم مخالفة الإمام زيد لكثير من آراء الرافضة المنحرفة والباطلة, فهم يتمسكون على أي حال بأحقية أهل البيت في الخلافة, وتفضيل الأحاديث الواردة عنهم على غيرها, وتمسكهم بالقول بزكاة الخمس وغيرها , إضافة لتأثرها ببعض أفكار المعتزلة.

انتشرت الزيدية في سواحل بلاد الخزر وبلاد الديلم وطبرستان وجيلان شرقا، وامتدت إلى الحجاز ومصر غربا, وتركزت في أرض اليمن حاليا, وقد قامت دولة للزيدية أسسها الحسن بن زيد سنة 250هـ في أرض الديلم وطبرستان, كما أن الهادي إلى الحق أقام دولة ثانية لها في اليمن في القرن الثالث الهجري.

لم تبق الزيدية على حالها بالطبع, بل أصابها الكثير من التغيير والتبديل والانشقاق, فقد خرجت عن الزيدية ثلاث فرق طعن بعضها في الشيخين، كما مال بعضها عن القول بإمامة المفضول، وهذه الفرق هي:

1ـ الجارودية: أصحاب أبي الجارود زياد بن أبي زياد.

2ـ الصالحية: أصحاب الحسن بن صالح بن حي.

3ـ البترية: أصحاب كثير النوى الأبتر.

تأثر الزيدية المعاصرة بالرافضة:

من الواضح تأثر الزيدية المعاصرة – وخصوصا باليمن – بأفكار وآراء الرافضة الباطلة, وذلك من خلال التغلل الإيراني الرافضي ببعض الأحزاب والجماعات وعلى رأسها جماعة الحوثي, التي كانت تعتنق المذهب الزيدي, فإذا بها تنحرف عن أفكار إمامها زيد بن علي وآرائه الواضحة, وتميل إلى رأي الرافضة وأفكارهم الباطلة المضللة, وما عداءهم الواضح على أهل السنة في اليمن, والذي ظهر جليا من خلال عدوانهم السافر على دماج وغيرها من البلدات والمدن, بدعم إيراني واضح, إلا دليل على انحرافها عن مذهب الزيدية الذي تزعمه وتدعيه .

إن ما يدعيه البعض اليوم من الانتساب للمذهب الزيدي يحتاج إلى دليل وبرهان, وأهم هذه الأدلة والبراهين عدم سب ولعن الصحابة الكرام, وعلى رأسهم أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين, وهو ما أعلنه إمام الزيدية ومؤسسها زيد بن علي بشكل واضح وصريح, ناهيك عن بقية آراءه وأفكاره واجتهاداته, فمن لم يفعل ذلك فلا يمت إلى الزيدية بأية صلة, وإنما هو مدع يحاول بهذه النسبة المكذوبة خداع أهل السنة واختراقهم باسم الزيدية الأكثر اعتدالا بين فرق الشيعة.

ــــــــــــــــ

الفهارس

(1) البداية والنهاية لابن كثير 9/330 ومنهاج السنة لابن تيمية 1/8

(2) الذين بايعوا زيداً بن علي كانوا ـ حسب رواية الفرق بين الفرق ـ خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة، فلما طلبوا من زيد بن علي أن يتبرأ من أبي بكر وعمر ولم يقبل خرجوا عليه وتفرقوا عنه وقالوا بقول الرافضة ـ تكفير أبي بكر وعمر ـ ولم يبق مع زيد من أتباعه إلا مائتا رجل، وفي كتاب ضحى الإسلام لأحمد أمين أن أتباع زيد كانوا أربعين ألفًا، تفرقوا عنه ولم يبق معه إلا ثلث مائة أو أقل .

(3) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة

(4) الملل والنحل للشهرستاني 1/208

(5) الإمام زيد للشيخ محمد أبو زهرة ص70

(6) الملل والنحل للشهرستاني 1/207 والإمام زيد للشيخ محمد أبو زهرة ص191

(7) الملل والنحل للشهرستاني 1/210 والإمام زيد للشيخ محمد أبو زهرة ص192

(8) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الزيدية ومدى تأثرها المعاصر بالرافضة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7