الأربعاء 11 يونيو 2014

مظاهر التعدي على النص الشرعي من قبل أتباع الفرق المبتدعة(*).

إعداد: د. عطا الله المعايطة(**).

ـــــــــــ

لعل أهم أسباب الافتراق العقدي بين أتباع الرسل جميعاً هو معاداة النصوص الإلهية وحرفها عن مسارها الصحيح الذي أراده الله تعالى وأصَلته الرسل الكرام- عليهم السلام- ومن هنا نشأت الفرقة العقدية التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في اليهودية والنصرانية وأمة الإسلام.

وقد تعرضت الأمة الإسلامية بكتابها الخاتم وسنة نبيها- في بداية النشأة- لموجة مستعرة من العداء لنصوصها، من أرباب الشرك في مكة عندما حاول المشركون جهدهم لإيجاد منهج فكري معين يعارضون فيه النص الإلهي كما فعل النضر بن الحارث، ثم تلا ذلك ما أحدثته الفرق الإسلامية من بدع في فهم النص وفي العمل به.

وفي هذا البحث يتتبع الباحث بعض مظاهر الاعتداء على النصوص على يد بعض الفرق المنتسبة للإسلام، وقد اختار منها ثلاثة فرق هي الخوارج والشيعة والقدرية، وبين دوافع هذه الهجمة العدائية على النصوص الإلهية والنبوية، لإثبات حقيقة واحدة مستمرة وهي التي أشارت إليها آية القصص من إطفاء نور الله من خلال التزييف المستمر لحقائق النصوص، واختراع المذاهب المضللة تحت غطاء فهم النص، ومرادهم الحقيقي هدم النص والعبث به تحت مسميات خادعة، لا تنطلي إلا على من جهل ما وراء الأكمة! والتي يقودها- الآن- الفكر الغربي وأتباعه التابعين له من المهزومين في العالم الإسلامي.

وعليه جاء هذا البحث في مقدمة وتمهيد وثلاثة مباحث هي أساس هذا البحث، وجاء ذلك على النحو التالي:

أما المقدمة فتحدث فيها الباحث ملخصا لموضوعه والهدف منه.

وأما التمهيد فتحدث فيه عن "العناية الإلهية بالنص القرآني"، ومن ذلك:

- أنه قد رافق نزول هذا النص الخاتم- القرآن الكريم- إجراءات إلهية مشددة تمنع اختلاطه في أوهام الكهان، وعبث الجان حيث حرست السماء، وألقيت الشهب على مسترقي السمع.

- وجعل الله تعالى على هذا النص المنزل الرصد والمتابعة لإبلاغه على الوجه الأكمل.

- واشترط على رسوله المبعوث رحمة للعالمين البلاغ المبين.

- وطلب من أمته إتباع نصه المحكم وعدم الاحتجاج بضياع الكتب السابقة وتحريفها.

- ولعظم هذا النص فقد توعد الله تعالى رسوله وخليله المنزل عليه بأشد أنواع الوعيد لو زاد فيه أو نقص.

- وفضلا عن كل ما سبق فهناك تعهد إلهي بحفظ هذا الكاتب العزيز الحكيم.

المبحث الأول: الخلفاء الراشدون وعنايتهم بالنص:

تحدث الباحث في هذا المبحث عن جهود الخلفاء الراشدين وعنايتهم بالنص الشرعي، حيث توفي- عليه الصلاة والسلام- وجاء من بعده الخلفاء الراشدون- رضوان الله عليهم- وكان همهم الوحيد تطبيق هذا الكتاب وصيانته من الضياع والتحريف، فهيأ الله تعالى الحفظ لكتابه عن طريق جمعه في عهد أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- عندما استحر القتل في القراء.

ثم جاء عمر فاشتد حرصه بالنص القرآني، وذلك بمراقبة التحولات الفكرية من خلال النظر في أصحاب الاتجاهات الفكرية التي تتأثر في البيئات الجديدة، التي خالطها المسلمون، ولذا توقف عند صبيغ بن عسيل عندما كان يسأل محدثة عن آيات الكتاب العزيز وخشي عمر- رضي الله عنه- إن يؤسس انحرافات من خلال التقائه بأرباب الديانات والأفكار المخالفة؛ ولذا ضربه واستتابه، وبذلك منع الفتنة مبكراً من خلال النظرات الفكرية المختلطة على أصحابها، ثم انقضت خلافة الفاروق، ولم يظهر أي اتجاه فكري معادي للنصوص في إطار الأمة الإسلامية.

وفي عهد عثمان رضي الله عنه توسعت الفتوحات وقام عثمان رضي الله عنه بعمل عظيم في جمع الأمة على قراءة واحدة وهي لغة قريش، وأصبح النص الذي بين أيدي المسلمين الآن يسمى المصحف العثماني.

ثم جاء عهد الخليفة الراشد علي بن أبي طالب بعد اضطراب الأمور باستشهاد الخليفة عثمان رضي الله عنه، وقد نشأ وضع جديد معقد، وكان هو الرجل المؤهل لحسمه.

المبحث الثاني: الخوارج ومفاهيمهم المعوجة للنص.

وفيه تحدث عن غلو الخوارج، ومفاهيمهم المعوجة للنص الشرعي، وذلك بانتقال هذه الفرقة من حال الفهم النظري القاصر للنص إلى مفاهيم الفعل الشاذ الذي اخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)[رواه البخاري (3166)]، وقد طبقوا هذا الفهم السقيم بقتلهم عبد الله بن خباب بن الأرت- رضي الله عنه- وكان من فعلهم العجب وفهمهم ما يدل على انطباق حالهم على وصف النبي- صلى الله عليه وسلم.

كما أصبحت هذه الفرقة وأمام تحدي النصوص لها، وثباتها تحتاج إلى اجتهادات من قياداتها لتسد الفراغ الفكري لديهم، فعدوا على النصوص من خلال التفسيرات الشاذة لها، مما حدا بهم التحلق حول أشخاص بعينهم لحل الإشكالات العقدية والشرعية لديهم، وظهر الغلو في القيادات وقبول كل تأويلاتهم الفاسدة.

 وختم الباحث هذا المبحث بإيراده لنماذج من اعتداء الخوارج على النص الشرعي، مبيناً أنهم- بهذا الفعل- فتحوا الباب على مصراعيه لكل من جاء بعدهم من الفرق الضالة للعبث بالنصوص والتسلط عليها بالتأويل والرد، وابعدوا النجعة كغيرهم من الفرق في تكوين هوية خاصة بهم حملتهم على تفسير النصوص بمثل هذا الشذوذ والانحراف، الذي اتسعت شقته بشكل أكبر على يد الشيعة، ومن جاء بعدهم من الفرق.

المبحث الثالث: اعتداءات الشيعة على النص.

تحدث الباحث في هذا المبحث عن توسع دائرة الاعتداء على النص- عند الشيعة- إلى معظم مسائل الدين بعقائده وشرائعه، وامتزاج هذا الفكر بأحقاد عميقة، كونت منهجاً غريباً لا تكاد تجد للتعامل مع النص له ضابطا، بل هو عرضة للتفسير المخالف لأصول اللغة وحقائق أسباب النزول أو الحدث الذي جاء من أجله، كجلب آيات الأنبياء السابقين وجعلها على علي وبنيه.

ثم إن من أبرز عقائد غلاة الشيعة القول بتحريف الكتاب كالطبرسي الذي ألف كتاباً سماه (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب).

وقد استفاض الباحث في ذكر الأمثلة على تعدي الشيعة على النص القرآني.

المبحث الرابع: اعتداءات فرقة القدرية على النص.

وفيه أوضح الباحث أن محنة القدرية الكبرى كانت في عدم الالتزام بالنص وقفزهم على الحقائق القرآنية حيث لم يسعهم ما وسع النبي- صلى الله عليه وسلم-، وأصحابه الكرام، وجمهور الأمة في القرون المفضلة الأولى، فراموا فهما للعقيدة فوق فهم صاحبها- عليه الصلاة والسلام- وفهم أصحابه الكرام، فأنكروا العلم الإلهي السابق، وظنوا أن إثباته يعني الجبر للإنسان، فشبهوا المخلوق بالخالق في محدودية العلم، وخفيت عليهم حكمة الخالق في خلق المؤمن والكافر والطائع والعاصي، فنفوا العلم الإلهي، وهم بذلك كانوا أسبق في النفي له من نفاة الصفات الإلهية، بل هم الذين أسسوا لهذا الابتداع المنحرف.

ويعتبر إنكار القدر منهجاً جديداً اتخذته الفرق المبتدعة للطعن في النصوص والتشكيك بها، وهذا المنهج له خلفياته ومسبباته، من التأثر في الأمم التي اختلط بها المسلمون ففتحوا أبواب الجدل والمقارنة مع الأديان الأخرى، والتي استهوت ضعاف أهل العلم الذين لم ترتق مستويات فهمهم إلى مستوى القران والسنة، فخدعتهم عقائد وطروحات الأمم الأخرى.

وأخيراً فمع عدم إنكارنا لجهد الباحث إلا أن ثمة تقصيراً في تركه الحديث عن النص النبوي، وكان ينبغي له أن يتم الأمر بالحديث عن السنة النبوية؛ لدخول السنة في عموم النص الشرعي، وقد كان لهذه الفرق- التي تناولها الباحث بالدراسة- انحرافات لا تقل عن انحرافاتهم في فهم النص القرآني والتلاعب به.

كما أهمل الباحث صنع خاتمة لبحثه، وكان حرياً به الاهتمام بها؛ لفائدتها للباحث والقارئ على السواء، ولأنها تعطي تصوراً مجملاً للبحث وقيمته العلمية.

وختاماً نسأل الله أن يجزي الباحث خيراً على جهده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــ

(*) بحث مقدم لمؤتمر النص الشرعي بين الأصالة والمعاصرة.

(**) الجامعة الأردنية – كلية الشريعة.

لتحميل الدراسة انقر هنا:

 
 
   Bookmark and Share      
  
 مظاهر التعدي على النص الشرعي من قبل أتباع الفرق المبتدعة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7