الأربعاء 11 يونيو 2014

رغم أن الباطل واحد لا فرق بين صغيره وكبيره ولا بين قليله وكثيره, إلا أن البحث العلمي يقتضي أن نعلم كل شيء عن الباطل, لتفاديه وعدم الوقوع فيه أولا, ولتحذير المسلمين منه ومن شره ثانيا, وهذا يتطلب بلا شك البيان والتفصيل.

ورغم أن الشيعة الاثني عشرية بجميع مذاهبها وفرقها المختلفة باطلة, إلا أنه لا بد من التمييز بين الأصوليين منهم -وهم غالبية وأكثرية الشيعة الاثني عشرية في الوقت الراهن– وبين الإخباريين الذين يقال أنهم لا وجود لهم في العصر الراهن, إلا أن هذا الكلام لا يمكن الأخذ به بشكل مطلق.

فمن هم الإخباريون؟ ومن هم الأصوليون؟ وما الفرق بينهما؟

التعريف بالإخباريين

 ويُسَمَّون أهل الحديث أوالمستبصرون: مدرسة شيعية اثني عشرية تعتمد في استنباط الأحكام الشرعية والمعتقدات الشيعية على الأخبار المنقولة عن المعصومين –الأئمة الإثني عشر حسب زعمهم– أو المنسوبة إليهم دون النظر إلى شيء آخر, فمصادر التشريع عندهم الكتاب والحديث المنقول عن آل البيت فقط, ولا يستدلون بالإجماع لأنه عندهم بدعة أوجدها أهل السنة، وينكرون كذلك صلاحية العقل السليم ليكون حجة أو دليلا.

أفكار الإخباريين

يُنكر الأخباريون أن يكون العقل حجة، كما أنّهم لا يقبلون بحجية القرآن وسَنَدِيَّته إلا معتضدا برواية عن أهل البيت تُفسره وتؤيد الدلالة الشرعية على الحكم، وأن الواجب هو الرجوع إلى الأحاديث الواردة عنهم، كما أنّهم يقولون: إن الإجماع بدعة أوجدها أهل السنة لتنصيب أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، وبهذا يكونون قد أنكروا من مصادر التشريع الإسلامي المتعارف عليها الكتاب والإجماع إضافة إلى العقل وهو القياس.

كما أن الأخباريين يعتقدون أن طريق الاجتهاد المألوف عند الأصوليين مغلق، ويجب العمل طبقا للنصوص المرويّة الموجودة فقط، وعلى الأخص الكتب المعتمدة الأربعة على اعتبار أنّها صحيحة السند بأكملها.

بل إن غلو الإخباريون من الشيعة وصل إلى حد الإكتفاء بأخبار أئمتهم فقط دون القرآن الكريم, حيث قال شيخهم الأنصاري: إن تسمية الإخباريين جاءت من أمرين: كونهم عاملين بالأخبار كلها دون تفريق بين صحيح وضعيف, أو لإنكارهم الأدلة الثلاثة بما فيها القرآن الكريم, وخصوا الدليل بأخبار الأئمة فقط.

أهم كتب الإخباريين

وأما أهم كتب الأحاديث المنقولة عن الأئمة المعصومين –حسب زعمهم– والتي يعتمدون عليها ويأخذون بظاهرها ويعتبرونها كلها صحيحة بل ومتواترة, ولا يمكن التشكيك بأي حديث فيها فهي:

1- الكافي: لمحمد بن يعقوب الكليني المتوفى (328هجرية) وهو أهم مراجعهم وفيه ما يقارب 16199 حديثا, وقد عده صاحب (الوافي): أشرف الكتب الأربعة وأوثقها وأتمها وأجمعها, لاشتماله على الأصول من بينها, وخلوه من الفضول وشينها. الوافي / للفيض الكاشاني 1/5

ويقع الكافي في ثمانية أجزاء تضم الأصول والفروع, والأصول تقع في جزئين, والفروع في خمسة أجزاء, والجزء الأخير وهو (الروضة) فتشمل خطب آل البيت ورسائلهم وآداب الصالحين وطرائف الحكم.

2- كتاب من لا يحضره الفقيه: لابن بابويه القمي المشهور عندهم باسم "الصدوق" (ت 381هـ), وهو كتاب مختص بالفروع ويخلو من الأصول والعقائد كما ذكر صاحب الوافي, ولا يميز هذا الكتاب وكتابا الطوسي عن مؤلفات الشيعة الفقهية الأخرى سوى الأسانيد, والتي تنتهي بمعظمها لأبي عبد الله جعفر الصادق.

3- تهذيب الأحكام: لأبي جعفر الطوسي المعروف بـ "شيخ الطائفة" (ت 460هـ) كتاب فروع فقهية رتبه على أبواب الفقه من الطهارة وحتى الديات, وتبلغ أبوابه 393 بابا, بينما تبلغ أحاديثه (13590 ) حديثا.

4- الاستبصار: للطوسي أيضا اقتصر فيه على ذكر الأحاديث المتعارضة أو ما يعرف (بمختلف الحديث), ويمكن اعتباره كتاب فقه مقارن عند الإمامية, بلغت أحاديثه (5511 ) حديثا.

يقول شيخهم الفيض الكاشاني (ت 1090هـ) "إن مدار الأحكام الشرعية اليوم على هذه الأصول الأربعة وهي المشهود عليها بالصحة من مؤلفيها" الوافي 1/11 والذريعة 2/14

والإخباريون يعتبرون كل كلمة وحرف في الكافي والكتب الأربعة عامة صحيحا ومتواترا, بل هي عند التأمل فوق حد التواتر, حيث يعتبرونها أعظم من القرآن الكريم عند أهل السنة من المسلمين, ولهذا قبلوا رواياتها التي تتعرض لكتاب الله, وجعلوها هي الحاكمة على كتاب الله وذلك هو الضلال العظيم والكفر البواح.

حجج الإخباريين على صحة ما في كتبهم

يحتج الإخباريون على ما يقولون: بأنه ما دام أصحاب الأئمة نقلوا هذه الروايات من الأئمة، فأنها لا تحتاج إلى النظر والبحث والتحقيق والتفتيش، لا عن السند لأنها من صاحب الإمام، ولا عن المتن لأنه من الإمام.

وخير من عرض قرائن تصحيح كل ما في الكتب الأربعة السابقة وأوجز القول فيها الفيض الكاشاني صاحب كتاب (الوافي), وقاعدة هذه القرائن هي: أن كل حديث اعتضد بما يقتضي الاعتماد عليه واقترن بما يوجب الوثوق به والركون إليه فهو حديث صحيح.

ثم عدد هذه الوجوه: كوجود الحديث في كثير من الأصول الأربعمائة المشهورة عند الشيعة, والتي نقلوها عن شيوخهم بطرقهم المتصلة بأصحاب العصمة كما يزعمون, أو بتكرار الحديث في أصل أو أصلين منها فصاعدا بطرق مختلفة وأسانيد عديدة, أو باندراجه –الحديث– بأحد الكتب التي عرضت على أحد المعصومين, أو كأخذ الحديث من أحد الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها.

التعريف بالأصوليين

ويسمون أيضا المجتهدون, وهم الأكثرية والتيار السائد بين الشيعة الاثني عشرية في العصر الحديث، وهم القائلون بالاجتهاد وبأن أدلة الأحكام هي الكتاب والسنة والإجماع دليل العقل, ولا يحكمون بصحة كل ما في الكتب الأربعة الأولى المشار إليها عند الإخبارية.

بداية ظهور الافتراق

وعن بداية افتراق الاثني عشرية إلى إخبارية وأصولية يذكر البحراني أن شيخهم محمد أمين الأستراباذي (توفي 1033هجرية) هو أول من فتح باب الطعن على المجتهدين وتقسيم الفرقة إلى إخباري ومجتهد, من خلال كتابه: "الفوائد المدنيّة في الرد على القائل بالاجتهاد والتقليد في الأحكام الإلهية", وقد رد نور الدين العاملي على ما ألفّه الاسترابادي بكتاب أسماه: "الفوائد المكيّة في مداحض حجج الخيالات المدنية ونقض أدلة الأخبارية".

وهكذا ظل الصراع محتدما بين الإخباريين والأصوليين خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر, وقد جرى بين هاتين الفرقتين ردود ومنازعات وتكفير وتشنيع حتى إن بعضهم كان يفتي بتحريم الصلاة خلف البعض الآخر, ووصل الأمر إلى حد أن بعض شيوخ الإخبارية كان لا يلمس مؤلفات الأصوليين بيده تحاشيا من نجاستها, وإنما يقلبها من وراء ملابسه, كما كفر الأستراباذي –الإخباري– بعض الأصوليين ونسبهم إلى تخريب الدين.  لؤلؤة البحرين /117  

أسباب الافتراق

ولو عدنا لأسباب وجود فرقة الأصوليين ومذهب الاجتهاد, فسنجد أن الأصوليين من الشيعة اضطروا لتقسيم الحديث وتفنيد أخبار الكتب الأربعة الأولى للتخلص من إلزامات أهل السنة ونقدهم لما جاء في هذه الكتب الأربعة من كفر وضلال, فما إن ينتقد السني كلاما أو حديثا في هذه الكتب, إلا وجد الشيعي الأصولي لذلك مخرجا بالحكم على الحديث بالضعف أو الوضع, وفي التقية متسع كما نعلم.

والحقيقة المعروفة أن الشيعة لم يكن لهم علم بمصطلح الحديث وتقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف إلا في وقت متأخر جدا, حيث كانت بداية تقويم الشيعة للحديث وتقسيمه عندهم في القرن السابع الهجري, وذلك نتيجة ردة فعل لحملة شيخ الإسلام ابن تيمية عليهم في كتابه الفذ (منهاج السنة) حيث شنع على الشيعة قصورهم في معرفة الرجال وقلة خبرتهم في ذلك, كما كشف استدلالات الشيعة من كتب السنة, وأظهر جهلهم وكذبهم من حيث استدلالهم بالحديث الضعيف والموضوع.

ويعترف الشعية أن علم مصطلح الحديث وتقسيمه لصحيح وغيره كان في زمن العلامة, وهو ابن المطهر الحلي الذي رد عليه ابن تيمية, وقد قال في ذلك شيخهم الحر العاملي: ( والفائدة في ذكره (أي السند) دفع تعيير العامة (أهل السنة) الشيعة بأن أحاديثهم غير معنعنة, بل منقولة من أصول قدمائهم ) وسائل الشيعة20/100 

وهذا الكلام من العاملي جد خطير, فهو يفيد بأن الإسناد عند الشيعة لا وجود له عند الشيعة أصلا, وأن رواياتهم بلا زمام ولا خطام, وأن الأسانيد في رواياتهم إنما صنعت فيما بعد وركبت على نصوص أخذت من أصول قدمائهم, لمواجهة نقد أهل السنة فحسب, مما يعني صنع الأسانيد بوضع أسماء رجال لا مسمى لهم.

مثال يوضح الفرق بين الإخباريين والأصوليين

بينما اعتبر الإخباريون جميع ما في الكافي صحيحا ومتواترا وحجة, قسم الأصوليون أحاديث الكافي بناء على قواعد الجرح والتعديل على النحو التالي: الصحيح وقد بلغت (5072) حديثا, والحسن وبلغت (144) حديثا, والموثق وبلغت (1128) حديثا, والقوي (302), والضعيف (9485) حديثا, مما يعني أن جل كتاب الكافي هو من الأحاديث الضعيفة برأي الأصوليين, وقد بقي (68) حديثا غير مصنف لا ندري بماذا توصف؟؟

وهنا يأتي الاعتراض الأخطر على الأصوليين من كون الكتب الأربعة الأولى مأخوذة –كما يقولون– من أصول معروضة على الأئمة, وقد كتب الكافي في عصر الغيبة الصغرى, وكان بالإمكان الوصول إلى حكم الإمام على أحاديثه, بل قالوا بأنه عرض فعلا على مهديهم فقال: (إنه كاف لشيعتنا). مقدمة الكافي لحسين علي ص25

كما أن شيخ الشيعة الإمامية جعفر النجفي (1227ه) ورئيس المذهب في زمنه يقول في كتابه (كشف الغطا) عن مؤلفي الكتب الأربعة: (والمحمدون الثلاثة كيف يعول في تحصيل العلم عليهم وبعضهم يكذب رواية بعض.. ورواياتهم بعضها يضاد بعض .. ثم إن كتبهم قد اشتملت على أخبار يقطع بكذبها كأخبار التجسيم والتشبيه وقدم العالم وثبوت المكان والزمان).

وحين يصطدم بمقدمة الكتب الأربعة التي تنص على أنهم لا يذكرون إلا الصحيح يقول (فلا بد من تخصيص ما ذكر في المقدمات أو تأويله على ضرب من المجازات أو الحمل على العدول عما فات.. ) ص40

أهم عناصر الاختلاف بين المذهبين    

بينما جعل الشيخ جعفر كاشف الغطا عناصر الخلاف بين المذهبين 80 في كتابه: (الحق المبين في تصويب المجتهدين وتخطئة الإخباريين), نرى شيخهم البحراني يحاول التقليل من مسائل الخلاف بينهما ليجعلها مقتصرة على 8 أو أقل, بينما يجعلها محسن الأمين من بعده 5 فقط, ليتوسط شيخهم عبد الله بن صالح البحراني بين الفريقين ويجعل عناصر الخلاف 40 أو 29, وذلك في كتابه (روضات الجنات).

وفي الختام يمكن القول: أن المذهبان باطلان ويكتنفهما الكثير من التشدد والتعصب للأئمة الاثني عشر, إلا أن الإخباريين أكثر تشددا وتعصبا للكتب الأربعة الأولى, بينما حاول الأصوليون التظاهر بالمرونة والموضوعية, من خلال انتحالهم علم مصطلح الحديث والجرح والتعديل من أهل السنة, بيد أن العلم اصطدم بمصائب رواياتهم وأخبارهم التي لا يمكن أن يقبلها علم أبدا, بينما تركوا الأخذ بالقرآن الكريم والسنة النبوية التي أكرم الله بها المسلمين, فكانوا بذلك أشبه باليهود في قول الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} الجمعة/5

ــــــــــــــــــــ

أهم مراجع التقرير

· السنة النبوية وعلومها بين أهل السنة والشيعة الامامية / د . عدنان محمد زرزور.

· استدلال الشيعة بالسنة النبوية في ميزان النقد العلمي / د. عبد الرحمن بن محمد سعيد دمشقية.

· أصول مذهب الإمامية الاثني عشرية عرض ونقد / د. ناصر بن عبد الله بن علي القفاري.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الشيعة الإمامية بين الإخباريين والأصوليين

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7