الأربعاء 11 يونيو 2014

بينما يعتمد أهل السنة والجماعة على القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة والإجماع كمصدر أساسي لتلقي الأحكام الشرعية, يعتمد بعض الصوفية على تأويل النص القرآني الذي يخرجه عن حقيقته, وعلى الأحاديث الضعيفة وربما الموضوعة, إضافة إلى مصادر أخرى للتلقي ما أنزل الله بها من سلطان, تتمثل بما يسمونه الكشف والإلهام والذوق والوجد وغير ذلك.

وكثيرا ما يتردد في مجالس الصوفية بعض أقوال مشايخهم التي تدل على هذه المصادر في التلقي, كقول بعضهم: "حدثني قلبي عن ربي" في إشارة إلى تلقي مشايخهم الإلهام مباشرة من الله تعالى, وقول الآخر: أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت" في إشارة للكشف عند شيوخهم من الله تعالى أيضا, وهو كلام خطير يحمل في طياته خللا في العقيدة وجرأة على الله والإسلام.

كما أن كثيرا من مشايخ الصوفية من يدعي تلقي الأدعية بواسطة الإلهام, أو يوزع البشارات المتعلقة بأهل السعادة والفوز على الناس بالإلهام, أو يؤلف الكثير من الأسفار اعتمادا على الإلقاء الرباني والنفث في الروع وما شابه ذلك, وفي ذلك يقول ابن عربي: (.. فوالله ما كتبت منه حرفا إلا عن إملاء إلهي وإلقاء رباني, أو نفث روحاني في روع كياني, هذا جملة الأمر مع كوننا لسنا برسل مشرعين ولا أنبياء مكلفين ..) (1)

وفي هذا التقرير سنسلط الضوء على الإلهام كمصدر للتلقي عند الصوفية, ومدى انحرافهم بهذا المصدر عن منهج الحق, وانخراطهم بمتاهات الجهل والوهم, وابتداعهم في الدين ما لم يأمر به الله تعالى, وتسببهم بإضلال الناس بأمثال هذه الشطحات.

تعريف الإلهام

الإلهام لغة: ما يلقى في الروع أو ما يلقيه الله في النفس من الأمور التي تبعث على الفعل أو الترك. (2)

وفي الاصطلاح: إيقاع شيئ في القلب يثلج له الصدر ويطمئن ويسكن من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة يخص الله تعالى به بعض أصفيائه. (3)

وقد يسمى بالعلم اللدني, قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ( ... والعلم اللدني: هو العلم الذي يقذفه الله تعالى في القلب إلهاما بلا سبب من العبد ولا استدلال ولهذا سمي لدنيا) (4)

وذهب الإمام الغزالي إلى التسوية بين وحي الأنبياء وإلهام الأولياء من جميع الوجوه باستثناء مشاهدة السبب وهو الملك فقال: (ولم يفارق الوحي الإلهام في شيء من ذلك, بل في مشاهدة الملك الملقي للعلم, فإن العلم إنما يحصل في قلوبنا بواسطة الملائكة) (5)

حجية الإلهام عند الصوفية

توسع الصوفية في الاحتجاج بالإلهام والتأصيل لقبوله؛ وزعموا أنّ الدِّين قسمان: حقيقة وشريعة، والرّسول إنّما بلّغ الشّريعة دون الحقيقة؛ واعتبروا الإلهام طريق العارف للحقيقة كما أنّ الوحي طريق العالم لمعرفة الشّريعة، ثُمَّ ادّعوا أنَّ مقام الحقيقة أسمى من مقام الشّريعة؛ لأنّ علم الشّريعة أصله الوحي، والوحي إنّما كان بوساطة الملك، وحجاب الحرف والصّوت خلافًا للإلهام المجرّد فإنّه يفيض على العارف من العقل الفعّال بلا وسيط ولا حجاب.

كما اعتبر بعض الصوفية الإلهام حجّة في حقّ الملهم، فالملهم له أن يعمل بما يلقى في قلبه من الخواطر والإلهامات حتَّى لو خالف الشّريعة ظاهرا أو باطنا، أو وصل لدرجة الاستغناء بالإلهام عن الشّرع كلّه؛ كما استغنى به الخضر عن الشّريعة الموسوية.

 قال أبو المواهب الشاذلي ردا على من أنكر قول القائل "حدثني قلبي عن ربي": (لا إنكار لأن المراد: أخبرني قلبي عن ربي من طريق الإلهام الذي هو وحي الأولياء) (6), والعمل بالإلهام أو بموجب الخطاب الذي يوجد في القلب حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عن بعض الشيوخ ممن يأمر أتباعه بالاستعانة به بعد موته استنادا على وجود الخطاب في قلبه بذلك. (7)

وقد وردت بعض أقوال الصوفية برد الإلهام إذا كان مخالفا للكتاب والسنة, فقال أبو الحسن الشاذلي: (إذا عارض كشفك الكتاب والسنة فتمسك بالكتاب والسنة ودع الكشف, وقل لنفسك: إن الله تعالى قد ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يضمنها في جانب الكشف ولا الإلهام ولا المشاهدة ..) (8)

وبينما يظهر التناقض في عبارات الصوفية حول معيار الموافقة أو المخالفة الذي بموجبهما نقبل الإلهام أو نرده, بدليل ما سبق من تقديم بعضهم الإلهام على الكتاب والسنة, نجد أن أهل السنة ميزوا بين المقبول والمردود من الإلهام.

فقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية حقيقة الإلهام بقوله: ( وحقيقته أن الله وكل بالإنس ملائكة وشياطين, يلقون في قلوبهم الخير والشر, فالعلم الصادق من الخير, والعقائد الباطلة من الشر, وقد أخبر الله أن الملائكة توحي إلى البشر ما توحيه, وإن كان البشر لا يشعر بأنه من الملك, فهو لا يشعر بالشيطان الموسوس أيضا) (9)  

وإذا سلمنا برد الصوفية للإلهام إذا كان فيه مخالفة صريحة للكتاب والسنة, فإن هذا لا ينفي قبولهم الإلهام في ما لم يشهد له النص بإلغاء أو اعتبار كالمسكوت عنه مثلا, وهو ما ينطبق على رسم البدعة, وعليه فللولي أن يشرع – بطريق الإلهام – ما لم يأذن به الله, ما لم يتضمن ذلك نسخا أو معارضة صريحة للكتاب والسنة, وفي كتاب الفتوحات المكية لابن عربي أمثلة لهذا الإلهام.

قال الشعراني: (الولي غايته الإلهام الموافق لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد الفتح, فلا يعمل به مستقلا, لأن نبوة التشريع قد انقطعت بموت محمد صلى الله عليه وسلم, فيصير ملك الإلهام يفهم ذلك الولي شريعة محمد ويطلعه على أسرارها حتى كأنه أخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا واسطة ..) (10)

ويقول إبراهيم الدسوقي في وجوب التسليم لإلهامات الأولياء: (عليكم بتصديق القوم في كل ما يدعون فقد أفلح المصدقون وخاب المستهزئون, فإن الله تعالى يقذف في سر خواص عباده ما لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل.., فما للعاقب إلا التسليم, وإلا فاتوه وفاتهم, وحرم فوائدهم, وخسر الدارين) (11).

فهذا يدل على أنهم يعتبرون الإلهام حجة, وأن ما ورد عن بعضهم برد الإلهام إذا خالف النص, ما هو إلا رأي مخالف أو ضرب من التمويه لستر حالهم.

درجات الإلهام عند الصوفية

1- الإلهام عن طريق الملك: حيث يلقي بالعلم للشخص الملهم , وبينما جعل الغزالي – في الإحياء - الفرق بين وحي الأنبياء وإلهام الأولياء مشاهدة الملك المفيد للعلم, مما يعني أن الملك يفيد الولي بالعلوم ذاتها التي يفيد بها النبي, غير أن الولي لا يراه.

اعتبر ابن العربي الفرق بينهما في نوع العلم النازل لا في المشاهدة, معتبرا أن الذي ينزل به الملك على الأنبياء غير الذي ينزل به على الأولياء .. حيث يمزل الملك على الولي لإفهامه ما جاء به النبي مما لم يتحقق هذا الولي بالعلم به. (12)  

ليأتي الدباغ برأي ثالث في الإلهام يؤكد التناقض في رواياتهم فيقول: (وأما ما ذكروه في الفرق بين النبي والولي من نزول الملك و عدمه فليس بصحيح, لأن المفتوح عليه سواء كان وليا أو نبيا, لا بد أن يشاهد الملائكة بذواتهم على ما هم عليه, ويخاطبهم ويخاطبونه, وكل من قال: إن الولي لا يشاهد الملك ولا يكلمه فذاك دليل على أنه غير مفتوح) (13)

2- الإلهام للعبد من الوجه الخاص الذي بين كل إنسان و ربه: وذلك من خلال ارتفاع الوسائط – كما يقولون – فلا يعلم به أحد ولا ملك الإلهام أيضا, وهذا عندهم أجل وأرفع أنواع الإلهام والإلقاء إذا حصل الحفظ لصاحبه. (14)

قال أبو المواهب الشاذلي: ( ..مقام الولاية الخاصة يعطي الأخذ عن الله بالله من الوجه الخاص ) وقال ابراهيم الدسوقي: ( الله تعالى يقذف في سر خواص عباده ما لا يطلع عليه ملك مقررب ولا نبي مرسل ولا بدجل ولا صديق ولا ولي ..) (15)

وقال الشعراني سائلا شيخه الخواص: (متى يصح للعبد أن يأخذ عن الله بلا واسطة من الوجه الخاص؟ فقال: إذا تحقق أنس القلب بالله تعالى بنسبة خاصة ورابطة خاصة, صح له الأخذ عن الله واستغنى عن المادة, لأن وارده لا يتوقف حينئذ على وجود الخلق ولا عدمهم ) (17)

الإلهام عند شيخ الإسلام ابن تيمية  

قسم شيخ الإسلام الإلهام إلى نوعين: محمود ومذموم, قال تعالى: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} الشمس/ 7, فهو سبحانه يلهم الفجور والتقوى للنفس, والفجور يكون بواسطة الشيطان وهو إلهام وسواس, والتقوى بواسطة الملك وهو إلهام وحي, وقد صار بالعرف لفظ الإلهام إذا أطلق لا يراد به الوسوسة, فالمأمور به إن كان تقوى الله فهو إلهام الوحي, وإن كان الفجور فهو وسوسة الشيطان.

والضابط الذي يفرق بينهما هو الكتاب والسنة, فإن كان مما ألقي في النفس مما دل عليه الكتاب والسنة على أنه تقوى الله فهو من الإلهام المحمود, وإن كان مما دل على أنه فجور فهو من الوسواس المذموم, وهذا الفرق مطرد لا ينتقض. (18)

وقد مثل شيخ الإسلام للإلهام الشرعي المحمود بالواعظ الإيماني في قلب كل مؤمن, والذي ورد في الحديث الصحيح: (ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى كتفي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة و على الأبواب ستور مرخاة و على الصرط داع يدعو يقول : يا أيها الناس اسلكوا الصراط جميعا و لا تعوجوا و داع يدعو على الصراط فإذا أراد أحدكم فتح شيء من تلك الأبواب قال : ويلك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه , فالصراط الإسلام و الستور حدود الله و الأبواب المفتحة محارم الله و الداعي الذي على رأس الصراط كتاب الله و الداعي من فوق الصراط واعظ الله يذكر في قلب كل مسلم) (19).

كما مثل للإلهام المذموم والبدعي بما يدعيه بعض الصوفية أنه لقن القرآن بلا تلقين, أو قول آخرين: أنهم أخذوا علمهم عن الحي الذي لا يموت, وهو كذب لأنه قد يكون إلهام من الشيطان وليس من الرحمن, والفرق بينهما لا يفصله إلى القرآن والسنة, فما وافقهما فهو حق وما خالفهما فهو خطأ, وما يقوله بعض الصوفية: "حدثني قلبي عن ربي" فصحيح أن قلبه حدثه ولكن عمن ؟؟ عن شيطانه أو عن ربه ؟ . (20)

لقد أساء الصوفية استخدام الإلهام وأخرجوه عن نطاقه الشرعي إلى شطحات ومبالغات وصلت إلى قلعة العقيدة وحصن الإيمان, وقد انخدع كثير من عوام المسلمين بدعاوى بعض مشايخ الصوفية في هذا الباب, وما ذاك إلا بسبب الجهل الذي يعتبر أعدى أعداء الإنسان في الإسلام, والذي لا علاج منه إلى بالعلم والتعلم.

ـــــــــــ

الفهارس

(1) الفتوحات المكية 3/456   

(2) لسان العرب 12/5

(3) تعريفات الجرجاني ص34

(4) مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين 3/431

(5) إحياء علوم الدين 3/19  

(6) طبقات الشعراني 2/68

(7) الفتاوى 17/68  

(8) طبقات الشعراني 2/5

(9) الفتاوى17/531

(10) اليواقيت والجواهر 2/71

(11) طبقات الشعراني 1/173

(12) الفتوحات المكية 3/316

 (13) الإبريز ص151

(14) اليواقيت والجواهر 2/84

(15) طبقات الشعراني 1/173 و2/68

(16) درر الخواص ص140  

(18) الفتاوى 17/529

(19) المستدرك للحاكم برقم 245 وصححه الألباني

(20) الفتاوى 13/74

إضافة لكتاب المصادر العامة للتلقي عند الصوفية عرضا ونقدا : صادق سليم صادق , و كتاب : موقف ابن تيمية من الصوفية , ومقال (دعوى الاستغناء بالإلهام) للدكتور عيسى عبد الله السعدي .

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الإلهام عند الصوفية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7