الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2014
 
الإثنين 16 يونيو 2014
 المعركة ليست ميؤوسا منها

بقلم: صادق أمين

خطب جمال الدين الافغاني يوما في الهند فقال:

"يا أهل الهند - وعزة الحق وسر العدل - لو كنتم وأنتم تعدون بمئات الملايين ذباباً؛ لكان طنينكم وحده كافٍ ليصم آذان بريطانيا ويجعل في أذن كبيرهم وقرا ... لو كنتم سلاحف فأحطتم بجزيرة بريطانيا لجررتموها إلى البحر وعدتم إلى هندكم أحرارا".

ولما أنشأ الحاضرون يذرفون الدموع قال:

"اعلموا أن البكاء لا يُجديكم نفعاً، والسلطان محمود الغزنوي ما أتي إلى الهند إلا شاكي السلاح، ولا حيلة لقوم لا يستقبلون الموت في سبيل الاستقلال بثغر باسم".

ويا ليت قومي يعلمون؛ إذ إدراكهم لقيمة إرادتهم في النضال هو الذي يقرر مصيرهم في الحرية والكرامة؛ حتى لا يدعوا مصيرهم بين يدي سفاح يدعي وينسب لنفسه ما ليس فيه، ويستأثر بكل شيء لا لشيء إلا أن يُرضي دافعا من أنانيته وحاجة نهمة في نفسه، وليرضي ميولا شاذة ونفسية معقدة لا يحلها إلا خروج الروح منه.

ويبقى السؤال:

ما مصيرنا؟ وإلي متى نظل ألعوبة في يد كل خائن؟

هل خلقنا الله لنكون مطية يركبها كل فاسد وانتهازي؟

هل كتب علينا أن تبقى حياتنا سلسلة متصلة الحلقات من الإذلال والضياع؟

وبالإجابة عما سبق؛ تترابط الخيوط ويستقيم فهم ما نحن فيه ومدى بشاعة الجريمة اليومية التي يواصلها النظام الانقلابي، وهي جريمة يشارك فيها الطيبون بالسلبية والقعود عن الكفاح؛ خوفا من فوات رزق أو موت.

والكثير لا يدرك أن الخوف يمكن أن يكون قوة ساحقة ويستطيع أن يُلحق هزائم بالناس، أكثر من أي قوة في العالم، وفي نفس الوقت يقع كل ما نريده من حرية وعزة وكرامة وعدالة على الجانب الآخر من الخوف.

وهذا ما نطقت به غزوة الخندق؛ حين ظل النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون وهم قرابة 1500 مقاتل، طيلة 34 يوماً على قدم وساق؛ للعمل على صد الأحزاب، البالغ عددهم 10000 مقاتل، ولم يتدخل الوحي لحظة واحدة لوضع خطة مناسبة من السماء مباشرة ولم يسأل الصحابة ذلك، ولم تنزل الملائكة لحفر الخندق، مسافة أكثر من أربعة كيلومترات وبعمق أكثر من خمسة أمتار وعرض ما يقرب من ثمانية أمتار ف غضون 10 أيام في الوقت الذي لا توجد خطة بديلة عنه.

قاموا بهذا العمل من ألفه إلى يائه، تحت ضغط ومرارة التعب والسهر والجوع والبرد الشديد، ولكن الإيمان بقضيتهم وحرصهم على العقيدة والعزة؛ أذهب عنهم الحزن والتعب؛ لأن الليالي النضالية الرهيبة امتداد ضخم لعمر طويل، ملئ بالحركة والحيوية والفكر .. حياة حافلة بكل ما تحمله كلمة "حياة" من معنى.

بل كان الحذر كل الحذر، من الرغبة الآثمة في الهرب من الواجب، وكان المستحيل أن تُخذل تلك الإرادة الجبارة إرادة الحق الذي ينطلق في مواجهة الشر، برغم اتساع الفارق بينهما؛ من حيث القوة المادية؛ لأن القوة المادية وحدها لا تخيف المؤمنين بالله.

ولأن كلاً منهم كما يقول الأستاذ: سيد قطب: "قطرة في نهر الحياة ولكنها قطرة تحس بأهداف النهر من المضي والتدفق والإرواء والإحياء؛ وعندئذ تكون للحياة في نظره قيم أخرى".

ومن بعد هذا البذل والعطاء الضخم في غزوة الأحزاب؛ قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا".

نعم؛ إذ بهذه الشخصية المؤمنة الواثقة بوعد الله ورسوله والمضحية بكل ما لديها، المستفرغة لكل طاقاتها ومواهبها؛ لا يجسر كائن من كان أن يقف في طريق نهضتها.

ولذا عندما قيل لأبي هريرة - رضي الله عنه -: "مَنْ أعلم الناس؟".

قال: "أعلم الناس أعرف الناس بالحق عند تخبط الناس، ولو كان قليل العمل يمشي على استه".

أرأيتم كم هي منحة من الله ما نحن فيه وماذا يريد بنا ولنا؟

فقد أراد الله - عز شأنه - لنا منحة جديدة بكفاح جديد بإيمان جديد ومقاومة في استماته؛ لأن المعركة ليست ميؤوس منها؛ (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).

وإذا بي - في الختام - أسمع صوت الشهيد سيد قطب وهو يقول:

"إن يوم الخلاص لقريب وإن الفجر ليبعث خيوطه، وإن النور سيتشقق به الأفق ولن ينام هذا الشعب بعد صحوته ولن يموت هذا الشعب بعد بعثه، ولو كان مقدرا له الموت لمات، ولن تموت العقيدة الحية التي قادته في كفاحه؛ لأنها من روح الله؛ والله حي لا يموت".

 
 
   Bookmark and Share      
  
  المعركة ليست ميؤوسا منها

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7