الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2014
 
الإثنين 16 يونيو 2014

 العسكر.. والكفيل!

بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود

قال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأنعام: 129].

العيون الزرق

نظام الكفيل اخترعته بلاد الخليج لتضمن أن من يعمل لديها – باستثناء الأميركان والأوربيين من أصحاب العيون الزرق – يظل خاضعا لمشيئة صاحب العمل، سواء كان جهة حكومية أو خاصة، لا يتحرك إلا بأمر الكفيل ولا يسافر إلا بإذنه، ولا حق له في الاعتراض على ما يطلب منه أيا كان، وفي العمل مع الجهات الخاصة أو الأفراد يمكن أن يُحرم العامل من راتبه لشهور أو سنوات، وإذا تململ فإنه لا يستطيع أن يفعل شيئا فجواز سفره لدى الكفيل حيث لا يستطيع السفر ولا يحصل على تأشيرة إلا بإذنه.

وقد استغل كثير من أصحاب العمل والأفراد نظام الكفيل في أكل حقوق العمال، وخاصة من المصريين الذين لا تأبه بهم حكومتهم، ولا تسأل عنهم إلا ساعة فرض الإتاوات التي تسمى ضرائب أو الخصم من التموين أو دفع الرسوم الباهظة على معاملاتهم وطلباتهم!

إدانة عالمية

نظام الكفيل مدان عالميا، واستنكرته منظمات حقوق الإنسان، ودعت إلى إلغائه، ولعل دولة واحدة هي التي استجابت لإلغائه حتى الآن وفي سبيل تنفيذه، وهي دولة قطر!

من المؤسف أن نظام الكفيل امتد لتدخل في دائرته بعض الحكومات العربية. وللأسف الأكبر فإن حكومة الانقلاب في مصر هي أبرز من يخضع لنظام الكفيل الخليجي. لم نكن نعلم بوضوح إلى وقت قريب عن هذا الأمر حتى فجرته برقية التهنئة التي أرسلها ملك آل سعود إلى قائد الانقلاب ليهنئه فيها على حكم مصر رسميا، بعد أن كان يحكمها عرفيا منذ 3 يوليو الماضي.

البرقية كشفت أن ( كبير العرب!) هو كفيل الانقلاب، وهو الذي يوجهه، ويأمره بما يريد، ويدعو لمشروع ماريشال عربي من أجل إنقاذ الاقتصاد المتدهور. لقد وصف (الكبير!) إعلان قائد الانقلاب رئيسا بأنه "يوم تاريخي"! وقال: "نقول لكل الأشقاء والأصدقاء في هذا العالم إن مصر أحوج ما تكون إلينا لتتمكن من الخروج من نفق المجهول. ولذلك فإني أدعوكم جميعاً إلى مؤتمر لأشقاء وأصدقاء مصر للمانحين لمساعدتها في تجاوز أزمتها الاقتصادية". وحذر( الكبير!) بأن "من يتخاذل عن تلبية هذا الواجب وهو قادر فإنه لا مكان له غداً بيننا (؟؟)، إذا ما ألمت به المحن وأحاطت به الأزمات". وقال: "إن بلاده لن تسمح بالتدخل في شئون مصر الداخلية(؟؟)".

تجليات مهينة!

برقية التهنئة كشفت عن نظام الكفيل وتجلياته المهينة للانقلاب، بل لأهل مصر جميعا، وتجاوزت الطبيعة البروتوكولية المتعارف عليها لذلك النوع من البرقيات، بل خالفت الأعراف الدبلوماسية بين الدول ذات السيادة، إذ سمح الرجل لنفسه أن يرسم علنا لقائد الانقلاب المسار الذي يجب عليه أن يسلكه داخليا، بالإضافة إلى الدعوة دون تشاور مسبق مع أصحاب الشأن إلى عقد مؤتمر لـ«المانحين» لمساعدة مصر، في مبادرة افتقرت - كما قال المراقبون - إلى الحساسية والمعرفة بطبيعة الشخصية المصرية، بل تجاهلت أن مؤتمرات المانحين تعقد لمساعدة دول تعاني حروبا أهلية او كوارث طبيعية أو إنسانية، وليس بلدا يتمتع بما لدى مصر من مكان وإمكانات حتى في ظل أزمتها التي هي سياسية في جوهرها، وبالتالي لا ينفعها إلا حل قائم على حلول سياسية.

لقد عمدت بعض الأبواق الإعلامية الانقلابية إلى إنكار ورود كلمة «المانحين» في البرقية السعودية ردا على الاستنكار التلقائي الذي أبداه كثير من المصريين حتى من يؤيدون الانقلاب العسكري الدموي الفاشي، ولكن تبقي فجاجة التدخل بمنطق الكفيل في شئون مصر قائمة. والسؤال هو: هل يستطيع الانقلاب أن يفي بما يسمى في الأدبيات السياسية «التعهدات سيئة السمعة» التي تصدر عن مؤتمرات المانحين ولا  تتحقق إلا نادرا؟

الحوار الوطني

 الكفيل السعودي يوجه قائد الانقلاب إلى «احترام الرأي الاخر مهما كان ضمن حوار وطني»، يستثني منه الكفيل «من تلوثت أيديهم بالدماء»، مع التحريض على تصفية ما أسماه «ضرب هامة الباطل» ويقصد التيار الإسلامي ودعاة الإسلام.

الكفيل السعودي كان سعيدا ومبتهجا بقتل الآلاف من الإسلاميين في رابعة وشقيقاتها، وأرسل رسائل التهنئة الفياضة بالمديح للقتلة الذين دعمهم بالمال، ويواصل اليوم دعوته لمزيد من الدم، وهو يوصي مكفوله بالحوار الوطني وينسى نفسه فيتجاهل الحوار مع معارضيه في الداخل والخارج الذين يلقيهم في الأعماق المظلمة بلا محاكمات في كثير من الأحيان مع استخدام كل ألوان التعذيب الوحشي البشع، ويدعي بعدئذ أنه يرفع راية الإسلام ويحميه ويدعو إليه؟

إهانة مصر

الكفيل السعودي حين يهين مصر من خلال الانقلاب ينسى أن مصر هي عقل الإسلام، وأنها كانت منذ قرون - ومازالت - تحميه دون منّ ولا أذى، وأنها كانت تساعد الدول العربية والإسلامية مساعدات مادية ومعنوية، ما زالت آثارها بادية وشاهدة عليها، بدءا من التكايا والمدارس التذكارية وكسوة الكعبة، والجيل القديم أو من بقي منه ما زال يحفظ أيادي مصر ويذكرها، ويعلم أن مصر لم تكن ترسل متعاقدين أو معارين بل كانت ترسل مبعوثين تتولى نفقاتهم وإسكانهم ودفع مرتباتهم ليعلّموا ويؤسّسوا ويدرّبوا ويبْنوا ويعمّروا، وكانت استقبالاتهم في المطارات والموانئ تتم بمعرفة كبار المسئولين. لم يكن المصريون بالصورة التي يُستقبلون بها اليوم، ويُعاملون من منطلقها، ويحجر عليهم الكفيل حتى يروق مزاجه العكر فيطلق سراحهم ويمنحهم القليل من حقوقهم!

محاربة الإسلام!

على أية حال نتمنى من الكفيل السعودي أن يحاور أهل نجد والحجاز أولا، وأن يكف عن التدخل في شئون مصر المسلمة، وألا يحارب الإسلام والمسلمين على أرضها، لأن أهل مصر لا يؤمنون بالتدين الشكلي ويسعون إلى الاستقلال الكامل عن أميركا والخليج واليهود، وحبذا لو اقتدى الكفيل السعودي بالملك خوان كارلوس ملك إسبانيا الذي أعلن عن رغبته في الاستقالة وتسليم الحكم لولى عهده ليتفادى بعض المآخذ التي يأخذها عليه معارضوه!

شعب مصر يعيش الربيع العربي الذي أشعل جذوته التي لن تنطفئ في العالم أجمع ؛ ولن يتراجع مهما بذل من تضحيات حتى يحقق أهدافه في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وهي أهداف تزعج الكفيل السعودي دائما!

 
 
   Bookmark and Share      
  
  العسكر.. والكفيل!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7